المشكوك في شاعريته: اعترافات شاعر

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

شكّي في شاعريتي أول درجات يقيني بها، تحويرٌ ضروريٌّ لمقولةٍ ديكارتية شهيرة، أستدعيها في هذا المقام لتؤنس قلقي إزاء عنوانٍ اعترافيٍّ شائكٍ، يعزّز الوسواس الممتع، المتوّلد من الاعتراف السابق بشاعريةٍ انتفضتْ من رمادها كأسطورة العنقاء، تحت رعاية الصدفة والطارئ، وتفاهماتهما مع الجماد (الكلمة واللحن)، لتنجز إنساناً جديداً، يتعرف على بعضه اللغويّ، وبعضه الشعريّ، في تكامل فجائيّ بين مكونات إنسان نَمَتْ سويّاً، وتعرفتْ على بعضها لاحقاً.

عقدةُ مفاجأتي بلُغتي استبدت بوعيي وبشاعريتي، فأنا ابن الطارئ وعالةٌ عليه، والصدفة قدرٌ إلهيّ يهبط على الأرض من اللوح المحفوظ؛ ليدهشنا حزناً أو فرحاً، وكأنني في مَسِيس الحاجة لسلطتها لإدراك ذاتي وقدرتي على الإبداع، لا سيما أن القصيدة مجموعة من صُدف، لا تتأتى إلا للشاعر، فهو في حالة استدعاء واستسقاء لهطولها من خالقها إلى هذه القريحة دون غيرها، وكثيراً ما خذلت الصدفة شاعرها المبدع الفذ، كفتاة لعوب تتمنع على ذَكَر القريحة وفحل القصيدة. وفي خضم المشاهد المشوشة أخوض وسواساً وجودياً مضطرماً حول شاعريتي، أُمعن فيه كلما أمعن قُرّاء شعري في الثناء على شاعريتي، وأشعر لحظتها بفضل الصدفة التي تهطل عليّ متى شاءت، وأنا عاكف في ترقّب وتشوّق وتربّص لسانحة تحين؛ لأن المعنى الفريد يفِد من الخارج شأن المساعدات والصدقات التي تخصني؛ لأنني مستحق لها، مسكيناً وفقيراً أو عابر سبيل. إنها موهبةُ التشرد والتسول ساعةَ يبلُغك الفضلُ، ويقع في يدك العليا، وأنت متكئ على أريكتك مرخياً ساقاً على ساق، لا يعلم بك وبضعفك وتهالكك أحد أمام عطف الصدفة.

خلطي بين الشعر والشاعرية يفاقم ارتيابي أمام حالتي الشعرية وعجزي عن تحديد خط التماس الفاصل بينهما، لا سيما إذا قرأتُ أو سمعت عبارات ومقولات غاية في المجازية الفاتنة، والجديدة على ذاكرتي الحسية، الناشئة عن قرائح ذكية، تميزت بسرعة البديهة، وحضور الذهن، وأبدعتْ صورة بقيت عالقة في الذاكرة الجمعية، لتفردها في تركيب نثريّ محكم، يُقدم إنتاجاً ثقافياً، يبلغ مداه في السلوك الذهني والأخلاقي، وينتصب عنواناً قِيمياً معصوماً في قالب حكيم ضمن جملة بليغة، لا تقبل زيادة، ولا يرقى إليها نقدٌ في جودة تركيبها، أو مثلٍ شعبيّ أو عربيّ خَلّفَه حَدَثٌ ما، وجرى إسقاطه بمهارةٍ على سياقات طارئة، تنمّ عن نشاط ذهنيّ شاعريّ، يفعّل مزيداً من التباسات الشاعر بالحكيم، وما تضمره المَلَكَة الفطرية من مواهب، تُطلق المقولة الخالدة بفوقية فلسفية، تقصُر دونها قرائح الشعراء وصُدفهم وشياطينهم.

شبكةٌ معقدةٌ من الحقائق والوساوس، تساورني في خلوتي مع القصيدة، والشيطان ثالثنا، لا ليغويني لارتكاب الكبيرة وفضّ أبكار المعاني، بل ليُشهر أسئلته ومحمولاتها المكهربة، لتشكيك هذا المختلي بقريحته، وأنّ الخلوة ليستْ غار حراء، أو صومعة المعرّي، أو خيمة الخنساء.

الخلوةُ جغرافيا وحسب، وليس ثمة قداسة أو نورانية علوية تستثنيني بقبس سماويّ، يستطيل صلةَ نورٍ بين الملأ الأعلى ومكاني الشعريّ، إلا ما يجود به الله عليّ من صُدف شعرية تهبط بعد استغاثة أو دونها.

بقي شكّي في شاعريتي قائماً، وربما يكون سبباً في قوتها؛ لأنني أضاعف التحدي أمام المنافس النفسيّ والخارجيّ، ميداناً ومتسابقاً في الآن ذاته.

القرطاس والقلم… الطاعة والعصيان

القرطاس والقلم يرهقان شاعريتي، ويمكّنان الشك فيها، فهما أشبه بالجواسيس على إنتاج القريحة، يجعلاني إزاء مسؤولية جسيمة ومفترق (أكون أو لا أكون)، ويزجّان بي إلى تحدٍ محرج، ونزال غير متكافئ، أمام مارد الشعر العنيد البليد، النائم في تابوت مُصْمتٍ، يُجهدني إيقاظُه ولغته ومجاملته وإغراؤه واستجداؤه، وبقدر تملقي ومشقتي تكون شاعريتي، وهذا معياري لقياس قدراتي، وحقيقة كوني شاعراً.

كنت أقاوم وسواسَ قصورِ الموهبة بوسواس الغرور المتسامي على الافتراضات الواهمة، محاولاً تكثيف الذات الشاعرة داخلي، كيف لا، وقد قدّمتُ جملة قصائد نالت استعذاب أرباب الفن، وعزّزت ثقتي بشاعريتي، وفروسيتي على اللحظة الشعرية والمرحلة الشعرية، والجيل الذي أخوض معه منافسةً تضرب معنوياتي صعوداً أو هبوطاً، ليستحيل طقس الشعر إلى طقس أعصاب مضطرمة، وأفقدُ إثرَها إخلاصي للقيمة الإنسانية للشعر، ويتردّى خادماً، لا مخدوماً، لشاعرٍ لم يجزم بعد أنه شاعر.

استغلاقُ المعنى أو موته في مهده يغلّب الوهم، ويجعله ممكناً وواقعياً، وكم تعثّر مشروع القصيدة في بدايته لعجزي عن ابتكار معنى، أو تركيب يليق بالافتتاحية، وأنتهي إلى نبذ القرطاس والقلم والانهماك في تعقّب الإجابة العصية حول شاعريتي، وهل هذا يليق بمن يدّعي أنه شاعر، وينافس على صدارة جيله، وهو لا يحسن تركيب كلماتٍ أهْدَرَ فيها سحابة نهاره دون طائل، إلا استجداء مارد الشعر البخيل؟

الشكُّ في الشاعرية شاعريةٌ، وتحدٍّ مضاعف، واقتحام متهور للمجهول المتوحش، وعراك دامٍ مع أسد اللغة والمجاز، يرتهن فيه التفوق والظفر بشجاعة استثنائية ألهمني الله إياها دون استغاثة، بل كانت هبة ربانية هبطتْ على هيكلي، واستأثرتْ بقواي وطاقاتي، أصارتْ جغرافيتي الشعريّةَ هالةً من الإلهام الكثيف، سرعان ما تنداح، أو تخبو أو تنقشع بالكلية، فأنا تحت رحمتها وسلطتها في تمكيني من الكلمة الخالدة على السطر الخالد، في تجاذب عاصف، واضطرام جائش تدفع بي كرهاً لأمْثُلَ أمام مسلَّمة تاريخية لشاعر العرب الأول، مفادها أن القريحة لا تأذن لبيت الشعر إلا بعد (شربة ماء)، أو (خلع ضرس).

ما يعزز الشك هو دخولي في مقارنة مع مَن هُم أشعرُ مني، فبوسعي قياس البون طولاً وقصراً، ما ينبئ عن جهل فادح حالَ المقارنة وقياس دقتها، وترشيح درجتي التي لا أرضاها إلا متقدمةً، وغير هذا نقص في الموهبة، أو انتفاؤها.

يتنامى شكّي بافتراض طقوس الشعراء المبدعين مماثلةً لطقوسي، خَلوةً وكثافةً وتفاهماً مع الإلهام البخيل، والمارد العنيد، لتستوي في يقيني صورة مقاربة، تكشف مدى قدرتهم وتفوقهم عليّ في إدارة اللحظة الشعرية، ومهارتهم في إحراز مغانم نفيسة، بالتفاوض مع الإلهام الشحيح، ويتخلّقُ تعريف جديد في قاموس الشكّ، يفيد بأن الشاعر الفذّ من يحظى بمجاملة خاصة من الإلهام، وينال مكاسب دون خلع ضرس، على خلاف شعراء آخرين يبذلون أعصابهم، ولا يظفرون إلا بيسير عسير، لا يجعلهم في مصاف المبدعين الكبار، وكأن ثمة شعراء مدللون، وآخرين محرومون. إنها الموهبة بعيداً عن كل طرف حاقد، يتهم الحظ ليتهم شاعريته، ممّا يعمق شكّه فيها.

الشاكُ في موهبته كسول في البحث في وعيه عن ذاته وحدودها وإمكاناتها، والثناء البالغ كالانتقاص البالغ في تقويمه، يتلقاه بانتفاضة عارمة متأخرة، كأنه الحكم الفيصل في قدرته الشعرية، إنْ مدحاً أو ذمّاً، وكلاهما يلغيان الشكّ باحتمالية النقيض، ولا ينقضي العجب من القلق الباطش الضاري، الذي ينهش من شفافية الشاعر المرهف، حتى لا يبقي ولا يذر من رباطة جأشه، داخل الشعر وخارجه!

هذا الضرب من الشك لا يستحيل جسداً داخل جسد الشاعر، إلا إذا كان الشاعر متطلعاً إلى شأو سامق سَنيّ، لا يرقى إليه مرتقٍ، وأحسب أنني من هذا الصنف من الشعراء الذي آمن بمَلَكته، وشكّ في تفردها على أفراد جيله، واستسلم لقَدَره وحظّه الذي يُطاع ولا يطيع، وانتهيتُ إلى الانسحاب من الحركة الشعرية لجملة أسباب، في طليعتها إصابتي بعقدة المتنبي وغريزته التي تجرح قريحتي، وكبرياء أبي فراس (لنا الصدر دون العالمين أو القبر).

 

التعليقات

تعليق واحد
  1. من بحر جده says:

    أكتب لنا شعراً .. لا تتواضع يا أستاذنا زاهداً في جمالية حرفك .. قرأت لك ( إذا هزها وجع مريمي ).

اترك رداً على من بحر جده إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *