فهل ساءلوا الغواص؟!

موقع المثقف الجديد - عبدالواحد الأنصاري

ألقى الشاعر والناقد محمد عابس كلمة في بداية مؤتمر الاستعراب الآسيوي الأول، الذي أقامه مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض مؤخراً، وكان يلقي بيتاً ثم آخر من تائية حافظ إبراهيم:

(أنا البحرُ في أحشائه الدرّ كامنٌ

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي)

وقد كان حافظ إبراهيم يعي وجوب طرح هذا السؤال على الغواص، فمن يا ترى كان غواص حافظ إبراهيم؟

لقد شهد مؤتمر الاستعراب الآسيوي حضور أكثر من مائة من غواصي العربية الباحثين عن لآلئها وكنوزها التي كمنت في أعماق بحر لجّيّ تهدر أمواجه باللغة الإنجليزية وأخواتها، حتى إن بعض أبناء العربية أنفسهم أصبحوا مبالغين في الدعاية إلى هذه اللغات الغربية، بداعي أنها لغات الصناعة والشهادات العليا والوظائف المتوقعة على المدى القريب.

 

وهذا الصنف من متحدثي العربية من الكسالى في حفظها وإتقانها أصبحوا يتوقعون أن لغتهم ستندثر وتحل اللغات الأجنبية واللهجات الدارجة محلّها، ثم بعد ذلك صاروا ينحون باللائمة على العربية نفسها، مع أنه لا ذنب لها في ذلك، بل اللوم موجه إلى المقصرين الذين تخلوا عنها، فلو أن بريطانيا، على سبيل المثال، أهملت اللغة الإنجليزية كما أهملنا العربية لانقرضت الإنجليزية، ولما قاومت الزوال ولا بعشر معشار مقاومة اللغة العربية وصمودها، اللذين نشهدهما في هذه الحقبة من الزمان.

 

إن بعض العرب يعانون مشكلة في القياس إذ يقيسون العربية بغيرها من اللغات، دون النظر في خصوصياتها، وليس من الإنصاف أن تُقاس لغة مرتبطة بنصوص الوحي التي لا تقبل التغيّر، وهي كذلك لغة تتصل بنصوص تراث عظيم لا يجوز التعديل عليها، أقول: ليس من الإنصاف أن تقاس لغة هذا وصفها بلغات لا ترتبط بشيء من ذلك.

 

كما نجد أن بعض الزاهدين في العربية العاقّين يحاولون تناسي أن من بواعث استضعافهم اللغوي: ضعف العالم الإسلامي سياسياً واقتصادياً مقارنة بغيره، مع تبعية كثير منهم للثقافات الأخرى وانبهارهم بها، ثم يعود بعد ذلك ويلوم علماء العربية وطرائق التعليم على هذا الضعف السياسي والاقتصادي والصناعي، وعلى هذا الانبهار الأعشى الذي لا ذنب للعلماء ولا لسبل التدريس فيه.

 

لقد بلغ جهل بعض العرب بلغتهم أنه يريد منها أن تُسلك في سلك بقية اللغات التي نشأت منذ عهد قريب لا يتجاوز بضعة قرون يسيرة، ويظن أنها ما لم تنضوِ تحت راية اللغات الغربية فهي جامدة، ويُغفل هؤلاء أن قوانين العربية صاغها علماؤها من استقراء نصوصها إبّان قوّتها وخلوصها ونصاعتها؛ وهذا ما يجعلنا نحتكم إلى تلك الأصول التي أثبتت صمودها بضعة عشر قرناً من الزمان.

 

ولقد ثبتت قواعد العربية بالاستقراء والقياس، ولم يأت حتى الآن ما ينقضها، والقواعد في جميع العلوم لا يُراد بها تجميدُها ولا منعُها التطور ومواكبة التغيّرات، بل يُراد بقواعد العربية المحافظة على نموذجها الفصيح وحمايته؛ ليكون معياراً يُحتكم إليه في كل زمان، وهذا ضمان لخلودها في أثناء تبدل اللغات الأخرى وتحوّلها عبر مر السنين الطويل.

 

فالقرآن الكريم، على سبيل المثال، يُعد معياراً لسلامة الألفاظ والتراكيب، وبقاؤه كذلك إنما يضمن خلود اللغة ما دامت تجري على منواله، وهذا كفيل بأنها ستظل باقية دون أن تضمحل أو تتحول إلى لغة أخرى مع مرور الزمن، وقد نزل هذا الكتاب بلغة سليمة تامّة، ومن أتقن ألفاظه وتراكيبه المحفوظة فهو كمن أتقن لغة قبيلة من قبائل العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ولعَمري: إن ذلك لهو الخلود.

التعليقات

2 تعليقان
  1. السهيمي says:

    موقع يستحق التقدير دائما يغوص بنا في جماليات لغتنا الام العربية في زمن ابتعد فيه معظم الناس عنها فلكم كل تحية وتقدير

  2. خالد الشمراني says:

    لغتنا الجميلة مهما حاولوا تهميشها ستبقى محفوظة لانها لغة القران الذيتكفل الله بحفظه الى يوم الدين ومنه نستقي الالفاظ والجمل ولاتراكيب الصحيحة ويعتبر مرجعنا الاول والاخير في لغتنا العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *