التوراة تتمدد في إسرائيل

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

تعيش إسرائيل هذه الأيام مرحلة تفضيل المركب القومي اليهودي على المركب الديمقراطي تماشياً مع ما جاء في وثيقة الإستقلال والقانون الأساسي الذي تم سنه في السابق، وهذا الأمر اصطلح عليه مؤخراً باسم قانون القومية، بحيث يركز في المكانة الخاصة لليهود في الدولة دون الحديث عن مبدأ المساواة والتطرق لطبيعة الدولة الديمقراطية.

هذا الواقع أظهرته نتائج الانتخابات التي ستسمح لبنامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الخامسة والبقاء في الحكم؛ لكونه يمثل رمانة الميزان بين كتلة اليمين من جهة وأحزاب اليسار والوسط والعرب من جهة أخرى.

أظهرت نتائج الانتخابات العامة أن حزب “الليكود” الذي يتزعمه نتنياهو، و”كحول لفان” بزعامة بيني غانيتس، حصل كل منهما على 35 مقعداً، مع وجود أغلبية 65 مقعداً لأحزاب معسكر اليمين، مقابل 55 مقعداً، لأحزاب معسكر الوسط واليسار والعرب.

هذه النتائج أعدمت فرصة غانيتس في منافسة نتنياهو على رئاسة الحكومة وجعلت الأخير أقرب لتشكيل حكومته بالتحالف مع اليمين؛ وهذا الأمر قد يعكس تكرار تجربة الإئتلاف الحاكم الحالي في إسرائيل، ويشير إلى استقرار في السياسات التي سوف تتبعها الحكومة الإسرائيلية لاحقاً.

بدأ الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين الاجتماع مع الأحزاب الكبرى التي فازت، وهي “الليكود” و”حكول لفان” و”يهدوت هتوارة”، و”شاس”، و”العمل”، لتكليفها بتشكيل الحكومة المقبلة، وأبرز هذه الأحزاب “شاس” و”يهدوت هتوراة”، وهي التي تمثل معسكر اليمين في الانتخابات، إضافة إلى الليكود الذي يمثل معسكر اليمين الوسط.

وقبل الدخول في تفاصيل سبب صعود أحزاب اليمين التي تمثل القوى السياسية الظاهرة لليهود الحريديم في المجتمع الإسرائيلي، يجب التذكير بأن نتنياهو سيتولى رئاسة الوزراء للمرة الخامسة، وقد واصل تولي هذا المنصب منذ عام 1996م.

 ويلاحَظ أن دور المستوطنيين المتدينين ازداد بعد حرب عام 1973م، وأخذ زخماً عبر حركة “غوش إيمونيم” بدعم من شخصيات علمانية، وسياسيين أبرزهم أرئيل شارون. كما سجل ازدياداً في النصف الأول من الثمانينيات، وفي النصف الثاني منها تم التركيز في توسيع المستوطنات القائمة. وشكل دخول الحريديم على خط الاستيطان في التسعينيات انعطافة إستراتيجية ذات مغزى ديمغرافي، عبر إنشاء مستوطنات كبرى للحريديم أبرزها مستوطنة “موديعين عيليت”.

وكلمة “حريديم” هي جمع لكلمة “حريدي”، وتعني “التقي”، وربما يكون الاسم مشتق من الفعل “حرد” الموجود في اللغة العربية، بمعنى: اعتزل، أو اعتكف، ويعرف الحريديم من أزيائهم الخاصة بهم، ويغلب عليها الطابع الأوربي الشرق إذ يرتدون المعاطف السوداء الطويلة وقبعات والحريديم يرتدون عادة أزياء يهود شرق أوربا وهي معطف أسود طويل وقبعات سوداء ويطلقون سوالف شعرهم ويرتدون شال الصلاة المعروف باسم “الطاليت”، ولديهم تمسك بشريعة “الهالاخاه” الأرثوذكسية، ولديهم مدارس دينية تدعى “اليشيفات” وهي خاصة بأبناء الطائفة الحريدية التي تحارب عبر أحزابها السياسية منذ تأسيس الكيان الصهيوني في عهد بن غوريون؛ من أجل إعفاء أبنائها من التجنيد الإجباري في الجيش.

ويرى المجتمع الحريدي في الحاخامات المرجعية العليا، ليس في الفتاوى والتوجيه الديني فقط، وإنما في كل تفاصيل الحياة، كما أن القادة العلمانيين الذين تم انتخابهم بشكل ديمقراطي وأيضا النظام القانوني الرسمي له صلاحيات أقل مقارنة بالحاخامات.

 

ويمثل الحريديم 8% من مجموع سكان إسرائيل، ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية فإن عدده يصل إلى مليون نسمة، ويسجلون أعلى معدلات إنجاب في إسرائيل. وينقسم الحريديم إلى قسمين حريديم غربيين يمثلهم حزب “يهودات هتوراه”، وهو حزب متطرف تأسس قبيل انتخابات الكنيست عام 1988م باندماج ثلاثة أحزاب دينية هي: “أغودات إسرائيل” و”ديغل هتوراه” و”موريا” (نسبة إلى جبل موريا المقدس لدى اليهود)، وهو حزب محسوب على “الحريديم” الأشكناز (الطوائف الغربية). ويرفض الحزب المفاوضات مع الفلسطينيين ويحاول استغلال أصواته الانتخابية لتحقيق مكاسب إقتصادية. ويرى حزب “يهودات هتوراه” أن تعاليم التوراة يجب أن تكون المرجع لسياسة إسرائيل الداخلية والخارجية، ويدعو إلى إقامة دولة يهودية تقودها القوانين الدينية، لا المدنية.

 

أما الحريديم الشرقيون فيمثلهم في القوة السياسية حزب “شاس” الذي أسسه اليهودي العراقي الحاخام عوفاديا يوسف عام 1984م، ويمثل الشريحة المتدينة اليهودية من أصول شرقية في إسرائيل. وقد جاء تأسيسه ردًا على التمييز الذي يحسه اليهود الشرقيون “السفارديم” منذ قيام إسرائيل على يد نخبة اليهود الغربيين “الأشكناز”.

بلغ “شاس” ذروة قوته في انتخابات عام 1999م؛ عندما حصل على 17 مقعداً في الكنيست، قبل أن يتراجع تمثيله إلى 12 مقعداً عام 2006م، إلا أنه تساوى مع حزب الليكود، وقد حصل في الانتخابات الأخيرة على 6 مقاعد مقارنة بـ7 مقاعد ليهودايت هتوراة.

 

أدى حزب “شاس” دوراً مؤثراً في الحياة السياسية في إسرائيل منذ نشأته؛ فهو يؤيد التفاوض مع الفلسطينيين وفي الوقت ذاته يطرح مواقف متصلبة حيال مختلف القضايا المتفاوض عليها، وهو حزب يدعم الاستيطان، ولكنه يرفض التفاوض حول مستقبل مدينة القدس، ويرفض التفاوض مع الدول العربية إن لم تشترط تعويض اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم بعد هجرتهم من دول المنطقة على “حد تعبير الحزب”. وتتشكل مواقف حزب شاس السياسية عادة من خلال موقف الحاخام عوفاديا يوسيف إزاء كل قضية على حدة.

ومن أهم مبادئ الحزب العناية بالقيم التقليدية لليهود ولليهودية الأصولية في إسرائيل، والاستمرار على طريق الحاخامين السفارديم حسب الميراث اليهودي الشرقي. وتمثيل جمهور “حراس التوراة والوصايا”، ومنع التمييز ضد الجمهور الديني الأصولي وتشجيع حب إسرائيل. وتربية أولاد إسرائيل على التوراة المقدسة، من خلال الحفاظ على القيم اليهودية السفاردية، والعمل لنشر التوراة لكافة الجمهور.

ويدعو حزب شاس إلى الحفاظ على قدسية السبت والأعياد اليهودية، وتشديد الرقابة على الطعام المحلل “الكاشير”، كما ينادي بإلغاء تجنيد الفتيات للجيش إلغاءً تاماً.

التعليقات

4 تعليقات
  1. طالب علم says:

    اسرائيل منذ قامت وهي دولة توراتية دينية قامت وتمددت على هذا الاساس اسمها ديني وشعارها ديني ومخططها قائم على اسس دينية فلا جديد في الموضوع.

  2. سعد الراشد says:

    هذا المقال رد على كل علماني يدعي ان اسرائيل دولة علمانية بينما هي في حقيقتها دولة قائمة على اسس دينية بحته ولاعلاقة لها بالعلمانية لامن قريب ولا من بعيد.

  3. مصعب السدراني says:

    من حقهم التمسك بعقائدهم ودينهم دون عنصرية تجاه الاخرين.ومن حقنا ايضا التمسك بديننا ..مع الاسف المسلمون فرطوا بدينهم ولذلك تشتتوا وتفرق شملهم وضعفوا وهانوا على الآخرين

  4. محمد السعدون says:

    اكثروا من نشر هذه المواد التي تساهم في تعريف الناس بواقع اعدائهم وكيف يفكرون وعلى اي فكر يعتمدون في تسيير امورهم ففيه منفعة لهم وتنوير لعلها تكون خيرا لنا في واقعنا ومستقبلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *