مخاطر أحداث فنزويلا على النظام الإيراني

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

من يعتقد بأن النظام الإشتراكي في فنزويلا سيسلم بسهولة للثورة الناعمة التي تدعمها واشنطن ضده فهو مخطئ؛ لأننا أمام نموذج يشبه إلى حد بعيد النظام السوري الذي أباد أكثر من نصف مليون مدني، وسحق الحضارة العمرانية في سورية للحفاظ على بقاءه مدفوعاً بدعم تيار دولي يتصدره روسيا وإيران والصين.

قبل التفصيل في شرح طبيعة التطورات الحالية في العاصمة كراكاس يجب التذكير ببعض المعلومات، وهي: أن الرئيس نيكولاس مادورو جاء عام 2013م خلفاً للرئيس السابق هوجو تشافيز مكملاً ما عرف باسم: (الثورة البوليفارية)، التي تركز في بناء نظام إقتصادي لأمريكا اللاتينية، يعزز التجارة الثنائية بين بلدان القارة، ويرفض التدخل الأمريكي في تلك المنطقة، كذلك فإن فنزويلا تعد من أضخم البلدان من حيث احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم، وقامت في سبعينيات القرن الماضي بتأميم شركات النفط والغاز، وقلصت النفوذ الأمريكي في هذا المجال، وقامت بمنح الشركات الروسية والصينية والإيرانية مساحة واسعة للعمل، ضمن سياسة تكاملية مع كوبا للتصدي للإمبريالية التي تعدها الخطابات السياسية الرسمية في فنزويلا العدو الأبرز للثورة (البوليفارية).

برز رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية خوان جويدو كوجه لمعارضة الرئيس الحالي مادورو، وقد اتهمه بتزوير الانتخابات الرئاسية في مايو من عام 2018. م وفي تصريحات نشرتها صحيفة (لابانجورديا) الإسبانية خلال الانتخابات قال جويدو: (إنه تلقى دعم المجتمع الدولي لاستعادة الديمقراطية في البلاد). وقال: (إنه مستعد لتولي رئاسة البلاد بشكل مؤقت إلى حين تنظيم انتخابات)، لافتاً إلى أن تأييد الجيش الفنزويلي هو الحاسم في مثل هذه الخطوة.

وفي يوم الأربعاء الموافق 23 يناير عام 2019م، وهو التاريخ الذي يتزامن مع ذكرى إسقاط الحكم العسكري عام 1958م نظمت المعارضة بزعامة جويدو مظاهرات أعلن خلالها نفسه رئيساً للبلاد بدعم فوري أمريكي. وتبع تلك الخطوة خروج مظاهرات مؤيدة للرئيس مادورو، الذي رفض ما يجري، واتهم واشنطن بتدبير انقلاب ضده، وفي خطاب ألقاه من شرفة قصره طالب مادورو الجيش والأجهزة الأمنية بإظهار أقصى درجات الولاء.

وينتمى جويدو إلى حزب (الإرادة الشعبية) المعارض، وانتُخب رئيسا للجمعية الوطنية في الخامس من يناير من العالم الحالي، ويأتي جويدو من ولاية فارجاس، وهو أصغر رئيس برلمان فنزويلى؛ فقد تولى هذا المنصب في عام 2015م بعد أن قاد إضرابا عن الطعام للمطالبة بأن يحدد المجلس الانتخابي الوطني موعد الانتخابات البرلمانية.

فنزويلا لا تختلف في تركيبتها السياسية عن بلدان أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط؛ ففيها تيار يدعم الهوية الإشتراكية للدولة، وهذا التيار يقوده مادورو، وهو يوثق علاقته بالصين، وكوبا، وروسيا، وإيران، كما يوجد تيار ثانٍ معارض يسوق نفسه كبديل عن حكم اشتراكي فاسد أغرق البلاد بالمخدرات والجريمة والإنهيار الاقتصادي والفقر، وهذا التيار تدعمه واشنطن.

أما إيران فهي ترتبط بفنزويلا بعلاقات قوية جداً منذ صعود هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، ومنذ تسلم تشافيز منصبه وهو يحاول تشكيل تحالف للتصدي لما يعرف باسم: (الإمبريالية الأمريكية)، وهي الأنشودة التي تنشدها الأنظمة الإشتراكية في أمريكا اللاتينية منذ عقود لتسويغ بقائها في السلطة.

وقد استفادت إيران من هذه السياسة لتضع لنفسها قاعدة تحرك ضخمة في أمريكا اللاتينية تساعدها على إدارة شبكات تجارة المخدرات، وفقاً لما جاء في تقرير نشره البنتاغون عام 2010م، وعرضه على مجلس الشيوخ الأمريكي.

وفي يناير من عام 2017م عين الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نائباً له رجلاً يدعى طارق العيسمي، وهذا الرجل يشتبه في أنه يدير شبكة من عصابات تجارة المخدرات لمصلحة إيران وحزب الله اللبناني. ويدير العيسمي شبكة من 40 شركة لها حسابات بنكية في 36 دولة، من بينها الولايات المتحدة؛ لتهريب المخدرات، وتبيض الأموال، وتمويل الأنشطة الإرهابية، وفقاً لتقرير عرض أمام الكونغرس الأمريكي.

بين عامي 2007 و2010م شغل العيسمي منصب وزير الداخلية في فنزويلا، وقام برحلات مكوكية بين طهران وكراكاس، مع توقف في العاصمة السورية دمشق، على طائرته الخاصة، واتُّهم في أثناء ذلك بتهريب الأموال والمخدرات. وخلال تلك المدة قام بإصدار جوزات سفر مزورة لمجموعات عصابات وعناصر مخابرات تابعة للنظام السوري؛ بهدف تسهيل حركتها عبر أمريكا اللاتينية.

ويشير تعيين العيسمي نائباً للرئيس الفنزويلي إلى قوة النفوذ الإيراني في البلاد؛ وهذا الأمر يسلط الضوء على حجم استفادة إيران من علاقتها مع فنزويلا، وكيف يمكن أن تسبب الإطاحة بمادورو خيبة أمل كبيرة للنظام الإيراني.

ومن أجل ذلك أعلنت إيران في ديسمبر الماضي أنها تخطط لإرسال ثلاثة سفن حربية إلى فنزويلا، في زيارة قد تستمر خمسة أشهر، وكما هي الحال في الصراع السوري فإن دور إيران قد لا يختلف كثيراً في معركة السلطة في فنزويلا؛ فقد استخدم النظام الحاكم عام 2017م أفراد مليشيات يستقلون دراجات نارية؛ لقمع المتظاهرين في الشوارع، وفي حينه أشاعت بعض مواقع المعارضة أنهم يقومون بالدور نفسه الذي قامت به قوات (الباسيج الإيرانية) لقمع الثورة الخضراء.

جويدو ومادورو

جويدو ومادورو

لقد وضعت إيران نفسها في فنزويلا لكي تستفيد من النفوذ الاقتصادي للصين، ومن البصمة العسكرية الروسية، فقد أقامت وزارة الدفاع الإيرانية (MODAFL) مجموعة متنوعة من المشروعات المشتركة مع الصناعة العسكرية الفنزويلية (CAVIM)، وكذلك عقود النفط الروسية والصينية مع شركة (PDVSA)؛ من أجل حماية تهربها من العقوبات الدولية.

ومن خلال فنزويلا تسعى إيران إلى توسيع شبكتها الإستراتيجية؛ للتهرب من العقوبات الغربية، وأقامت شراكة إستراتيجية تشمل مجالات عسكرية واقتصادية ضخمة، وبحسب معهد واشنطن الأمريكي فإن هذا التحالف في أمريكا اللاتينية مع قوة نووية إيرانية قد تكون له عواقب خطيرة على الولايات المتحدة الأمريكية.

وتخشى الإدارة الأمريكية أن تقوم إيران بنقل أسلحة بالستية أو تقنيات نووية إلى فنزويلا، التي لا يفصلها عن الأراضي الأمريكية سوى مياه المحيط؛ وهذا الأمر من شأنه منح فنزويلا مسوّغاً لاستمرار تمردها على المنظومة الغربية.

إن فضائح إيران وحزب الله المرتبطة باستخدام فنزويلا قاعدة لغسل الأموال وتهريب المخدرات كشفتها التحقيقات الأمريكية عام 2008م، حينما أعلنت وزارة الخزانة اسم غازي ناصر الدين، الذي كان يتستر خلف مؤسسة اجتماعية يدعمها (حزب الله).

وليست إيران وحدها التي يجعل الساحة الفنزويلية مضماراً للسياسات القذرة،؛ فالنظام الفنزويلي الحالي يستند أيضاً إلى دعم كوبي منقطع النظير، وقد أرسلت هافانا في عهد فيديل كاسترو نحو 30 ألف رجل استخبارات لحماية نظام فنزويلا من السقوط.

وكما هي الحال في سورية، تعد روسيا والصين أبرز المؤثرين الاقتصاديين في فنزويلا، فروسيا ترى أن فنزويلا سوق رئيسة للأسلحة، إلى جانب برامج التدريب والتعاون مع الجيش الفنزيلي. وفي عام 2006م قدمت شركة الطاقة الروسية (Rosneft) المملوكة للدولة 17 مليار دولار تمويلاً لفنزويلا. وقد استغلت ذلك روسيا للحصول على حصص ضخمة في حقول النفط الفنزويلية، وبالتحديد حزام (Orinoco) للخام الثقيل، الذي يتيح لروسيا مزيداً من السيطرة على أصول الطاقة الإستراتيجية في فنزويلا.

خلال ولاية وزير الخارجية الأمريكية السابق ريكس تيلرسون صرح بأن الجيش الفنزويلي يمكنه أن يدير مرحلة إنتقال سلمي للسلطة، تفادياً لحملة عسكرية أمريكية لإسقاط النظام هناك، كان قد هدد بها الرئيس دونالد ترامب. لكن الدوري الصيني والروسي والإيراني في فنزويلا قد يكون عقبة أمام أي تدخل أمريكي مباشر لإسقاط النظام في كراكاس، لا سيما وأن تصريحات سابقة للرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أكدت وجود قرابة مليون سوري في فنزويلا غالبيتهم ينتمون لشبكات سرية تديرها إيران.

التعليقات

9 تعليقات
  1. فراس says:

    الجميع يتصارع من أجل النفوذ حتى إيران التي تجوع شعبها لأجل طموحات مجموعة معممين…

  2. نزار خالد says:

    أمريكا اللاتينية ساحة مفتوحة للعصابات الإيرانية وتحاول من خلالها توفير مساحة للعمل ضد الولايات المتحدة..

  3. نعمان رفاعي says:

    جويدو مرتزق أمريكي ومادورو دكتاتور اشتراكي والضحية الشعب الفنزويلي… تجربة موجودة في أغلب دول العالم الثالث

  4. مشاري says:

    سيحاولون استنساخ التجربة السورية للحفاظ على الدكتاتور مادورو والضحية الشعب والمعركة بين أقطاب دولية

  5. سلامة معمر says:

    ما تريده أمريكا نفط فنزويلا وما تريده روسيا وإيران نفط فنزويلا وما يريده مادورو الكرسي لذلك… الرهان يبقى بين روسيا و امريكا وايران مجرد تابع مثل الحشرات التي تعيش على الفطريات

  6. عربي ابن عربي says:

    مهما كانت حقيقة الاوضاع في فنزويلا لايحق لامريكا التدخل فيها فهي دولة ذات سيادة ولايجوز للاخرين ان يقرروا مصير شعبها ومن يحكمه

  7. عثمان الغازي says:

    كل مافي الموضوع انهم يريدون استبدال رئيس لايتبع لامريكا بأخر يتبع لها والقضية ليست قضية خوف على شعب فقير او حريات مسلوبة والا فالعالم مليء بنماذج لدول يشبه حالها حال فنزويلا فما السبب انهم لم يتدخلوا اعتقد ان السبب الرئيس هو الرغبة في تحويل هذا البلد الاشتراكي لبلد يتبع لامريكا في سياساته الخارجية.

  8. نايف ابن الشمال says:

    اخواني في اي صراع يجري في عالمنا اليوم يجب البحث اولا عن الماكسب الاقتصادية من ذلك الصراع في الوضع الفنزويلي اعتقد ان النفط هو السبب فهذا البلد عضو في منظمة اوبك وهو بلد نفطي غني بالنفط وربما يكون اغنتى بلد بالنفط في الامريكتين بعد الولايات المتحدة لذلك فالبعد الحقيقي لما يجري هو اقتصادي وربما السيطرة على نفط فنزويلا وليس اكثر من ذلك .

  9. فتحي الهادي says:

    حكام هذا البلد لافرق بينهم وبين بشار الاسد او صدام حسين فهم ظلمة ديكتاتوريون بلدهم غني وشعبهم فقير وليل نهار يتشدقون بالاشتراكية وهم يسرقون البلاد ويجوعون الشعب المغلوب على امره ، والادهى من ذلك ان منظومة الممانعة والمقاومة ترى في رئيس فنزويلا انه رئيس مقاوم وممانع زي ايران وسوريا وحزب الله ..هزلت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *