حرّيّة قَتل الأطفال في الغرب!

موقع المثقف الجديد - عزّام المشعل

بدأت الحريات والمطالبة بها منذ أواخر القرن الخامس عشر، ولعل الكتابات الغربية الأولى التي شكّلت معالم الحرية في سياقها الحديث هي تلك التي قدمها توماس هوبز البريطاني، عندما عرّف الحرية قائلاً:

(الحرية بمفهومها الصحيح هي غياب القيود الخارجية التي تحول دون الإنسان وفعل ما يمليه عليه عقله وحكمته).

ويُعدّ هوبز من روّاد الفكر السياسي، وفي طرحه نجد ربطاً واضحاً بين الحقوق والحريات السياسية، بمفهوم القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي الذي يشكل القاعدة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الحديث.

أما الآن فهذا المفهوم يحتل مركز الصدارة في الفكر الغربي الحديث، والمفاهيم الأخرى لا تكاد تضاهيه أو تزاحمه، حتى مفاهيم (العدالة) و(المساواة)، بل إن شرعيتها تستمدها بالإشارة إلى (الحريّة). ولقد حقق مفهوم هوبز انتشاراً بعد أن تبنته بريطانيا، ثم أمريكا؛ ليصبح المفهوم السائد، بعد أن هيمنت الرؤية السياسية البريطانية والأمريكية على النظام السياسي العالمي.

إنّ الحرية كما يعرّفها ويعرضها هوبز تستلزم إطلاق إرادة الفرد، وهي مِن ثَمّ تتناقض مع مفهوم العقد والقانون. والمقصود هنا في المقام الأول: العقد، والقانون المستمد من تشريعات الأديان التي في أصلها تتّفق قبل أن تُحرّف مع تكوين الخالق، وهي مِن ثَم تنظم سلوك الإنسان، وبخاصة السلوك الاجتماعي، بشكل يتسق مع هذه الخِلقة، وهو ما فضّل الله به الأمة الإسلامية، وتفضّل عليها بحفظ القرآن من التحريف؛ ليكون مصدر التشريع الذي لا يشوبه القصور الموجود في عقل الإنسان.

هذا القصور في عقل الإنسان انعكس بطبيعة الحال على صياغة المفاهيم وسَن الأنظمة والتشريعات، ومن أهم هذه المفاهيم: مفهوم (الحريات) !

خلال التاريخ نجد شواهد عدة على الآثار السلبية أو الكارثية، إنْ صح التعبير، التي نجمَت عن إطلاق إرادة الفرد وغياب القيود الخارجية التي تحول بين الإنسان وفعل ما يمليه عليه عقله وحكمته. وكانت المرأة من أكثر المتأثرين بهذا (الغياب).

بعد عقود من الزمان من الخطابات والدعايات الرنانة عن الحريات والحقوق، وبخاصة حقوق المرأة والطفل – التي أشغل الغرب العالم بها – ينكشف الغرب لنا اليوم في أبشع صوره غير الإنسانية؛ ليقدم لنا أقوى البراهين على أن مفهوم الحريات التي قامت عليها حضارته، وهي: أن إطلاق حرية الفرد لما يمليه عليه عقله وحكمته أتى ليسحق دون أدنى إنسانية في صورة بربرية روح الأطفال البريئة؛ فعقل الإنسان وحكمته في الغرب تلهمه بأن حوتاً وزنه عشرة أطنان نافق في غابات الأمازون بالبرازيل أعز من روح طفل لا يملك من أمره شيئاً إلا البكاء بعد أن يخرج من رحم أمه! وهو: بكاءٌ فيه إعلان عن سخطه على حالة الفراق التي حدثت بينه وبين مصدر الأمان، بكاء فيه مطالبة بإعادة الموازين، ووصل القطع بصفة عاجلة لا تحتمل التأويل أو التقصير.

 

هذا الطفل لم يدرك بأنه سيكون في عصر الحقوق ضحية مفهوم أُسِّس له قَبل مئات السنين، وهو مفهوم يعطي المرأة الحق في قتل طفل مكتمل الخلقة بعد عملية الإجهاض.

نعم عزيزي القارئ، هذا ما حدث في أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي بعد أن صوّت ما مجموعه أربعة وأربعون عضواً من أصل مئة ضد مشروع قانون يتطلب ستين صوتاً على الأقل لإقراره. أي: مشروع القانون حول تقديم الرعاية الطبية للأطفال الذين يولدون أحياء بعد محاولة الإجهاض، وتقدّم به السناتور بين ساس، وذلك في تاريخ ٢٥ من الشهر الماضي. وأتى هذا المشروع على أثر موافقة مجلس الشيوخ في ولاية نيويورك على واحد من أكثر قوانين الإجهاض وحشية في تاريخ الولايات المتحدة، القانون الذي يمنح المرأة حق إجهاض الطفل في أي مرحلة من مراحل الحمل، حتى لحظة الولادة، بعد أن كان مقيداً بما دون أربعة وعشرين أسبوعاً في السابق. حتى إنه يلغي حق الحماية القانونية والرعاية الطبية للأطفال الرضّع الذين يولدون أحياء من الإجهاض الفاشل!

وقد علق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هذا التصويت بتغريدة عبر حسابه في تويتر قال فيها: (الموقف الديمقراطي من الإجهاض الآن متطرف للغاية؛ لدرجة أنهم لا يمانعون في إعدام الأطفال بعد الولادة)!

هذا الحريات الغربية الزائفة المتطرفة التي تقسم الحقوق وفق هوى الفرد وإرادته؛ فالحرية، كما في عُرف توماس هوبز، هي: (غياب القيود الخارجية التي تحول بين قدرة الأم على قتل طفلها متى أملى عليها عقلها وحكمتها ذلك)!

التعليقات

5 تعليقات
  1. ابو يزيد says:

    سبحان الله ما حرمه الاسلام قبل 1400عام البعض في عالم اليوم يحلونه تحت يافطات مختلفة ولعل اغلبها يندرج تحت مسمى الحرية والديمقراطية .

  2. حمود الهاجري says:

    الحمدلله الذي عافانا ممى ابتلاهم به قوانين اجازة قتل الاجنة دليل على فقدان الايمان بالله ودليل اخر على كثرة الاطفال غير الشرعيين في بلدان تدعي الانسانية وحماية حقوق الانسان .

  3. ام سلمان says:

    كل الشكر لموقع المثقف الجديد على هذا التقرير الذي يسلط الضوء بعض جرائم الغرب تجاه الاجنة والاطفال والحمدلله ان الاسلام يحرم الاجهاض ويعتبره ازهاق لروح انسان من حقه ان يعيش بغض النظر عن الظروف التي دعت لانجابة .

  4. نادر العمري says:

    الاجهاض. صراع بين المسيحيين و الليبراليين منذ زمن…مثله مثل تشريعات أخرى لكن هذا الأمر يحكمه فلسفة الدولة القائمة على المادة

  5. عزام الخالدي says:

    هم يقتلون الناس أحياء فكيف بالاجنة… انظر حجم الجريمة المنظمة في أمريكا وانتشار الأسلحة وغيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *