فُتِنتُ بجسد اللغة عن عقلها: اعترافات كاتب

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

إذا انقدحت في أذني كلمة (لغة) ينصرف إدراكي بكليّته إلى الحرف لا الصوت، والمكتوب لا المنطوق، وإلى الرسم الملون على البياض جسداً مجسداً، وكتلةَ مادةٍ تباشرها العين (سيدة الحواس)، وأفرط في رهافة توكلي عليها حدَّ أني أسمعها، وكأن الحبر يتكلم.

لا أفلح في تشخيص الحالة، هل هي شفافيةٌ أو شهوانيةٌ؟ لكنها مستبدة، لا سبيل إلى الفكاك منها إلا بأن أداويها بالتي كانت هي الداء، أو أغفلَ عنها أخذاً بها منها، أو أعالجها جراحياً؛ لأستأصل عضواً نافعاً ضاراً.

منذ التحقت بقسم اللغة والأدب في مختتم مراهقة كتومة، وكبتٍ اختياري، اصطفيته خُلقاً يطلق سراح الخيال، ويعتقل السلوك، تبلورتُ نفْساً مقبلةً على المظهر والمادة الحية وجسد الإنسان والجمال، تحيلني إلى بواطنها، وقد لا تفعل، تبعاً لدرجة تنفس الكبت تجاه الصورة، وتأويل الخيال، وحياد السلوك، وانتظار الرغبة.

ولم أبرح متلبساً بهذا الوقار الزجاجي، القابل للخدش من أي مؤثر لطيف، فهو هشّ كالخَجِل الذي يتمنّع وهو راغب، لا يلبث أن يهشم بلّور وقاره، تمرداً على تناقض الخيال الحر والسلوك المقيد.

هذه الوصاية المُضمرة تجعل من الفكرة جسداً دائرياً، ومن الخيال سماء ملونة، ومن الأجسام الجامدة نظراءَ في الجسمية وإخوة في المادة. أختزلُ ثنائيتي مع اللغة في هذا الاستثناء الحسي الذي تبلور قاعدةً داخليةً، لا أفشيها، ولا سبيل إلى بلوغها إلا بشق الصدر؛ لأنها تفصح عن علاقتي الخاصة بلغتي وخلوتي، والتعاطي الحذر معها جسداً وروحاً، وأن أكثر خلواتي تحضيراً للأجساد لا الأرواح.

لا أعزو نزعتي تجاه هذا الجسد إلى شبقية لحم اللغة، إنما هي شوق عارم دفين للمكتوب، كونه خطّاً عربياً ورسماً يستدرجني إلى عوالم مبهمة، تُغالب التحديد والاستكناه.

الحروف تضمر إيحاءً كثيفاً يقع على زجاج حسي، ليستطيل شاشة تنفتح على كل الأزمنة، بدءاً من جَدّ العرب الأول إلى حفيدهم الأخير. هذا العصف يوقعني أسيراً مختاراً للحرف والكلمة والتركيب والصوت والإحالة الحرة، تلقاء زمن أختارُه وأعيشه، في انفصامية عذبة شائقة، ربما إلى فردوس مفقود، أو مجد غاب مؤقتاً، أو حميّة عروبية تدفعني إلى صدارتها، تلقي على كاهلي عبئاً جليلاً، أنوء بحمله، وأستعذبه شرفاً ممتعاً، يشعرني بأهميتي فيه، وأهميته فيَّ.

تلك الشبكة المعقدة تخلص بي إلى شعور أحادي، لا ندّ له في جهاز التلقي صدوراً ووروداً، إنها اللذة المرهِقة، لا شريك لها أو مزاحم، في علاقتي بهذا الجسد البض الفتون.

جسد اللغة أحد عناصر التاريخ، كجسد السماء والشمس، لا يشيخ، يصنع التاريخ ويديره حتى استقل عنه، فلا يعتوره عارض في مادته، وكأنه خارج عن طبيعته المادية، ما يجعله نَضِراً ألِقاً، كالسماء التي فتن بها جدُّ العرب وحفيدهم، وكلهم يتغزل ب(الزرقاء البكر)، واهمين أنها لم أو لن تبقى زرقاء بكراً.

علاقتي الهادرة بهذا الجسد تحشدني أمام مسؤولية شخصية وعربية للإبقاء على هذه العلاقة وتطويرها، لإشباع تطلع واقعي وغيبي، يعبّر بالنشوة أو (قشعريرة التاريخ) إلى إبداع مختلف، يُبقي عليها عنصراً كيميائياً نشطاً متفاعلاً في داخله، لم نباشر من وجوده إلا صورته، ومظاهر قوته وجماله وفعاليته في الحياة ضرورةً، كسائر عناصر الكيمياء.

رغبة القارئ في أن يكون في مصاف كبار الكُتّاب تغريه بالسُلّم متقاربِ الدرجات، يتسلقه؛ ليطال الشرف المروم، وكأن مناطه همّة عضلية، ومغامرة طائشة، تَقَحّمها طموحُه؛ ليبلغ شأواً وما هو ببالغه، إلا بتكبُّدٍ شاقٍّ، يضاعفه ليدرك أمنيته في أقصر وقت وسبيل. كان هذا شأني مع الكتاب والدفتر، لا أفرغ من قراءة صفحات ألطخها بالخطوط والدوائر، حتى أعيد تنظيفها في دفتر أُجرّب فيه فخامتي اللغوية، متطفلاً على ما قرأت، ومتطاولاً على كبرياء النص العربي، أحذف وأضيف، وأندهش إعجاباً، فأستولي عليه عنوةً، أو أندهش استهجاناً من كلام حقيقٍ بأن يُودع في سقط المتاع.

الفتنة بجسد اللغة تصد المفتون عن جوهرها وكنوزها وعلمها، وكلُّ مفتون مرتكب لجهلٍ يجعله جاهلاً بعد أن فعل فعلته؛ ليكون عالِماً حكيماً، يزاحم أرباب القلم منصةً تبوأها، بعد أن شابت لحاهم بين اللفظ والمعنى، والجسد والعقل، وهو بَعدُ لم تسودّ لحيته إلا في تجارب ابتدائية من مغازلة الجسد، واستدراج الألفاظ العارية إلى خلوة غير شرعية.

الأسلوب وحده كان معركتي في الكتابة، وميداني في التبريز والتفوق واستجداء النجومية، وإقحام اسمي في سجل الأفذاذ، واستغرقتُ في هذا الجهل شطراً من تجربتي ومرحلتي الأولى، ولا زالتْ آثار الداء باديةً عليَّ كتابةً ومخزوناً ثقافياً ناقصاً، مقارنة بأقراني الذين شاركوني البداية والجدية، وما برحوا يبزونني علماً، وقد أفوقهم قدرة في رصف الكلمات وترصيع الديباجة، شأن أي عامل ديكور أو بلاط، فما أعدو أن أُمثّل في المقارنة حِرفياً إزاء نظراء موسوعيين، لم يبتلِهم الله بالشبق اللغوي وهداهم إلى العلم، ومذاكرة الفهم الذي يستجلب لفظاً أنيقاً، لا الانكباب على زخرفة كلام، لا يستوعب علماً أو عمقاً.

ثرتُ لاحقاً على استئثار الغاية بهوية اللغة دون الوسيلة، وثرتُ على نفسي، معترفاً تائباً، بعد أن استوعبت أزمة النهضة وخلل الشخصية والإرادة، على خلفية النبز الذي وَصَمَنا بأننا أمة شعر لا علم، ما يصادق على آفة الافتتان بالشكل، على حساب المضمون وقوة المعلومة وجبروت مفعولها في المنافسة.

كنت لا أفهم كثيراً مما أقرأ وأتخطاه دون أسف، كمن يتنزه في بستان لا يملكه، يصيب من هوائه، وينعم بالخطو على مهاده، ويمتّع ناظريه بثماره اليانعة، دون أن يمسها أو يحدّث نفسه، فتقصر لذته في مباشرة الشكل وحسب، كحالي مع المقروء الغني بما لذّ وطاب، أُعرض عن بعضه لانصراف همتي إلى همّي، وفحولة قلمي ولساني إزاء أنثى اللغة، اعتداداً بقدرتي على استجماعها وإنتاجها ذاتياً، فأتردى في التناقض بين فخامة النطق وهزال المنطوق، كمن يحمل حشف التمر في طبق فاخر. وأذكر أنني استحضرت مارد البيان وفحل اللغة؛ لأكتب عن فكرة لم تتخلّق بعدُ جنيناً في رحم القريحة، فكان اغتصاباً مرهقاً، ارتكبه عجوز متهالك مع شابّة فتية عفيفة متمنعة، كان يظن أن شيخوخته درجة أعلى في الفحولة.

الفشل يقزّم قامتي، ويجرح إرادتي، ويفضح خلوتي؛ فأمزق قراطيسي لحضور اللفظ وغياب المعنى، وينشط ذهني، لأكتب بعد استدعاء عفويتي عن فكرة ضامرة، أُشعّبها لأُشبع البياض بالسواد، فلا ألبث أن ألوي عنق المناسبة والسياق والتركيب والمفردة الماضية باتجاه مقصدها، وأصرفها عن مؤداها، وأضحّي بأجمل ما فيها في سبيل لغةٍ وبيانٍ فرض جماله وتناسقه على سطري، مستبداً بالجملة، دافعاً الفكرة إلى اتجاه مغاير أو معاكس، يصيبني بارتباك عارٍ أمام نفسي وقارئي إلى درجة إهمال فك الالتباس وتجاهله، ولعل هذا ما يجعلني لا أعي دلالات وتفسير بعض ما كنت أكتبه قَبْلاً.

وتغالي سطوة اللفظ على المعنى، تحملني على إيراد استشهادات ومنقولات لا أعيها على وجه التمام، أفوه بها جزافاً، أو أكتبها في مقال، متجاوزاً دقة مناسبتها في المستطيل الضيق، فتصادف نقداً من نبيهٍ، يسدد استنكاره؛ فأقابله بالتحايل أو التجاهل الماكر. ولا أنفك سادراً في هذا الغيّ حتى الساعة.

التعبير الفاخر يغويني بشهوة المنبرية، إلى التصدر والقيام بين الناس مُحدّثاً بمبرر أستحدثه من العدم، أو وجيهٍ لا يستدعي الوقوف من أصله، ليتحقق النفع. تنزف ذاكرتي مشهداً مخجلاً، كنتُ بطلَه المخذول، حدث في مفتتح اشتغالي بالأدب والقراءة، حين وقفتُ في المسجد بين يدي المصلين، أحثهم على مساعدة أحد المحتاجين، وارتكبتُ في منطوقي ما فضح علاقتي الآثمة باللغة، عمدتُ فيه إلى عرض كنوزي من البلاغة المرائية دونما إعداد، معتدّاً بقدرة تخون متى شاءت، لضعف محصولي اللغوي، وليؤدبني الله على هذا الرياء السافر، فلم أفلح في تركيب، ولا حسن إيراد، وتداخلت الكلمات، واضطرب السياق، وما إن فرغت، وغادرت حتى لحق بي أحدهم، يسألني عن فحوى كلمتي ومرادي منها، فشرحت له بكلام أقل وأيسر؛ لأنني حسّنتُ علاقتي باللغة، ففهم وبادر إلى مساعدة المحتاج.

كنت أقتبس العبارة الفاتنة، وأدسّها في بعض كتاباتي، دون إشارة لقائلها حتى لتبدو من إنشائي وفتوحات عبقريتي، ثم أُفلح وتنطلي على القارئ المحب، فأزداد قدراً في نفسه ومكانةً بين الناس، وسرعان ما أندم على اعتدائي وخداعي.

المكتوب العربي، لا سيما التراث، يؤجج شهوة القارئ الهُمام، وهذه الحقيقة أدركتها بعد أن ظلمتُ التراث على خلفية عقيدة حداثية اعتنقتُها.

التعليقات

5 تعليقات
  1. عدنان السالم says:

    اصطفيته خُلقاً يطلق سراح الخيال، ويعتقل السلوك، تبلورتُ نفْساً مقبلةً على المظهر والمادة الحية وجسد الإنسان والجمال، تحيلني إلى بواطنها، وقد لا تفعل، تبعاً لدرجة تنفس الكبت تجاه الصورة، وتأويل الخيال، وحياد السلوك، وانتظار الرغبة
    . وكأن الكاتب يهرب من الواقع بحثا عن الشغف… الأدب هو العشق الذي يكن موطنا لفراغ الروح

  2. روان says:

    تذكرت رواية مائة عام من العزلة وطريقة الكاتب في التباهي بالمجتمع اللاتيني وتقاليده وحبه التمسك بهويته

  3. فايز says:

    الافتتان باللغة العربية أمر عجيب قد يكون لوكنها لغة القرآن أو لغة أهل الجنة أو لغة الرسل والشعراء… هي لغة العظماء بلا شك

  4. تركي الفويس says:

    اللغة العربية كانت ولازالت لغة عظيمة لأانها لغة القران اولا ولأنها لغة تسير مع كل زمان وكل جيل ولاعزاء لمن هجروها مبهورين بلغات الشرق والغرب فلغتكم هي سيدة لغات العالم بلامنازع.

  5. بنت الجنوب says:

    مؤلم حال الامة اليوم وجهل ابنائها بقواعد وعلوم لغتهم الام . نحن امة عليها ان تعتز بلغتها العربية الجميلة ، فالامم لاتحترم الا من يعتز بلغته وثقافته الاصلية ، ولازلنا يوما بعد يوم نكتشف كنوزها اللغوية العديدة ولازلنا نجهل عنها الكثير من علومها العديدة المتنوعة .

اترك رداً على روان إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *