لا تقُل كلَّ الحقيقة: اعترافات إنسان

..

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

يستفتح الكاتب أحمد أمين سيرته وكتاب (حياتي): “لن أقول كلّ الحق، لكنني لن أقول إلا الحق”. ويورد غازي القصيبي عبارة مماثلة في مقدمة كتابه (حياة في الإدارة)، وكلا الكاتبين عُرف بالشفافية والمثالية الأخلاقية، ودوّنا بالحرف الناصع اعترافاً عارضاً، لم يكونا مدفوعين إليه إلا بمحرض إنساني محض، أو أنهما بادرا إليه؛ ليتفاديا حدوث أي خلل في علاقتهما بالقارئ المتوثب؛ ليعرف كلّ الحقيقة، من قلمٍ دأب على الإخلاص مع الآخر، قولاً وفعلاً؛ فما كان منه إلا أن صدع مبكراً بقاعدة تحكم علاقته بالمتلقي بـ(لن)، التي تفيد نفي الاستقبال، ويا لها من صراحة نادرة أن تَزجّ بـ(لن) في أول جملة رومانسية في الاتصال الأخلاقي مع من أحبَّك وأحب ما تكتب، تُشهر عاطفة مفعمة باعتذار أنيق، يستبطن دعاية لقراءة مكتوب صادق في متنه وهوامشه وتفاصيله، حيث إن الفجاءة التي عمد إليها كلٌّ منهما، عبّدت السبيل إلى بلوغ القصد الأبيض، والتماهي معه بكل أريحية وإقبال حرّ؛ فكسب الكاتبان، ونالا من القبول ما لم ينله نظراء قالوا الحقيقة أو بعضها، دون أن ينوهوا بأنهم ينطوون على أسرار خبيئة، توقظ فتنة كبرى أو صغرى، ما يشي بأنّ ثمة سردياتٍ لاهبةً، اندسّت في تضاعيف الحياة، تطلّ بقرنها، فتشاغب راحة المعترف، قبل الكتابة وأثناءها وبعدها، فلا ينفكُّ قلِقاً من فراغ مفضوح، يخلّفه تردده في إشهاره أو الإلماح عنه، كمنْ يقفز في مساحة بياض، تخلع عنه صفة الكاتب إلى وثّاب رياضي، يشترك مع الكاتب في بداية انطلاق إلى النهاية الظافرة. وكثير من القرّاء الحاذقين يرصدون بتجسس رشيق ما بين السطور والصفحات والأحداث، ويقبضون بسلاسة بالغة على المسكوتِ عنه، المتسللِ لواذاً إلى الهامش، أو ما تحت الهامش.

الكاتب الصادق في إظهار الحقيقة المحظورة لا يأبه بالفضوليين المتربصين بالعيب لإذاعته، واتهام الكاتب بالتستر عن أخطاء، أو تجاوزات بحجم الفضيحة، أو انكسارات، وهزائم غير معلنة، أسدل الله عليها ستره، وتوارت إلى أرشيف أصمّ، لا ينطق إلا أن يُستنطق.

بعض الكُتّاب قالوا كل الحقيقة، وتجرؤوا إلى اتهام آبائهم وأنفسهم بما لا يليق من مساوئ أخلاق، خارمة للمروءة، وخادشة للإنسانية، وكان مبدؤهم (قل كل الحقيقة)؛ فخسروا تجربة التهور بأن قوبلوا باستهجان مدوٍ، يمتد إلى اتهامهم بالإثارة للجذب، كونه معادلاً متوهماً للإبداع، كما أنهم لم يقولوا كل الحقيقة متسترين على ما هو أفدح، فما كانت صراحتهم إلا انتقاماً من أفراد وزمان ومكان، ولم يكونوا صادقين في صدقهم.

العفّة تصفُ الكتمانَ بالستر، ما يضفي عليه غلالة من نور الله، الذي وصف نفسه بالستّير، اذي شرع الحجاب الساتر كلَّ ما يجب ستره، وبهذا الغطاء يكتمل جمال الخفاء، فليس كل ما خفي أو أُخفي قبيح، بل قد يغيب رفعةً، كمَنْ لا تدركه الأبصار في الدنيا- تبارك وتعالى-، أو يوارى كالملائكة والجَنة، أو ما يُطمس عن العين كالجِنة لحكمة الابتلاء. وفي المجمل فما يدسّه الإنسانُ طيَّ الكتمان هو سرّ حتى يشاع، ومن الأسرار ما يبهج، ومنها ما يمضّ ويحزن، وما دام غاباً عن المرأى، فهو مفقود الكُنْه، وهذا هو سرّ جمال الغياب.

من يكتب (اعترافات) لا كمن يكتب (سيرة)، فالأول آلى على نفسه أن يدلي بالخطأ وحسب، والآخر يفيض في الحكي المتداعي، شأن من يقود عربة في أرض بكر، فيصادف ما يُرونق العين أويُقذيها، ولا يكف عن وصف ما يراه، كمراسل إعلامي لقناة نشطة، تبث الرسالة حيّةً أمينة، كما يتبدى للمتابع.

كاتب (الاعترافات) في عين العاصفة؛ لأنه ادّعى الجرأة، وها هو ذا أمام محكمة القارئ والرصد الفاحص لرفاق عمره ومهنته ومجال نشاطه، فهل تورط المعترف بعنوان كتابه؟

المعترف ككاتب السيرة (لن يقول كل الحقيقة)، ولكن هل ما يخفيه أو يتجاهله يدخل في هالة السر وفخامته أو عورته وعاره؟ وإذا ألحّتْ دواعي السرّ على لحمة اللسان، أو شريان القلم تتخاذل الإرادة إزاء نداء حقيقة مكبوتة، تتنفس بحرج، وتريد أن تعيش، مخلوقاً حيّاً، وإن كان منبوذاً، يعرّف بنفسه عبر حشرجات رئوية، يجري تهريبها من ذاكرة مفعمة بهواء آيلٍ للتسمم، إنْ لم تنفرج كوّة، يتسلل منها لون السماء ورائحتها.

هذا التسلل الماكر يَحسن وصفُه بـ(التلميح)، أو الإشارة أو الإيماءة أو غمزة عين في المنطوق والمكتوب. وللكتّاب في مواجهة (لن أقول كل الحقيقة) عدة حِيلٍ لاحتواء الحرج، فنفرٌ منهم يقفز الفصل الممنوع بالوثب العالي، وآخر يعرف أن القارئ يعرف، ويعرف أنه يطلب المزيد من التفاصيل، فيبادله بالاعتذار التلميحي، الموجز في العبور الرشيق على قنطرة وجيزة، تَذَرُ القارئ المتوثب بين خيبة في الاطلاع على الكتمان، والتماسِ العذر لكاتب مهمّ، خاض شتى الميادين والمعارك، وحفّت به الأعداء وطلاب الأوتار، فما كان من بد أن يتشبث بشعاره النبيل (لن أقول كل الحقيقة)، مخلفاً انطباعاً مثالياً في استقبال محبيه، لا سيما أنه وفى بوعده، ولم يقل إلا الحقيقة. ونفرٌ يعرفون أن القارئ لا يعرف الحقيقة، ويكتفون بالتلميح بسرٍّ يثير الفضول، ويحفزه على قَصّ الأثر لإدراك ما خفي، سيما أنه تلميح قد يفضي إلى معلومة ذات صلة بحدث معلوم، وغير مصرح به، وهذا من أحابيل الكتّاب؛ ليوقعوا قراءهم في كمين الإثارة؛ ليُمعِنوا في التتبع والاستقصاء، حتى ينالوا بغيتهم على الوجه الأتم، أو يقعوا فريسةَ الحيرة، وهنا تكتمل لذّة الكاتب الصيّاد في نجاح نصب الفخ، والاستمتاع بتخبط الفريسة في المصيدة، وكأنه صنيعة بطولة فذّة، وهي كذلك، إنْ أفلح السيناريو المعدّ في تحقيق الغاية للجذب، وترك النهاية مفتوحةً، شأنَ أي لعبة درامية.

(لن أقول): ذات نبرة صارمة، تعلي من أفق الزجر والتحدي، وندرك درجة حسمها بالمقاربة الإجرائية السلسة مع (لا أقول) النافية التي تشاطرها لا الناهية، فالنافية مهما صَعّدنا من قطعيّتها تبقى ناعمة، أو متشتتة، متوزعة القطع بين ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ، فحاز المستقبل منها حظّاً أقل من قطعية (لن) التي سخّرت طاقة النفي في المستقبل دون التصاريف الزمنية الأخرى، وساعةَ يصدع بها كاتب كأحمد أمين، فكأنما يسدي نصحاً لمن يليه من الكُتّاب في هذا الحِبر الهامس، المنذر بالتبِعة الجسيمة… (لا تقل كل الحقيقة)، وعندما تتخلق (لن) إلى طور متقدم، يوقع الخشية الأمينة في أفئدة النبلاء من أرباب القلم، تختمر في ضمائرهم وتلامس مبادئهم، المنصوبة بين القلب والعقل، وتستحيل (لن) عفوَ الخاطر الحيّ إلى (لا) الناهية، تزجر المترسمين سبيلَ العفّةِ التي تنقل ما حدث ضمن صور فوتوغرافية متجاورة، لا يسعها تزوير المكان، ولا العبث بالزمان، ويتلقاها مبدعو المذكرات أمراً علوياً نافذاً، لا نصيحةً أبويةً حانية ً، ترقى بهم معارج سنيّة في النزاهة والصفاء مع الله والناس، وكم من الكتّاب ارتدّوا عن جادّة الحق وقول الحقيقة، وأفاضوا في السفاسف والترهات والخبث والخبائث، ولم يكونوا مكرهين على كتابة سيرهم، إلا ليرسخوا مقعدهم في الطليعة المثقفة، وكانوا أقلَّ من أن يكتبوها لغضاضة شأنهم، ودونية أثرهم، فزجوا بأسمائهم ضمن النخبة الطليعية، ودسوا وجوههم بين عمالقة الأدب والفكر، فلاذوا بقول الحقيقة ونقيضها؛ ليعلوا من مقامهم، أو ابتدعوا دراما مقنعة؛ لتلوي عنق أخرى، أهلٍ للستر؛ لأنها أهلٌ لإثارة منقصة فادحة، وانتهى أمرهم إلى أن نُبذوا من مصاف الصادقين وصفوة المبدعين، وكأن التحذير بـ(لن) لم يبلغ لديهم مبلغ الزجر بـ(لا)، وما أيسر النُبْل وأعسره على هؤلاء.

(لن) أحمد أمين هدّدتني، وأصابت مرمى الإرادة مِنّي في مقتلٍ، حجّمني في نطاق جرأة عاقلة، تفضح الصمت الحكيم، وتضاعف مصداقيتي في الإدلاء بالحدث والحس، ومن الصمت الحكيم أن أتفادى من يجرح مقبولية القائل والمقول، في رصد تفاصيل واقعة وقعت رأي العين، لكنها تشذ عن الدراما الطبيعية المحتملة، التي تُدهش، وتدخل في الممكن؛ لئلا أوصم بالمغالي، أو الإثاريّ بدسّ محسنات الجذب، وإقحامهما في متن الواقعة، لتُماثلِ وتُداخلِ المتنَ البدهيّ في الفانتازيا السحرية أو في أقل الاشتباهات إحساناً بالظن أُعْزَى في شهادتي إلى مس من الأنا الغامضة في خُيلائها، أو غيبيّتها، ولعلي أُسفِر بها في مساق غير اعترافي، أرويها بلا تحفظ، متسلحاً بإجابة تصدع السؤال المنتظر، فورَ بروزه للنزال و:

“يا ربُّ جوهرِ سرّ لو أبحتُ به… لقيل لي: أنت ممن يبعد الوثنا”

ولن أشتطَّ في تمثّل دلالة هذا البيت، إنما أحوّره إلى “لقيل لي: أنت ممّن يزري بعقولنا”، علاوةً على الاستنتاج الوجيه الذي أعتمدُه، استناداً إلى مقدمة واقعية، كانت حيّة على الأرض، كما البشر، ثم يرتدّ الاستنتاج الوجيه غباءً واستغفالاً؛ لأن المقدمة خرافية أو مستخرفة، ولحظتها يلوذ القلم الصادق بالندم على عدم امتثاله لتحذيرات (لا الناهية). إنه الشفقة على الذات من الناسِ، والناسِ من الذات، والكاتبُ الألمعيّ يحسن تسريب ما يشاء من نوافذ موصدة، يتسلل منها ضوء صامت، لا يقول كلّ الحقيقة، يصدّ زجاجُها محمولاتِه من حفيف يقول، وهواء ينتظر دوره في الدخول، سفيراً عن العالمين وضمائر الكائنات، كمدّعٍ يلّوح بعريضة اتهام نيابةً عن العدالة الماثلة في المنصّة، قبالةَ كاتبٍ مطوّق بسياج قفص الاتهام، والمتهمُ البريء لن يصدّقه القضاة إذا لم يحسن الدفاع عن نفسه، والمذنبُ يتفوق كثيراً في براعته في (لن أقول كل الحقيقة)، وينجو من العقوبة بالبراءة الناصعة، ويدوّي نبأ براءته، وتستقبله أفواج الغافلين والنابهين بالتهنئة على تحايله الفنيّ الماهر، كأي مبدع في كتابة الروايات والأفلام.

قد يجد الكاتب متعة ضامرة، متكورة في اللاشعور، إزاء فضول القارئ السادر في التضاعيف الكثيفة للحدث والاستنتاج والنبرات المتماوجة بين السطر والسطر، وتتضاعف المتعة حين يدرك أن الكاتب يعمد إلى إخفاء كتلة من نفسه والإغراء بطرفها؛ ليستدرج المتلقي المتوقد إلى مشاطرته السر الغائب في طيّات الاعتراف، ويا لها من “نشوة وحشية تعانق السماء”، حيث يتّهمك القارئ دون دليل أو يذبّ عنك دون دليل، وأنت “تنام ملء جفونك”.

لن يسيطر المعترف على الزمان إلا بتجميل قبيحه أو تقبيح جميله، ودون ذلك، فالمجاملة والصداقة معه لا تغري بالاعتراف.

التعليقات

3 تعليقات
  1. عابر طريق says:

    كاتب الاعترافات سواء كان ناقلا ام مجرد مصرح فهناك فرق…. قد يكون هناك استثناء أو تضخيم لا يمكن التسليم بنزاهة النقل أو التوصيف

  2. عادل says:

    الأخطاء جزء طبيعي في النص لكن الكارثة أن يكون الخطأ في الفكرة

  3. سعد الحريز says:

    مهما كان الكاتب واقعيا وصاحب مصداقية كبيرة وامانة واخلاص فانه لن يكتب الحقيقة الكاملة في المجال الذي يكتب فيه ،لانه بكل صراحة لا احد يملك الحقيقة الكاملة في اي مجال يكتب فيه وانما هناك من يكتب وفي كتاباته جزء م الحقيقة او هو الاقرب لحقيقة من غيره ، والا فجل ما يكتب هو بعيد عن الحقيقة والواقع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *