ما السر وراء انسحاب أمريكا من سورية؟!

..

المثقف الجديد - عزام المشعل

المتابع لسيرة الرئيس ترمب قبل الانتخابات وبعدها يدرك أن الوجود العسكري للجيش الأمريكي في الخارج ليس خياراً مفضلاً له، وحرب الخليج كانت إحدى الشواهد؛ فقد ردد على منابر الإعلام في أكثر من موقف معارضته لغزو العراق؛ وهذا أحدث توتراً بينه وبين أسرة الرئيس الأسبق (بوش). أما الانسحاب من سورية فهو بعكس ما يصوره الإعلام على أنه أمر مفاجئ، فالمتابع يعلم بأن هذا الانسحاب يعد أحد الوعود الانتخابية لترمب، وهو رجل يريد إثبات أنه يفي بوعده.

إن رجل الأعمال الرئيس يختلف مع صقور واشنطن حول البعد الأمني الذي يحققه الوجود الأمريكي وماهيته في أماكن الصراع حول العالم، وبحسب فهمه فإنه يجب أن يكون لهذا الوجود عائد مادي على المواطن الأمريكي وأهداف ذات جدول زمني. فالوجود العسكري الأمريكي في سورية ليس ذا أهداف واضحة يمكن تحقيقها، وفكرة شرطي العالم التي يكتسب صقور واشنطن قوتهم منها أخذت في التمدد دون قيود، ويجب تقويضها، بحسب رأيه.

إن ضمان الانقراض التام لداعش – بحسب رأي القادة العسكرين – هو هدف يجب تحقيقه، لكن ترمب يعدّه ذريعةً للحفاظ على القوات إلى الأبد خارج الحدود الأمريكية؛ ففي أفغانستان على سبيل المثال تقدر خسائر وزارة الدفاع الأمريكية بنحو خمسين مليار دولار سنوياً على مدى سبعة عشر عاماً، ولا تزال الحاجة إلى المكث في أفغانستان قائمة، والوقت مفتوح بحسب رأي وزارة الدفاع! وهذا المبلغ كان بالإمكان أن يوضع في مشروعات تخدم الأمن القومي لأمريكا، مثل: الجدار على الحدود المكسيكية. هكذا يفكر ترمب.

الحالة السورية كانت بمثابة إمساك ترمب العصا من النصف، وهو الذي عُرف بقدراته التفاوضية. والقوات الأمريكية في سورية كانت فرقة قليلة من ألفي عنصر تقريباً، معظمهم من السي آي ايه والقوات الخاصة، ووجودهم لم يكن تحت غطاء شرعي من خلال مجلس الأمن، ولا بدعوة من الحكومة السورية كما هو الحال مع إيران وروسيا. وهذه الحال جعلت خروج هذا القوات أمراً لا مفر منه، خصوصاً أن الهدف الذي وضعته وزارة الدفاع واستجلبت له القوات تحقق – حسب رأي الرئيس ترمب –. وهو: القضاء على داعش بقدر كافٍ يمكّن محاور القوى في المنطقة من السيطرة والقضاء الكلي على فلولهم.

كانت القوات الأمريكية تسيطر، من خلال حلفائها الأكراد، على ثلث الأراضي السورية تقريباً. وهذه المناطق تقع في الشمال الشرقي للبلاد، وتعد مناطق ثرية بالنفط، ويسعى الأكراد إلى الحصول على حكم ذاتي في هذه المنطقة بعد تحرير أجزاء واسعة منها من قبضة داعش، لكن ترمب لا يشاركهم هذا الاهتمام إلى حد الدعم الميداني.

إن عدم استمرار الإدارة الأمريكية في سورية وصفه الأكراد بأنه (طعنة في الظهر)! لكن ترمب المقابل يعد وجود القوات الأمريكية داخل هذا الصراع الذي تعد تركيا طرفاً أساسياً فيه خياراً مرفوضاً جملةً وتفصيلاً، فتركيا – شئنا أم أبينا -‫ حليف مهم لأمريكا، وأحد أعضاء حلف الناتو، الحصن المنيع والمدفع الموجه تجاه روسيا العدو الإستراتيجي لأمريكا وأوربا؛ وهذا  يجعل كلا الطرفين حليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة، ولا يجوز أن تساند أحدهما على الآخر.

لكن بالمقابل بالإمكان تسليط عقوبات مجلس الأمن على المعتدي دون الحاجة إلى التدخل المباشر، وهذا يتسق مع منهج ترمب وإدارته للسياسة الخارجية.

إن حالة التوتر التي خلقتها خطوة الانسحاب الأمريكي بين تركيا والأكراد والمحور العربي تعد أمراً لا مفر منه، وقد تكون مطلباً إستراتيجياً يمكن الاستفادة منه في المستقبل، أما الحكم الذاتي فقد يتحقق بالمفاوضات مع نظام الأسد الذي ما زال بحاجة إلى الأكراد للقضاء على أعدائه، وبذلك يتكرر النموذج العراقي.

الطرف الروسي في المعادلة السورية هو الآخر كان عنصراً مؤثراً في قرار الانسحاب، وينعكس بشكل إيجابي على مستوى العلاقات الأمريكية الروسية، ويقلل حالة التوتر والصدام بين البلدين التي خلقتها انتخابات ٢٠١٦م، فروسيا تعد مؤثراً رئيساً في المسرح السوري وصاحبة اليد الطولى، والأهم من هذا وذاك أن وجودها يحمل صفة شرعيةً لا يمكن بأي حال من الأحوال تقويضها حتى بأنظمة مجلس الأمن.

قرار الانسحاب الأمريكي أحدث حالةً من التوتر والامتعاض بين أوساط الدول الإقليمية وعلى رأس تلك الدول إسرائيل؛ وذلك لما يشكله الوجود الإيراني في سورية من خطر على استقرار المنطقة. وإدارة ترمب لا تجهل أطماع إيران نحو تأسيس شريط يخضع لسيطرتها من طهران إلى دمشق، لكن إستراتيجية ترمب هي التركيز في رأس الأفعى، من خلال تعزيز قاعدة الأسد كحائط صد في الأنبار (عمق العراق)، وقطع الطريق على التمدد الإيراني من هناك، ومنع تأسيس نسخة من حزب الله في العراق، وهذا بحسب تقديره أكثر فعالية لتقويض المشروع الإيراني. إضافةً إلى أن هذا القرار بمثابة إجبار لجميع الأطراف ذات الصلة في سورية على حماية أهدافها الإستراتيجية.

الوجود الأمريكي في الأراضي السورية يعد معادلةً خاسرة بعد تحقيق الهدف الرئيس، وهو: القضاء على داعش، حسب وجهة نظر إدارة ترمب. ووجود القوات الأمريكية خارج حدودها يجب أن يكون مقيداً بأهداف واضحة وجدول زمني يأخذ في الحسبان مصلحة الأمن القومي لأمريكا والاقتصاد الأمريكي، بشكل يضمن الرفاه للمواطن الأمريكي أوّلاً.

التعليقات

4 تعليقات
  1. رامز says:

    البناء على أراء ترامب ووعده الانتخابية في تحليل السياسات الأمنية الأمريكية لا يعد من الحكمة… اعتقد ان سحب القوات الأمريكية كان هدفه تسريع مواجهة بين الأتراك والنظام السوري فقط

  2. نعمان الهاشم says:

    لو كانت واشنطن حريصة على القضاء على داعش لتدخلت في منطقة الساحل والصحراء ونيجيريا لكن داعش كانت أكبر مشروع أمريكي ويستخدم وقت الحاجة

  3. محمد العامري says:

    هناك اتفاق جرى بين النظام السوري وإسرائيل بوساطة روسية بموجبه تنسحب إيران من الجنوب السوري وتعترف بسيادة إسرائيل على الجولان مقابل انسحاب أمريكي من الشمال..

  4. الملهم says:

    امريكا تنسحب بعد ان منعت الثوار من الانتصار والتقدم على بشار الاسد وبعد ان مكنت للحشد الشعبي في العراق وساعدته ليجتاح شرق سوريا ، وبعد ان ضمنت بقاء بشار لسنوات قادمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *