منفى اختياريّ

..

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

الشعور بالغربة أمرٌ لا يستدعي الاعتراف، أو إضفاء هالة من الإثارة حول حالة طبيعية تعتور ذوي المشاعر المرهفة أو المريضة، غير أنّ ما يُحرّض على الاعتراف أن تكون الغربة ضرورة، في سبيل دفع الحرج عن واقع المغترب، واستبعاده عن مشهد متحرك يحتويه في فصول حياته.

الغربة حزنٌ يبرز الذات في إطار مختلف، تصْدقُ ما صدق الحزن، ولا تُحسن التعبير عن نفسها إلا في السالب من ردود أفعالها تجاه الآخر.

والغربة والحزن الحقيقيان لا ينطويان على العذاب المستعذب، إلا مفتَعلَين، جرى استدعاؤهما من العدم ليحضرا مكتملي الجاهزية؛ لأداء دور ملحميّ فذّ، يُعزّز بطولة مغترب دراميّ، احتاج الغربة بين ذويه وأشيائه التي تشبهه، فكان أنْ تلبّس التصنّع أو المرض، وكلاهما استشعرا أنهما عبء على الحياة، وهي عبء عليهما:

“هو عبءٌ على الحياة ثقيلٌ           من يظن الحياة عبئاً ثقيلا ”

خدعةُ الاغتراب إيهام للنفس بأن الحضور والاستئناس بالناس بدلاً عن الاستيحاش منهم، يقرر حتمية الاضطلاع بالمسؤولية تجاه الأنا والآخر، وضرورة الإصلاح على مستويات إدراكية وأخلاقية وذوقية، ويأتي الاغتراب المصطنع ليعزل المهموم اليائس عن حركية مجتمعه، ويثبطه عن التفاعله معه، بمحض اختياره؛ ليتنصّل من مشروعه المرهق، غيرِ محسوم النتائج، بل معدومِها في كثير من مآلاته.

طائفة المصلحين أو الطامحين لا يتكلفون الحزن؛ لأنه جِبلّيّ كونهم بشراً، لكن محاولة ترويض جموحه تجري حسب اجتهادهم بمحاصرته تكتيكياً، وبإعادة رسم خطوط المناورة، وتقسيم مناطق المواجهة مع الذات والناس.

هذا اللون من التكتيك كذب فاقع ونفاق مع هندسة نفسٍ تجفو من هذه الخطط العسكرية، في سبيل الانسحاب من خطوط النار والركون إلى مدرّجات المتفرجين، أو مغادرة الواقعة برمتها؛ لأن النفس روحانية بطبعها.

الشاعر المريض بالشفافية أولى بهذه الغربة، وأكثر إقبالاً عليها، فالقصيدة تدفعه إلى الانغلاق على الإطار، والتكوّر في حوصلة الكلمة والمعنى ومساحة ضيقة من البياض (أوراق الشاعر)، تضطره إلى الانكماش إلى أضيق دائرة، في طوق العزلة في لحظة شعرية ضاغطةٍ، تسوّغ التطبيع مع العزلة، لضرورة الإنتاج الشعريّ، ويبلغ التطبيع حدَّ التماهي والثنائية بين الشاعر والعزلة، التي تتشكل بكيفية ما، وتعيد صياغة ذاتها بذاتها، تَسِم شاعرها بميسمها الفنيّ والسيكيولوجيّ، وتُنتدب العزلة مُعبّراً مثالياً عن حالته الشعرية والإنسانية والمؤقتة والمُطّردة، وتحضر طبعاً وتطبعاً، والطبع يأتي بالتطبّع.

الغربة إحدى تجليات العزلة، ومظهرٌ للاحتماء بالمكان الضيق، ولجوء صادق إلى الحيّز بوصفه نوعاً مادياً، يقي اللاجئ من الماديّ الأوسع، ودقائق الصورة تشي بمعادلة تقابلية بين ضعيف وقويّ، تمركزا في القلب والزوايا، ليعلنا عن الطبيعة الخاصة والطارئة لكل منهما، ولتكشف الصورة أن المعتزل الاغترابيّ جزءٌ من تركيب الصورة، مهما تحايل وراوغ للتسلسل إلى خارجها، حيث العدم.

الغربة المصطنعة تعي هذا العبث، وتثيره في حركية الصورة لتشهِر غربتها وعزلتها التي اختارتْها لتغيب عن الصورة، لا أن تكون ثيمةً فيها، ومركزية في زاويتها المهملة.

تفاصيلُ ألوذ بها لتحقيق مجد الغربة، لا مجد الغرباء في البشارة النبوية: “طوبى للغرباء”؛ لأن جائزته أخروية، وأنا أفخر وأعتزل وأغترب في سبيل الدنيا وزخرفها؛ لأني حُرمتُ نصيبي المُستحق من قطعة الحلوى المعسولة التي أسميها (الحياة)، حيث تتجلى أنَفَة طالب السيادة، ليتنازل عنها بالكلية.

الغربة الاختيارية طوق من الياسمين، يُسيّجه الفارس المخذول حول همته وهمّه، حيث وعى متأخراً أن المشروع الإنسانيّ الذي يتمحور حول طموحاته الجشعة، مصيرُه الانكسار، وانكسارُ صاحبه، حتى لو أخلص له وتجرد، باذلاً نفسه ونفيسه في سبيل نجاحه.

إذا اختلف المفكر أو المبدع مع مجتمعه تتوتر علاقته به، لا سيما أن الفكر قناعة عقل، والذوق قناعة حس، ويكون الصدام بين قناعات، لا مصالح خِلْوة ٍ من المبادئ والمثل، بل رسالة انتدب المثقف العضويّ نفسه إلى تبليغها، وكأنه أحد الحواريين الأبرار، تَلَقى شطراً من إملاءات السماء، قَذَفَتْ في روْعه ضوءًا دافئاً طهورياً، يبني إنساناً وأمة. ويتفاوت حَمَلةُ الرسالة تبعاً لثقلها وهمتهم، أو الجدوى منها، أو آلية التبليغ.

عندما خُضتُ وآخرون معترك الأدب والكتابة طرأ تحول تدريجيّ في التعاطي مع المفاهيم والأنساق، كونها حاكمةً على السلوك الذهنيّ للإنسان، وموجهة للفكر والذوق، بوصفهما معتبرين لتواصل الإنسان مع الحياة، ومن خلالهما يتحقق النمو والرفاه والوعي، وبقيتْ العلاقةُ بيني والجبهةِ العريضة ملتهبة، لم أحسنْ إدارتها لانفعالي، أو لاختلاط إخلاصي بمصالح ضيقة، تحملني على المواجهة لإهالة وهج البطولة على ذاتي المغامرة في سبيل الفكرة والذوق والوعي، والتطلع إلى منصة التأثير، منبراً وقُمرةَ قيادة، تليق بي مفكراً وكاتباً وشاعراً، يحمل شعلة الخلاص لهذا العالم المنكوب.

السيناريو الذي يفرض تفاصيله عليَّ شاعراً عاش غربة وجودية وإبداعية، يطَّرد في حالات ونماذج أخرى مماثلة، لكنها كتومة، تداري رُهاب الاستيحاش مع مجتمعاتها، وتبلغ بنا الغربة والاستثنائية ضعفاً وخذلاناً يجردنا من عضويتنا وبشريتنا الكاملة، كوننا نضطلع بِهمّ الإبداع والذوق الرفيع الذي لا يباشره غيرنا، وكأننا انفردنا عن سائر الناس بسلامة الحواس، وصِحّة الجوارح، وتمام العقل، وقوة العاطفة، حتى استحالت وساوسنا إلى لافتة جاذبة تحيل إلى المجهول.

وَرَّطَتنا المرحلة في غربة الثقافة واللغة والشعر الفصيح والحداثة، واجتماعُها في الطموح والهمّ والاختيار المصيريّ جديرٌ بحملنا إلى الانطواء، بعد الفشل والتبعة الثقيلة، قليلةِ الجدوى؛ لأنها ستستهلكنا وتعطّل اهتمامنا بهذا المشروع الحضاريّ البهيج، فكانت العزلة إجراءً لتقليص النشاط والإنتاج، واستمرارُنا في الإنتاج النوعي المتكيف مع تقليص فرص الاندماج في الثقافة الشعبية؛ إذ مهمتُنا إصلاح الثقافة ذوقاً وفكراً، لا الانتماء إليها أفراداً أو أعضاءً قدرُهم التهميش؛ لأنهم لن يكونوا أسياداً على ثقافة لا يؤمنون بها، ولا يسعُهم إصلاحها.

الثقافة الشعبية حاضنة الشعر الشعبي وإنتاجه المترامي، الذي بلغ أوجه مع مفتتح تجربتنا الجادة في الدخول في ميدان الإبداع الأدبي، فإذا بنا نواجه شعباً، لا شعراً شعبياً، يطوقنا من جميع الجهات بفنون وإبداعات وإمكانات لا سبيل لمواجهتها، لا سيما أنها متناغمة مع بعضها البعض؛ فالفصحى التقليدية لا تتصادم مع العامية الإبداعية. وبقينا شرذمةً قليلة، لا نصادف تشجيعاً إلا في بعض المنابر الإعلامية، علاوةً على أننا ورثنا الحداثة المُتَهمة في فنها وفكرها، والفصحى المتهمة بعجزها عن تمثيل الإبداع الحديث، كما أننا متهمون من تقليديين ناصبونا العداء لأسباب شتى، وازددنا غربةً حين أفلحتْ موجة الشعر الشعبيّ من الاستحواذ على الساحة والقبول، وفرضت نفسها بديلاً عن الفصحى التقليدية والحداثية، حيث فتحتْ أفقاً موضوعياً ودلالياً غير مسبوق، لدرجة أن النقاد الحداثيين والتقليديين تفاعلوا معها، ورحبوا بإبداعاتها، وأضفوا عليها مشروعية أدبية، أسهمتْ في إقناع المتذوق بمشروعها (العامية الراقية) في مقابل العامية الهابطة.

المفاجآت الثقافية أحرجتنا، وحملتنا على الانطواء مع (الدعوة السرية) إلى نموذجنا الإبداعي الذي قُوبل بصدوف من السواد المتذوق؛ وخلَّفت متاعب وإيذاءات، لم نلبث أن تفاهمنا معها بالانسحاب التدريجي، والرضا بالسلامة من الغنيمة، وبقينا مخلصين لأدبنا السامي، رغم قدرتنا على نيل الشهرة لو انْسَقْنا مع الموجة.

افتعال الغربة كان ضرورياً لبقائنا في زاوية المشهد، في صمتٍ يوهم بالوقار؛ بعد أن دالتِ المنصة إلى غيرنا.

كُنت مستمتعاً بهذه الغربة التي صنعتُها من الحلوى؛ لأنه بوسع كل أحد أن يحيل المحنة إلى منحة، حيث أمعنتُ في المراجعات والتصحيح؛ لأتصالح لاحقاً مع الثقافة الشعبية، بعد أن تكلفتُ عداءها، وإذا بي أناصب الشعب العداء لا الشعبيّ.

التعليقات

3 تعليقات
  1. عيون المها says:

    حقيقة بعض المثقفين يضعون انفسهم في ابراج عاجية وهم بعملهم هذا يفصلون انفسهم عن محيطهم الادبي العام حيث لكل زمان ادبه الذي يلقى الانتشار وتقبل الجماهير وهم بذلك فعلا يشعرون بغربة عن محيطهم بل ويضعون انفسهم في منفى اخيتاري يعزلهم عن محيطهم الذي قد يكون في حاة لهم في وقت ما.

  2. سامر says:

    الاغتراب ظاهرة يجبر عليها الإنسان في حال أجبر على هوية اجتماعية وثقافية لا تناسبه… هذا الأمر يقود المرء إلى الجنون فلا يهدر فيه عاقل عقله في شيء كحال المغترب

  3. رامي العامري says:

    طوبى للغرباء تلخص المشهد في العالم الإسلامي هذه الأيام… تشعر المثقف بالشلل التام وتنعدم فيها فضاءات الطمأنينة و مجاراة الواقع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *