مظاهرات السودان وأصل الحكاية

..

موقع المثقف الجديد - عزام المشعل

على مدى عقود، عانى السودان التوتر في العلاقات الخارجية، وعلى وجه الخصوص مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهذا الأمر انعكس بشكل سلبي على اندماجه في المنظومة العالمية التي لا يمكن للسودان أن ينهض دونها.

وكان من أكثر الأحداث التي عززت هذا التوتر اغتيال السفير الأمريكي في الخرطوم عام 1973م، ووجود أسامة بن لادن في السودان في التسعينات، والصراع في دارفور.

ولقد أثّر هذا التعاطي مع السياسة الخارجية في مستقبل البلاد، وجعل السودان لقمة سائغة في أيدي المتنفذين داخل المنظمات الدولية، الذين يدركون أن نجاح هذا البلد سيقوض مشاريعهم ومصالحهم؛ فالسودان أرض الغذاء وأحد مكونات الاستقرار في المنطقة.

أُدخِل السودان في نفق مظلم أصبحت الرؤية فيه منعدمة والمعادلات الاقتصادية معقدة، بعد أن أصبح في معزل عن المنظومة الاقتصادية العالمية بعد فرض العقوبات من قِبل الرئيس بيل كلينتون في عام 1997م، بتهمة رعاية السودان الإرهاب وسوء سجله في مجال حقوق الإنسان، وهو أمر كارثي على دولة ذات موارد محدودة تعتمد على النقد الخارجي!

في عام 2010م اتهمت المحكمة الجنائية الدولية حكومة السودان بتهمة الإبادة الجماعية لنحو 200 ألف خلال الصراع في منطقة دارفور التي بدأت عام 2003م. وعلى إثر هذه الخطوة أُجبر السودان على مساومة المجتمع الدولي والقبول بانفصال الجنوب. وكما نعلم فإن تقسيم الدول إلى دويلات من أكثر الأساليب الفعالة لإضعاف المنافسين وتقويضهم. وسرعان ما تدهور الوضع بعد انفصال جنوب البلاد في عام 2011م، وأصبح الاقتصاد السوداني يكافح لتحقيق الكفاف، حيث أخذ هذا الانفصال معه ثلاثة أرباع إنتاج النفط! وعلى إثره حُرمت الخرطوم من مصدر مهم للعملة الأجنبية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تقلصت عائدات النفط السودانية المستنزفة بالفعل بنسبة 20% أخرى من الربع الخاص به، بعد أن تضرر حقل (هجليج) الرئيسي للنفط وأُغلق؛ بسبب النزاع الحدودي مع قوات جنوب السودان في عام 2012م.

مع هذا النقص تُرك الشمال يكابد لكبح التضخم وتوفير دولارات لدفع ثمن الواردات، وقد تعمقت الأزمة خلال العام الماضي، حيث إن السوق السوداء للدولار الأمريكي قد حلت فعليًا محل النظام المصرفي الرسمي، وتم خفض قيمة الجنيه السوداني؛ وهذا زاد صعوبة استيراد الإمدادات الأساسية، مثل: القمح، وسبّب ارتفاع أسعار السلع، مثل: الوقود، والخبز!

تحاول الحكومة السودانية الخروج من هذا النفق، لذلك كانت السياسة الخارجية للبلاد خلال السنوات القليلة الماضية تركز في شيء واحد فقط، هو: تحسين العلاقات مع العالم الخارجي لزيادة الاستثمار.

اليوم تسعى السودان إلى الاستفادة من ذوبان الجليد في علاقتها مع الولايات المتحدة، بعد رفع العقوبات عنها من قِبل الرئيس ترمب في أكتوبر عام 2017م، وطلب حذف السودان من قائمة وزارة الخارجية للدول الراعية للإرهاب، وهذا الأمر قد يكون أصعب من رفع العقوبات؛ لأن من المرجح أن تطلب الولايات المتحدة دليلاً على أن البلاد قد حسّنَت سجلها في مجال حقوق الإنسان وأنهت العنف.

وبالرغم من أن رفع العقوبات يعد عاملاً رئيساً لتقدم السودان إلا انه جاء متأخراً، وفي هذا السياق يقول ماغنوس تايلور، المحلل بمشروع القرن الإفريقي لمجموعة الأزمات الدولية:

إن السودان يعاني التضخم الجامح، وارتفاع أسعار القمح بعد إلغاء الإعانات الحكومية. ولم تكن نهاية العقوبات الأمريكية كافية لتعويض هذين العاملين؛ فالكثير من الشركات لا تزال متخوفة من الاستثمار في السودان، والاقتصاد في وضع سيئ في الوقت الحالي؛ لذا فإن بيئة الاستثمار ما زالت طاردة!

السودان بحاجة إلى المضي قدماً نحو إعادة الاندماج في المجتمع الدولي، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، والحصول على تخفيف عبء الديون. المشكلة الاقتصادية هي محور المشكلة السياسية التي يواجهها السودان، والوقت هو الجوهر هنا، ويجب الاستفادة بشكل سريع من النوايا الحسنة التي تم بناؤها حتى يتمكن السودان من المضي قدماً.

أعداء السودان والمتربصون بأمنه يدركون خطر تقدمه على خططهم ومصالحهم التي تقتضي نشر الفوضى وتزييف الحقائق؛ لتغذية التوتر بين الشعب والحكومة، وإعاقة جهودها الحثيثة لتحسين ملف حقوق الإنسان الذي يعد مربط الفرس لتحسين اقتصاد السودان. لذلك يجب أن تتوقف الصراعات والنزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وخفض الإنفاق على الأمن والجيش. وكذلك المضي قدماً نحو تغيير السيرة الطويلة من الإخفاقات في إدارة الشؤون الخارجية، والانسجام مع سياسات المنظومة الدولية، مع الحذر من أفخاخ العولمة؛ ليبقى السودان شامخاً ينعم شعبه بالأمن والاستقرار.

 

 

التعليقات

8 تعليقات
  1. عمر الكده says:

    الحقيقة ان الحكومة الحالية باتت عاجزة عن تحقيق مطالب الشعب ومن الطبيعي ان ترحل لتأتي حكومة جديدة تعلم على تحقيق متطلبات الشعب وهي تتلخص في العيش الكريم وتوفر كل السلع باسعار معقولة ومناسبة لدخل الناس.

  2. محمد السيد says:

    التضييق على الناس من الطبيعي ان يصل لما وصلت اليه الحال اليوم نصف الشعب لايعمل والبلاد في تدهور مستمر وهي اليوم في امس الحاجة لمن ينقذها من ضوائقها المتنوعة كافة الاصعدة .

  3. صالح الخليفي says:

    ما نراه اليوم لايعدوا كونه مؤامرة جديدة لتفتيت المفتت وتجزيء المجزأ فبعد ان قسم السودان الى شمالي وجنوبي يتم الاعداد اليوم لتقسيمه شرقي وغربي او عربي وأفريقي ، وهذه مؤامرة بريطانية غربية قديمه تستهدف هذه البلاد التي كانت تعد ذات يوم لتكون سلة غذاء العرب

  4. سلطان الرميثان says:

    سبجان الله مايجري شيء غريب وهناك ايادي خفية تعبث بامن البلاد ، والسودان بلد غني بموارده وطاقاته ومياهه ولاينقصه شيء هناك شيء غير طبيعي يحدث وعلى الشعب السوداني ان لاينجر وراء وهم الحريات واسقاط الحكومة التي لن ياتي منها الا كل فتن وتشتت وتناحر وربما مستقبلا يأتي يوم يترحم فيه اهلنا في السودان على هذه الايام التي يعيشون فيها بأمن وامان .

  5. ربحي القرا says:

    لم ترفع العقوبات بل خففت ولا تزال هناك قائمة اشتراطات أمريكية بانتظار تنفيذ السودان لها

  6. نواف العريدي says:

    اعتقد ان الكاتب لم يزر السودان لو زارها ستتغير وجهة نظره… هناك حصار لكن هناك فساد وأكثر الناس معرفة به هم المستثمرين العرب

  7. وليد مصطفى says:

    البشير يحكم منذ 28 عام وهنا يكمن السر لا يملك جديد ليقدمه سوى عقلية العسكر وبطانة من الاوتقراطيين هم الأكبر البقاء في السلطة

  8. جهاد says:

    السودان لديه أعداء كثر صنعتهم بمواقفها السياسية وتضامنها مع القضايا الإسلامية لذلك حتى وإن انتهى نظام البشير. سيبقى الوضع دون تغيير

اترك رداً على ربحي القرا إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *