حالة هروب: اعترافات كاتب

..

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

في عام 1416هـ جذبتني شهوة التأويل إلى مغامرة، نجحتُ فيها علناً، وفشلتُ سرّاً. وقتذاك كنتُ مأخوذاً بأشعار إيليا أبو ماضي ومجايليه، غير مُكتفٍ بسكون التلميذ في حضرة أستاذه وملهمه، أُشاغب أيقونتي، وأقلّبها كجوهرة أملكها؛ لأنها تملكني، وأدفعها إلى حوزتي، أضمُّها إلى كنفي ورعايتي، وأربّيها على عيني وذوقي.

باشرتُ نصوصَه وأشبعتُها تماهياً وفحصاً وتطفلاً واقتحاماً، وصايةً على تأويلها، وتوجيهَ دلالاتها الباطنة، تلقاءَ ما يشبع نزعتي النقدية، التي تدّعي احتكامها على تقنية وأدوات متفردة ومتطورة، تعكس مَلَكةً استثنائية في استنباط الأسرار المتوارية بين السطور ومساحات البياض المتنازع عليها.

فخامة التأويل لا تقلّ عن فخامة الإبداع فيه، وكلُّ من خاضه دخل جوهر الحياة، واستأثر بنصيب وافر من السيادة في تفسير الإنسان، ومارس الشرح الدقيق لحركة الإنسان وسيكولوجيته، محلِّلاً، يُشخّص المشكلة الإنسانية، ويصف علاجها باقتدار وأهليةٍ، تختزل خلابته ومجده، ليناط لاحقاً بلقب (مفكر) كدرجة سَنِّيّة، تعتلي الكاتب والناقد والمثقف، ولن يناله إلا بالمغامرة الماهرة في مخاطر التأويل، واستكناه غيب النص والظاهرة، ومغالبة تردده لمنازلة المجهول.

الشهوة تجاه المعلومة تلِد معلومة حلالاً أو سِفاحاً، في جرأة متهورة أو عاقلة لممارسة التفكير المترفع عن اختزالية وتقريرية عوام القراء، إلى أرباب الذوق والمعرفة، في تمرد ضارٍ، ونشوة ظافرة، وصيحة مدوية، من قبيل: “وجدتُها.. وجدتُها”، مكتشفاً قانوناً تجلى بعد خلوة وتأمل، كمن يتربص بشاردة غافلةٍ، وَثَبَتْ من خبائها في حكمة الله إلى سننه في الطبيعة، فوقعتْ في شَرَك الحكيم، صيداً سميناً، قدّمَه إلى البشر في صحنٍ فاخرٍ، ليشهدوا له بالصبر والسخاء، والمهارة في الصيد والتأويل.

ولن تكون كاتباً ذا قيمة إلا بإثارة الفضول، وصدمة المتلقي بما لم يكن في حسبانه، بالتبشير بمعلومة، ومدِّ ظلّ ثقيل، يفيء إليه المريدون وتلاميذ الدهشة.

الدهشة متعة عقلية، تتحقق بمباشرة الغريب، بوصفه وافداً من الغيب إلى عالم الشهادة، كالإبداع والاختراع والاكتشاف العلمي، الذي يختص به اللهُ آحادَ البشر، ممن توافروا على شروط جِبلّية، أو مكتسبة بالدرس، والكد والتأمل. ومثيرُ الدهشة الإبداعية يقدّم نفسه موهوباً ونخبوياً؛ لأن قدَره أن يكون في آحاد يتطلع إلى جملتهم كلُّ أحد، استحقاقاً، أو متجاوزاً ضرورة الشرط، ليقحم نفسه في النخب الموهوبة، مدفوعاً بفتنة الانتماء إلى (الآحاد)، ونجوم الثقافة والتاريخ، والتمثّل بمثالهم في طلب المعرفة، والركون إلى الخلوة، وعزلة العالِم والمفكّر، فعلاً أو افتعالاً.

هاجسٌ مكهربٌ، يقدح مفاصل تفكيري، الموصول بأسلاكه إلى طموحاتي، ويستفز قدراتي إلى التفتيش عن قدراتي، التي أودعها الله قريحتي النَديّة، وكيف لي أن ألتمسها وأعيها، وهي عضو فاعل في جسدي وسيكولوجيتي، إلا بتجريبٍ حيٍّ ومران نشط، يُنمّي أدوات التحليل وتقنية التفكيك، متخطياً الظواهر إلى غيبياتها، مدّعياً اصطفائي من الله، بجزء من جزء من نبوّةٍ، أتوسلها للاطلاع على ما يغيب عن آخرين، مكتملي الحواس والجوارح، ناقصي التجلي والعرفان، في استكناه ما يقع على تلقيهم المباشر، من ظواهر النصوص والأشياء، شأن الحكماء المعدودين، الذين يخبرون عمّا خفي، موهبةً أو خبرةً، ما يغري الشاب الخَليّ منها إلى تفجير قدراته الشابة، لتعويض فاعل الخبرة في الإدلاء برأي حكيم، يذيع صيته بين الناس والأقران، بوصفه حكيماً، نافذَ البصيرة.

استمالتْني الكتاباتُ التي تستشرف التجلي الصوفيّ، بشتى تمظهراته الدرويشية والطُرقية والأدبية والفلسفية العرفانية، وقلما يُعنى قارئٌ أو كاتب بهذا المحور الإنساني المُلْغِز، رغم أن كُتّاب الحداثة والليبرالية تماهوا جزئياً مع هذا الحقل وإشارياته الباطنية، التي تحقق لهم جملة من المرامي، اختياراً آيديولوجياً وسياسياً. لم يستهْوني الاستبطان الصوفيّ إلا بعد تماسّي مع الخيار الحداثيّ ونقدياته، التي تفتح نوافذ جديدة، إلى فضاء الجمال والتأويل، كونهما بحثاً حثيثاً عن الحقيقة.

وفي غمرة انهماكي في قراءة شعر المهجر ورومانسيته الخالبة، وقعتُ في هوى قصيدة (العنقاء) لإيليا أبو ماضي، أترنّم بموسيقاها، وألهج بها مفردةً وتركيباً وبيتاً، أشتطّ في جنوحي واندفاعي إليها، وإلى رحلة بحثه الذكية عن ذات مفقودة،أخذت بمجامع لُبّي، وزجّتْ بي في متعة البحث ومغامرته، عن أنثى (العنقاء) أو الذات الأسطورية، ضارباً في متاهات الأرض والسماء، يدوّي بأسئلته إلى البحر والكواكب، ثم “يعلم حين العلم لا يجدي الفتى أن التي ضيّعها كانت معه” بعد أن “لمحها ولمسها في أدمعه”.

 أبو ماضي كان مدهشاً في الصياغة والسُلّم، واستدراج القوافي إلى محبسهن الوادع. لم أرتضِ لنفسي التجمهر َالأبلهَ إزاء اللغز المنظوم باحترافية فائقة، دون أن ألتقط صورة تذكارية معه، أدسّ وجهي في قلب الصورة، في ثنائية تجاورية ودية رخيّة، لتأخذني جذبة التمظهر في الصورة إلى جذبه التأويل، كونه سبيلي إلى الظهور الفوتوغرافي، جنباً إلى جنب مع (العنقاء)، لأكون بعضاً منها.

مشروعي التحليليّ أفاض في قراءة السُلّم الشعريّ قراءةً صوفية لرحلة بحث روحانية خالصة، لا مساس لها بالغزل والحب، كما هو ظاهر النص، وكانت الورقة والمحاضرة تحت عنوان (تحت جناح العنقاء)، نفذّتُها في نادي الرياض الأدبي، ثم أهملتُها وفقدتُها صوتاً وأوراقاً.

بادئ الأمر تكلفتُ الصدفةَ؛ لأنها مجدٌ مستقل بذاته، تسنح في قَدَرٍ يحملني دون غيري إلى قصد شريف ومنتهى سامٍ، وعمدتُ إلى مقاربة متنافرة بين نصٍ لغزٍ، وتأويلٍ صوفيٍّ، مؤدّاه أن هذه الأنثى المفقودة هي الروح الكليّ أو الذات العليا، التي يكدّ العاشق حسه في رياضة النفس وترويضها لبلوغها والاتحاد معها؛ لإشباع حالة الوجد، بوصفها عبادةً وصلاةً – بحسب الروحانية الصوفية – وكنت في هذا المنحى المجازف أختبر، وأُدرّب استعدادي العقلي على استنباط معنى المعنى الحكيم، والحكمة مجد وتفوق وسيادة.

دأبتُ في توقٍ إلى إنجاز هذا المشروع وإلقائه، لأبدو صدراً يجدر به الصدر، وعكفتُ على تحليل المعراج الشعريّ صوفياً، أتكهنُ بالجديد المعنيّ في هذا الحقل، لا سيما أنها مرحلة التحليل الحداثيّ، من بنيوية وتفكيكية وسيميائية..، ومن يخرج عنها يخرج عن السياق والواقع والذوق.

أفلحتُ في المقاربة وتسلسلتُ بمنطقية، أدهشتُ نفسي بجمال ما أكتب، لغةً واستنتاجاً، حتى بلغتُ شأوي في التباهي، وتضاءلتِ العنقاءُ عصفوراً أمام فخامة تأويلي!

فرغتُ من إعدادها المضني، وألقيتُها في جمع لا يتخطّون الثلاثين، وحاولت التواضع والتقازم، لأقدمها كمحاولة للفهم لا أكثر، وواقعُ الأمر أني أضعها على المحجّة مُسلّمةً، لا تقبل إلا التأييد والمباركة، كرسالة نورانية معصومة؛لأن خلوتي في مختبري زينتْ لي أنها فتح جليل، سيدفع الإنسانية خطوةً للأمام!.

وخاض القوم في تقويم أطروحتي في إطراء بالغ، أو تحفّظٍ مع إعجاب بالقفز في المجهول، وتمكنتْ ثقتي بالمارد المبدع الفذ، الذي ينطوي عليه هيكلي، فبدتِ الليلة ليلتي، وصباحها صباحي. والحقُّ أن الورقة كانت فاخرة، زخرفتْها مداخلاتٌ ارتجالية من حضورٍ، جلُّهم أصدقاء متلطفون، لم يسددوا للورقة نقداً، مجاملةً أو جهلاً، وتعاظمتْ ثقتي في أطروحتي، بعد أن تجاوبتُ مع الأسئلة باقتدار، وربما تحايل، غير أن سؤالاً بدر من أحد المتداخلين جاء صاعقةً في خاصرة مشروعي، أصابه في مقتل، أشبه بدفع قالب الدومينو بطرف الأصبع الصغير، ليخرّ إلى ظهره على بقية إخوته، وتتهاوى بقية القوالب في دراماتيكية مفجعة، هوت بالفكرة برمتها وبسلّمها الحديديّ وبالجهد والطموح، إذ إني تفاجأت بالسؤال الذي يشفّ عن تناقض فاضح في استنتاجاتي، امتقع له لون وجهي، وتمالكت نفسي، واستجمعت رباطة جأشي، ودحرجت له إجابة تعويمية لملء فراغ الإجابة، مع توتر مضمر، بذلتُ فيها دهاءً لحسن التخلص، تلقّاه المتداخل باعتراض يستدرك على ردّي، ويفاقم من تناقضي وارتباكي.

كان المُداخلُ محقاً في نقده، ولم أفلح في احتوائه، فعمدتُ إلى إنهاء جدله بما يرضي إنسانيته، لا نقدَه وحجته. وبعد أن انْفضّ السامرُ تحلَّق حولي بعضهم وخاضوا في الثناء، وكأنهم لم يعقلوا ما قاله الناقد، ومضتِ الليلة على خير، وكان الليل لباساً وستراً، وبمجرد بلوغي منزلي عكفتُ أتأمل التناقض، أحاول أن أفضّه، لكني أُصبتُ بالخذلان، وأنّ نقده سديد، ضرب المفصلَ الرئيس في التأويل، وانهارت النظرية في جنحٍ من ستر الله ولطفه، وغضضتُ الطرف عنها، وزجرتُها إلى العدم، دون أن أُقرّ بالخطأ.

كانت حالةَ هروبٍ وفشلٍ في تجربة، لكنها لم تفتَّ في إرادتي، بل نمّتْ أدوات التحليل في كتاباتي، لأستأنف بحذر من أن ينبري لي فارس يدعوني للمبارزة بعد كل مقال أو محاضرة.

عقدتي مع الإبداع تطال الفكرة واللغة على حدّ سواء، ولعلي أُجلّي جانباً من هزالي إزاء اللغة، وعقدتي المتطاولة والاحتواء والترويض، وتمرد الأفاعي على الحاوي.

التعليقات

3 تعليقات
  1. محمد الهادي says:

    كل ما كان يكتب في الماضي لايمكن مقارنته بما يكتب اليوم فقد كان الذهن صافيا وكانت الذاكرة متقدة والكاتب يكتب بروحه ومن خلال احسايسه الكامنه ، حقا كان كاتب الماضي متميزا بكل شيء ولعل هذا ما يفسر حقيقة ضعف الكتابة في عالمان العربي حاليا وعدم ارتقائها لما كان يكتب من ادب وشعر في القرن الماضي وما قبله .

  2. مجيد says:

    التجلي الصوفي اقتباس جميل للتعبير عن شغف الكاتب بالقراءة…. وأسلوب جميل لعرض تجربة مع ايلياء ابو الماضي

  3. عامر القاضي says:

    واستدراج القوافي إلى محبسهن الوادع…كان الأمر توصيف لمعركة يشغف عقل القارئ ويجبره على استكشاف أسرار اللغة العربية….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *