مزاعم التدخل الروسي في أمريكا

موقع المثقف الجديد - عزام المشعل

منذ أواخر عام ١٩٢٠م والاتحاد السوفييتي من خلال وكالاته الاستخباراتية يستخدم أشخاصاً من أصل وجنسية أمريكيين للقيام بأنشطة تجسسية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ للتأثير في المنظومة السياسية والاقتصادية داخل أمريكا، وفي المقابل تمارس الحكومة الأمريكية مثل هذا السلوك داخل الاتحاد السوفييتي.

وقد ركزت الاستخبارات السوفياتية في التجسس العسكري والصناعي في الولايات المتحدة، وتحديدًا في صناعات الطائرات والذخائر، واختراق الحكومة الفيدرالية، مثل: وزارة الخارجية الأمريكية، ووزارة الحرب.

وهذا السلوك متبادل بين جميع الدول، وتلجأ إليه الحكومات لتعزيز قوتها وقدرتها على الاستحواذ على أكبر قدر من النفوذ ضمن المنظومة العالمية وصناعة القرار الدولي. وقد كانت الانتخابات الأمريكية وما زالت من أهم الأهداف التي تطمح جميع الدول إلى التمكن من اختراقها والتأثير في نتائجها بشكل يؤثر في صدقيّتها، ومن ثَمّ يؤثر في فعالية الديموقراطية بعامة.

لكن هذا الأمر ما زال بعيد المنال، ولا يزال طرحه مرفوضاً، ولا توجد على أرض الواقع أي شواهد تشير إلى قدرة أي دولة من دول العالم على اختراق آلية التصويت وتغيير نتائج الانتخابات؛ وذلك بِنَاءً على رأي كبار المسؤولين، وعلى رأسهم الرئيس السابق أوباما، الذي صرّح عندما كان على مقعد الرئاسة في شهر أكتوبر عام ٢٠١٦م خلال مؤتمر صحفي، رداً منه على تشكيك المرشح ترمب آنذاك في نزاهة الانتخابات؛ فقال:

(لا يوجد مسؤول عاقل يمكنه أن يقترح بطريقة أو بأخرى أو يطرح افتراضاً أن من الممكن ولو بشكل جزئي تزوير الانتخابات)!

وفي السياق نفسه قالت هيلاري كلينتون موجهة الحديث إلى ترمب خلال إحدى المناظرات الانتخابية:

(إن التشكيك في نزاهة الانتخابات يعد أمراً مشيناً وغير مسبوق)!

وهذه التصريحات واقعية؛ فالانتخابات والتصويت كما هو معروف في أمريكا تجري بشكل تقليدي، بعيداً عن منظومة الشبكات الإلكترونية المفتوحة، إضافة إلى وجود مراقبين من كلا الحزبين لرصد أي تجاوز.

في معظم الولايات يجب أن يذهب الناخب فعلياً إلى صندوق الاقتراع، ويملأ بطاقة الاقتراع، ويضعها بنفسه. لكن في بعض الولايات الأخرى يتمكن المواطنون الأمريكيون الذين يعيشون في الخارج من التصويت من طريق البريد، وفي هذا الخيار يجري وضع البطاقة في ظرف سري مختوم. ولا يوجد تصويت عبر الإنترنت، ولا أي شيء من هذا القبيل. وفي مواقع نادرة قد يكون التصويت إلكترونيًا، ولكن هذه الحالات تجري ذلك على جهازٍ في موقع انتخابي. إلا أن معظم الناس كما ذكرنا يصوتون من طريق الاقتراع الورقي؛ ولذلك يستحيل اختراق البنية التحتية للانتخابات من أي قوى خارجية.

أما تأثير القوى الخارجية فهو يقتصر على كشف بعض الحقائق التي لها أثر سلبي في نزاهة المرشح وكفايته، وهذا ما حصل مع هيلاري كلينتون في قضية التخلص من آلاف الرسائل الإلكترونية، واستخدامها وسائل اتصال (خوادم) غير آمنة، حين كانت على كرسي وزارة الخارجية.

لكن بعد فوز ترمب بمقعد الرئاسة تغيرت المفاهيم، وأصبح التدخل الروسي في الانتخابات وتأثيره في نتائجها لمصلحة ترمب من خلال وكالاته الاستخباراتية حديث الشارع الأمريكي، وصار هذا يستحوذ على قدر عالٍ من التغطية الإعلامية، حتى أصبح 43% من الشعب الأمريكي على قناعة تامة بأن روسيا تمكنت من تغيير النتائج بشكل مباشر بالتواطؤ مع ترمب. على الرغم من أن كل الشواهد والأدلة تناقض هذا الطرح!

وتحت هذا الضغط الإعلامي والرأي العام اضطر ترمب إلى أن يوجه وزارة العدل بتعيين محقق مستقل للنظر في هذا الافتراض، بالرغم من انعدام أي دليل مادي على ذلك. وتم تعيين المحقق المستقل روبرت مولر في تاريخ 17 مايو عام 2017م، وشمل هذا التحقيق رصد وإثبات أي روابط أو تنسيق محتمل بين الحملة الرئاسية لدونالد ترامب والحكومة الروسية. وبعد ٢١ شهراً أصبح متابع هذا التحقيق يدرك أن المحقق مولر لن يقدم ما هو جديد في شأن مزاعم قدرة الوكالات الاستخباراتية الروسية على تغيير مسار الانتخابات، فلا يوجد أي دليل على أن ترمب تواطأ حين كان مرشحاً للرئاسة مع الحكومة الروسية أو أي جهة خارجية أخرى. وهذا على عكس ما يروج له إعلام اليسار في الولايات المتحدة الأمريكية.

التعليقات

6 تعليقات
  1. ماجد النافع says:

    انهيار الاتحاد السوفيتي أحد أبرز أسبابه الدفع بالسكير يلتسن إلى منصة الحكم وهذا الأمر تم بدعم استخباري أمريكي خالص بحسب المراجع الروسية ولا يستبعد أن تجري نفس التجربة في الولايات المتحدة

  2. ماجد النافع says:

    انهيار الاتحاد السوفيتي يعد أبرز أسباب انهياره الدفع بالسكير يلتسن إلى سدة الحكم وهذا الأمر ذكره أكثر من مصدر روسي لذلك لا يستبعد أن يتم نفس الأمر مع الولايات المتحدة

  3. نعمان عبدالله says:

    طبيعة التدخل الروسي يختلف عن ماذكره الكاتب فما يجري التحقيق بشأنه يتعلق بلقاءات مع الروس ومنافع مادية وإعلانات ممولة تدعم ترامب وتزيد من تأثير النزعة القومية وليس التلاعب المباشر في الانتخابات وهذا الأمر أقرته به شركة فيس بوك

  4. مشاري says:

    في نهاية الأمر نحن كعرب لن ينالنا منهم إلا كل سيء سواء من جاء منهم محافظا ام ليبراليا… نحن قوميا ودينيا وعرقيا في خانة الأعداء والعلاقة بيننا وبينهم علاقة انتفاع فقط..

  5. نسيم عليان says:

    أجمل شيء في أمريكا انها بلد دستور وقانون لا يمكن حتى للحاكم أن يتجاوزه وهذا الأمر أظهره أزمة الانتخابات بوضوح

  6. عايد المحاميد says:

    اعتقد ان الازمة الحقيقية هي تصارع تيارات في الكونغرس ليس أكثر وقد استغلت هذه القضية مثل قضية اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا ضد كلينتون قبل الانتخابات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *