كنت ُأسْخرُ من العبقريّ: اعترافات كاتب

..

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

تنمو الأفكار مع اللحم والعظم مراهقةً وشباباً، رجولةً وكهولةً، ولا نكاد نلمح النمو إلا مصادفةً؛ لأننا لا نرصده أو نجسّه أو نقيسه، إلا لضرورة استشفاء أو حياكة ثوب.

والعقل الطموح يمور في جمجمة بحجم القبة، يستطيل إلى سقف يتحسس منفذاً إلى أعلى، حيث الفراغ الفاتن المجاني، الذي يغوي الفكرة الوثابة إلى غزو الأفق واستعمار الفضاء البور.

تلكم هي الفكرة المولودة الولود، إذا انداحت واستفحل جرمها، تزحف دائرياً، وتحيل الأشياء حولها عدماً، أو تُدخلها في طاعتها.

إنها غشوم ظلوم متقلبة، بدأت نطفة في قريحة نشطة، ثم تخلّقتْ، واستكملت تقويمها، إنساناً داخل الإنسان، تلده من جديد، وتردُّه نطفةً في رحمها، تبشّر بالوعد الإلهي (تلد الأمةُ ربَتّها)، الذي يتفق تكراره في حال الذهنية الألمعية، المؤمنة بأن العلم يؤتى إليه ولا يأتي، وكنوز الله أكثر مما في أيدينا، “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً”.

استفتحتُ علاقتي بالمعرفة والاطلاع بالكتب والمجلات، في فوضى خلاّقة، أحتكمُ إلى هواي ومحرّضٍ دفين قلق، كمؤشر بوصلة يرتعش، لا يستقر إلى قِبلة ولا يهدي الملاح التائه؛ ذلك أنني لم أكن أبحث وقتذاك عن قِبلة أو هدف إلا التثقيف، وإرساء كياني مثقفاً أو عالماً متنوع المعرفة، يدرك ما فاته من طموحات أخرى، انصرف عنها لعبثيتها أو استحالتها، وانكبَّ على قَدَره، بعد أن أيقن بمصيره، ومنتهاه الذي يراه رأي العين في صورة فوتوغرافية عملاقة، معلقة في صدر غرفته.

كنتُ أتضخم بين مقروءاتي؛ لأستوعب في شخصيتي العلمية أجيالاً من الأفكار والشخوص وآباء الحكمة العربية وأحفادها تراثياً وحداثياً، ولم أجد صعوبة في التأليف بين الشماغ العباسي والعمامة السعودية.

كانت الصلة فطرية بين قارئ ومقروء، وسؤال وجواب، أستحضر تلقائية الفصل المدرسي في خلوتي بالكتاب، أتواضع له، وأُخضِع أسئلتي في جنابِه، لم أتجاوز حجمي إزاءه، فهو يقول ما لا أعرف، وأقول ما يعرف، فتلبّستُ فضيلة توقيره أباً نكبر معاً، محتفظاً بتفوقه سناً وعلماً في طِراد لا يجدي؛ لأن الزمن والعلم أرضٌ بورٌ، استصلحها السابق، فتملّكها شرعاً، ثم تصدّق بها إلى بيت مال المسلمين.

 الألفة بيني وبين الكتاب الحديث والتراثي بحثٌ عن ذات، وكسبُ منفعة وحكمة ضالةٍ، أنَّى وجدتُها؛ فأنا أحق بها حتى من قائلها، كاستحواذ الغزاة على الغنائم، بعد شهوة عارمة بالتملك والتوسّع والاستيلاء على كنوز الآخرين وخصبهم وخيراتهم.

الألفة الناعمة تتمخض عن نهَم متوحش، لا يروضه إلا توحش أشد ضراوة، كأنما أستردُّ من الكتاب حقاً مغتصباً عدا عليه لصوص التاريخ، ليرتد إلى ذاكرتي ويأخذ مكانه، متسقاً مطمئناً مع نظرائه، كالدنانير في كيس البخيل.

وما برحتُ في هذه الألفة في غزل وهيام بالمكتوب العربي وفرائده التي لا أفتش عن نسبها أو سلالتها، مكتفياً بعربيتها، شأن من يقع في الحب لتوه، ينجذب بكليته إلى ذات معشوقة، لا تطوقها جهات أصلية أو فرعية، خارجة عن شروط الزمان والمكان، لكنها داخلة في شرط (كن فيكون).

الغيبوبة المستعذبة تزج بي فاعلاً في كل جملة أتملكها، لأحس بها وأُدخلها في عصر، وتُدخلني في عصر، ونلتقي في منتصف فسيح، يحتضن كل إنسان تاه ووجد نفسه كالحكمة الضالة التي عثر عليها؛ لأنه تآلف مع العلم.

التراث العربي معلومة، ولا أحسن تعريفه بأفخم من هذا، والمعلومة بطبيعتها محايدة، لا يتحكم في حيادها متانة السند، أو واقعية المعنى، مصداقاً للمقولة النبوية: “الحكمة ضالة المؤمن”، أي مفقودة السند إلى قائلها الحقيقي، فليس السند بذي قيمة إذا استوت الحكمة ناضجةً تامة التكوين، تُطوَّق بقوسين، حمايةً لها وإجلالاً، وصيانةً عن تماسّ ينال من كمالها وكمال تلقيها.

الحكمة بِكر في فطرةٍ تجسدها، لا يطمثها إنس أو جان إلا وترتد بكراً، تحمل عذريتها لفظاً ومعنى. والحكمة الجاهلية ليست أُمّاً لسلالة الحِكم العربية، ولا حفيدة لحكمة جدها آدم، إنها الزمن والأرض اللذان لا يشيخان؛ لأنهما وُلدا بالوحي والأمر الإلهي الاستثنائي، فلا يبرحان الإعجاز الذي غيّر قوانين العادة بقوانين عادة أخرى أدهشت البشر، لم يلبثوا أن ألِفوها، وخرجت عن انتباهتهم كأي إعجاز يألفه إدراك المؤمن والجاحد.

الحكمة تحضر بين المشكلة والحل، أو لِحلّ يتوقع مشكلة، كالحكيم الذي ينطق بالحكمة في حضرة مريديه دون مناسبة، ويتلقونها دون مناسبة، كوصية مودّع أو اعتراف أو عبء، ومسؤوليةٍ تربوية، لا سبيل إلى مدافعتها، لتصدع بنفسها عن نفسها، من عقل إلى عقل، في زمنٍ بكرٍ وأرضٍ بكرٍ، تملأ الفراغ القلق بين المشكلة والحل.

تفاعلتُ مع التراث العربي لغةً جسداً بادئ الأمر، دون أن أُغفل النفس الشفيفة والعقل السادن الحكمةَ وإرثاً ومورّثاً، كالمال الذي لم يزد أو يقل قدره مذ خُلق حتى يفنى بفناء السماوات والأرض، ثم تراخيت إزاء تحصيله؛ فلم أُقِمْ صلة عملية واعية به، أشبه بعلاقة إنسان بإنسان، قامت على تبادل منافع لحظية طائشة، استثمرها محرضٌ طارئ ٌ، وفد من تطرف ذوقي جديد، شرع يملى عليَّ، ويؤسس لضرورة تجديد العلاقة بالمكتوب التراثي، واستبدال علاقة التلمذة إلى الندية أو الفوقية؛ ذلك أن التراث يحكي مرحلته ويشخصها، وقد كان هذا غلواً حداثياً جرى تبنيه؛ لتحقيق مأرب ثقافي يمس نصوصاً تراثيةً مقدسةً؛ لخدش قدسيتها وتهميشها مرجعيةً إنسانية، لكنهم راوغوا في التعاطي والإفادة من التراث لما يزخر به من مقولات وقائلين، ونظريات ومُنظّرين، أحاطوها بتقديس مضاد، وأعملوا دعايتهم الحداثية لتسويقها ثقافياً بمعزل عنها جزءاً عضوياً في تراث لا يروق لمفاهيمهم المتمركزة على عزل المؤثر الديني عن منظومة التلقي واستيعاب الإيجابي، الأمر الذي كرّس لانفصامية من لون خاص، انعكست على مريدي التيار والشباب الغَضّ، مخلِّفةً ثغرات تتنفس بصوت مرتفع.

تغليب الخيار الحداثي المناكفِ أكثريةَ التراث، حشد موقفاً محتدماً ضده أدباً وشعراً أو لغة، أذِن لانصراف شبابهم عن القراءة في الشعر الملتزم بقافية ووزن بوصفهما الآخر الآيديولوجي، الذي يفرض تواصلاً تلقائياً، وامتداداً إنسانياً سلالياً بيولوجياً حتمياً، بين حفيد وجدّ، يتماثلان في الخَلق والخُلق.

الحداثة لم تُصدر أمراً عسكرياً بهجرة التراث والانكباب على الحكمة الحداثية وقتها وأفقها ولغتها؛ لأن الإيحاء الناعم كالموعظة الحسنة، التي تخالط بشاشة القلب، وتستقر في سويدائه، مفعولاً كغذاء يتوزع في خلايا الجسم، متعةً وضرورةً لبقائه.

انسقتُ خلف الإيحاءات المخملية، مدفوعاً بذات الدافع المشوّق إلى تملك الفن والحكمة، واختبار العبقرية، والدفع بمصيري إلى مستقبل جماله في فنه وحكمته وعبقريتي فيهما.

شخصيتي كانت مرتبكة واهنة، حيال أطراف تغري، وتستدرج موهبتي إلى تنميطها، وكانت الأطراف زاخرة بما يجذب ويقنع، وبما أن الحكمة ضالة المؤمن؛ فلماذا لا أتحسسها في زمن آخر، لا سلطة فيه للتراث الأبويّ !؟، لا سيما أن الأب يحسن ويسيء كما الحداثة وعبقريتها، وبقيتْ عقدة الزمن الحكيم مرضاً يستشري في طموح المكان الحكيم.

آذينا التراث حين اختزلنا هويته في لفظة (تراث) وإيحائها الماضويّ الملازم لتفاصيل مشهده وصورته الثابتة والمتحركة، المؤطرة بمربع من حديد، قابل للكسر وعساه.

وما إن اقترب التراث بحيويته الحداثية إلى حاجات الناس ديناً وأدباً وتاريخاً، حتى كشف لهم عن عبقرية ولود، تخالطهم وتتماهى في عقولهم وقرائحهم واختياراتهم، يستظهرون فرائده ومقولاته، لتشغل شاغراً في همومهم اليومية، ويحضر حلاً لا مشكلة، يصعد بهابط الهمة إلى مدارج الحكمة، التي يحتاجها في فعله ورد فعله، تكسبه فرادةً ووسامة في الطبع، وألقاً في منطوقه الخفيفِ لفظاً، الثقيلِ معنى.

يعيش تراثنا الفكري والأدبي إنساناً ومواطناً وزميلاً متخففاً من وقاره إلى طائش ذكيّ، وشاب ألمعي، يلتقي بالناس في المنتصف، عفواً لا تكلفاً، ليصعد بهم إلى أعلى، دون شروط تفرض عليهم أيَّ تنازلٍ عن مقوّمٍ لشخصياتهم، يبلغ بهم إلى الحل الإنساني الكبير، بعبارة أو حكمة أو قصة حقيقية أو منتحلة، يصقل الذائقة، ويشحذ الذهن، ويغري التلقي بالانفتاح على المعلومة، واستثمارها كما هي، أو إعادة إنتاجها وتطبيقها مع إسناد القول إلى صاحبه، وهكذا تتسع جدوى التراث وتأويله العصري ليتجاور مع الحداثة إنسانينِ في جيل واحد، وقدرة واحدة، وهمّ واحد، وعصر واحد. وكم صادفتُ من مشكلة تجاوزتُها بحكمة تراثية استلهمتها وعصرنتُها في إجراء لحظي بدهي، عزوتُه إلى فضل الكتاب عليَّ، دون أن أمايز بين تراث وحداثة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن.

سخريتي، أو عدم اكتراثي بالتراث وعبقريته، ما بين فتنتي بجسد اللغة وعقلها، نمَّ عن ضعف في إرادتي، وخلل في هويتي، وسهولة التأثير الناعم والخشن على مسلماتي وإغوائي، تخطّى المفترقات الحادّة في نزقٍ مراهق، لكن حسبي أن أعترف، وعزائي أني كنت نقيَّ السريرة في البحث عن المعرفة والحكمة، وصادقاً وبريئاً في تحولاتي التفكيرية لا الفكرية.

التعليقات

2 تعليقان
  1. فهد الطيار says:

    لايمكن لعاقل ان يسخر من هويته العربية الاسلامية فنحن نمتلك تاريخ عريق وحضارىة عظيمة نحسد عليها بين الامم لكن البعض يعاني اليوم من عقدة النقص والنبهار بما لدى الاخر وهذا شيء طبيعي نتيجة تردي الامة في ايامنا المعاصرة.

  2. ابو عبدالعزيز says:

    ليس هناك اجمل من تراثنا العربي وما خلفه لنا عباقرة الامة على كافة الاصعدة فما قدموه شاهد على نمو فكرهم وتطور مداركهم في كافة المجالات ، لكن المشكلة ان امة اقرأ باتت لاتقرأ وتحولت لامة جاهلة بما تمتلكة الامة من كنوز علمية عظيمة كثير منها لايزال حبيس الكتب ولايعرفه الا القليل من الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *