في حماية القلم: اعترافات كاتب

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

القلم سلطة أزلية وشهادة أبدية, يخط فَلاحاً وهلاكاً, نبيلٌ وشريرٌ، ليس له دين، ولا لغة، أو أخلاق، أو مبادئ، ترعرع عليها في المقلمة الأم . إذا اتصل باليد يستحيل وريداً، ومُنتهى تدفق الدم, يخافه حتى الذي يمسك به؛ لأنه أداة فعالة للتهور وخاملة للندم.

ألوذ به في قراءاتي، ولا أكتفي عنه بالقراءة بالعين أو تحريك الشفتين؛ لأمعن في إيهام نفسي بالتحصيل والفهم.

أفرضه ضرورةً لإتمام مُركّبي القرائي (العين + الكتاب + القلم القارئ), وأحسبني بينهم من لزوم ما لا يلزم، وقدري أنني جسد، في رأسه عين, وفي يده قلم، وفي حُجره كتاب، وذهنٌ نشط في الاستيعاب، والشرود في الهواء، وتأويلات الفراغ.

القلم في يدي يداري ضعفي حيال فخامة الكتاب، وجبروت العلم, يؤدي جملة من الأدوار البصرية، يمسك بي والرائي يظنني أُمسك به.

الاستعانة بالقلم أثناء القراءة محاولة لتقوية شخصية القارئ، أمام جيش المعلومات والسيطرة عليها وتطويقها بدوائر، أو التعليق عليها، ووضع خط تحت التعبيرات ذات الشأن عمقاً أو بلاغة، والتوقف حيالها موقف المتسول أمام الكريم أو شبهه؛ لالتقاط ما يندّ من بيان الآخرين، ويطرحونه في الطرقات مشاعاً مباحاً، ينتقل إلى حوزة القارئ بجرة قلم، تحت عبارة أو كلمة، يستخدمها في سياقاته الخاصة، أشبه ما تكون بقطع غيار من السوق السوداء، لتكتمل بها في السوق البيضاء، إذا حوّرها تركيباً أو تجنيساً، أو جعل اسمها فعلاً، أو فعلها اسماً، لينسبها إلى براعته البلاغية، وكأنها من نحته، ورثها صاغراً عن كابر، أو تسولها في الخفاء، بفضل القلم القارئ، النشط في الاعتداء الناعم على متاجر الآخرين.

للقلم القارئ سيطرة على أعصاب القارئ، تمتد إلى ذهنه وعقله، وتُمكّنه من إدارة العلاقة بين القارئ والمقروء، حتى ليبدو العقل الحي طرفاً أضعف بين جمادين (القلم القارئ والكتاب) والحفظ والفهم، وكلٌّ منهما يحتاج إلى ثقب مستقل، يتسلل منه الوارد، يتبدل معه الجسد إلى سيكولوجيا من الثقوب، ينفذ منها عِلم وتيار هواء، يذهب ببعض العلم أو جلّه، ويغالبني الحس أن لشخصيتي وذاكرةِ الأبيض والأسود دوراً ضالعاً في هذا الاختلال في فهمي وتفاهمي مع القلم والكتاب، وعَوَزي إلى من يديرني في إدارتي الكتابَ، وقد اجتهد القلم في هذه المهمة الطارئة، وأحرز بعض النجاح؛ ذلك أني كلفته بوظيفة تتطلب حاسة تفرّد بها، وهي بصره ووعي ما يبصره، في حين أنه خُلِق بجارحة النطق لا غير، فكانت المهمة عبئاً جسيماً على قلم غير جسيم.

القلم القارئ يضفي على صورتي فخامة مضاعفة، شأن العصا التي يتوكأ عليها المسن العاجز، أو الوجيه المتفاخم، ولا أحسب نبيهاً أو متنابهاً يحدس أن القلم القارئ في يدي عصا في قبضة عاجز، والحق ما غاب عنه الحدس النبيه.

إدمان القبضة على القلم أثناء تلقي المقروء تجذّر في إرادتي الثقافية، وامتد إلى إرادتي الإنسانية، وصارت استغاثتي به حالة إجرائية عفوية، كالاستغاثة بالماء حال العطش، وأظنها علّة تستثنيني ونفراً من القرّاء والكتّاب.

رسمُ خط تحت عبارة، أو إحاطتُها بدائرة، أو مستطيل توقفٌ وانتظارٌ وانقيادٌ إليها إعجاباً أو استهجاناً أو استطراباً، وتدخّلُ القلم لتقييد ردّ فعلي خدمةٌ سريعة وتأييدٌ على خطوة إصلاحية ثقيلة، أبادر بها لتعديل مسار التاريخ المسطور، قراءةً وتأملاً، وأمارس فوقيتي حتى على العلم ذاته، بقلم كتب أول العلم وآخره، وله الصلاحية المطلقة في التعديل، أو إعادة التأليف والإنتاج بسلطوية الصولجان في قبضة المستبد، والفأسِ في يد الفلاح المنتج، وحبلِ السفينة بين أصابع البحّار المغامر, وكلها رموز تتآلف مع أصابع الكف، لتأخذ قيمتها منه، ويأخذ قيمته منها، والقلمُ سلطويٌ منتج مغامر في آن معاً، وقارئٌ يعلق في الهوامش ليصدّق التاريخ أو يكذّبه، كيف لا ؟ وهو الذي كتبه، وهو أدرى بذاكرته وزلاتها.

القلم القارئ في كفّي مبعث ووسواس وغواية، يغريني بالتطفل على دقيق المكتوب وجليله، ويجرّئني على التشكيك في يقينيات، كنت أسلّم بها ولا أزال، لكن قرب القلم من السطر يغرر بي، ويدفعني من الطمأنينة العاقلة إلى الطيش المتعاقل، كأنما هو تنمُّر واستئساد وترويض بلا مناسبة، ولم يكن الباعث محرضاً على الشك، إنما متعة جلد النص بالقلم؛ لأدرب قريحتي على فضيلة النقد، وأمتحن مواهبي في كشف الخلل أو اختراعه.

في المقابل يلطّف القلمُ القارئُ الوصالَ بيني وبين الكتاب، ويضفي نعومة كالريش الفاخر، تدغدغ مسافة شبرين، تفصل عيني عن صفحة كخدّ ماجنةٍ (تعطي قُبلتها من يشتهيها)، أشبه بالتكيف والوئام, وتبادل المشاعر الودودة، وروحانيات العلم . وتمضي هذه الحميمية الخاشعة بي إلى تقمص الصفحة، والتماهي مع مفرداتها، وإقحام نفسي مشاركاً في تأليفها، بحسبانه حقاً من حقوقي؛ لأني أمسك بقلم يقرأ قبل أن يكتب، مسجلاً أدق درجات فحص كلمات يحلّق فوقها على مرتفع خفيض, يجلّيها كمّاً وثراءً، شأنَ البخيل المحدودب على إحصاء نقده، يشبعه تقليباً وتدقيقاً، ما جعلني أقلَّ قرنائي تحصيلاً ثقافياً؛ لتباطُئي المرادف للوقار أو الكسل أو البلادة أو التأمل، الذي يجس بين السطر والسطر سطراً مفقوداً، شرد في تيه التاريخ، أو غفلة كاتبه، أو تبذيره، أو تهميشه في سقط المتاع، أو نبذه إلى العدم خشيةَ رقيب السماء والأرض.

تلك حكمتي أو حماقتي في قراءتي، وقلمي الذي يتوسطهما حكيماً وأحمقَ، طِبْقاً لسيكولوجيا لحظة فاضلة أو نزقة، تغويني باستحضار هذا السطر المفقود، وردّه إلى موضعه الشاغر، متسقاً مع سُلّم السطور والأفكار.

القراءة بالقلم تشي بأنني نصف كاتب ونصف قارئ، يحتدم التوتر بينهما أمام الكتاب، لأنه مقروء ومكتوب، وولادة للكلمة بالقلم ونضجها في التئامها مع أترابها في السطر، وزفافها إلى العقل مقروءةً، تمور في الدماغ النشط، وتنجز إضافة ناقصة البلوغ، يسمونها (بنات الأفكار)؛ لأنها لا تكاد تُبين، كالعذراء الخجول، المترددة في الإدلاء برأيها في أمر مصيري، ليتدخل القلم القارئ الجريء ويشحذها همةً وإقداماً، فتنطق ولو برأي خديج، يستكمل نموه كبقية لِداته كائناً سوياً، وقد يبزّهم في استوائه قواماً وعقلاً.

استعانةُ أصابعي بالقلم القارئ إجراء آلي، أغشى بمعيته حرم العلم، ليكتمل المثلث، وتتملكني هذه الثلاثية لحطةَ يحضر القلم عفواً في يدي، ويغيب الكتاب، فأجدني مدفوعاً إلى البحث عن مقروء أياً كانت قيمته .

القلم القارئ يسوّل لي السطو على فكرة أو عبارة، أو تحوير قصة أو موقف، لكني آنف من الارتكاس في دونية الاقتيات على ما حازه غيري، وأتكلف الإبداع الموازي لكل مقروء، وينهض القلم بمهمة التعليق الذي يعزز من طبيعتي الناقدة أو المتذوقة . ناقدةٍ تأوي إلى ركن شديد في العقل والقريحة، تستقوي به لإحداث خلل في نصّ تنهشه عيني فريسةً ناضجةً أو متذوقة، تصقل القريحة، وتهذب الشعور، تسمو بالذائقة، وترقرق المزاج.

أنا متورط بعقل غير متصالح مع ما يقرأ، يتفاقم احتجاجه لشعوره بأن المؤلفين عاشوا التورط ذاته، ونقلوه مهذباً إلى كتبهم واحتجاجهم على سيناريو التاريخ، لا لأنه خطأ، بل لأنهم لم يشاركوا في تدوينه، ويستشعروا تهميشهم وازدراءهم، وهم فاعلون في هذا التاريخ، وتستبدّ بهم نزعة شوهاء، تلهب عواطفهم إلى ضرورة إعادة كتابة التاريخ، فالسيناريو لا ينسجم مع تطلعاتهم الثورية وطموحاتهم للتغيير، فارتدوا إلى التاريخ ليقولوا له :(كن فيكون)، ويعيدوا خلقه وتنشئته بما يتآلف مع شعاراتهم الإنسانية ومشاريعهم الكونية الكبرى.

القلم القارئ يزج بي إلى تعليقات مصيرية في هوامش كتبي، أحسبها بدهية لتقوية الذاكرة، أو استحسانٍ أو استبشاع، بيد أنها في واقع الأمر اعتراضات على ضمير التاريخ، واتهام له بأنه لم يفلح في رواية ما حدث، مدعياً بأنني أدرك الحقيقة والخير والجمال، التي غفل عنها التاريخ نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *