الخلافات بين روسيا والنظام السوري

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

بعد أن وضعت الحرب أوزارها في كثير من المناطق السورية، وفي ظل عودتها إلى سلطة النظام السوري مجدداً، طفت إلى العلن الخلافات الخفية بين روسيا من جهة، وبين النظام السوري وإيران ومن يسير في منظومتهما من جهة أخرى.

ولعل من الخلافات التي تلوح في الأفق بين شركاء الأمس في قتل الشعب السوري وتشريده تكمن فيمن سيحصل على الحصة الأكبر في إعادة الإعمار في سورية، التي صرح نظام بشار الأسد مراراً وتكراراً أن أولويتها ستكون للدولة الإيرانية؛ وهذا الأمر الذي أزعج المجتمع الدولي الذي قرر في وقت سابق بدء تمويل إعادة إعمار البلد المدمر، ومن المتوقع أن كلفة إعماره تراوح ما بين 800 مليار وتريليون دولار.

نقول: لا شك أن تصريح رئيس النظام السوري بشار الأسد حول إعادة الإعمار أدى إلى انزعاج منظومة المجتمع الدولي، وإلى عزوف الجهات الداعمة عن تقديم الدعم المالي لإعادة الإعمار.

أما روسيا فقد أكّدت وبقوة على لسان نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف أن أولوية إعادة الإعمار ستكون لروسيا التي أسهمت بقوة في تمكين النظام السوري من التفوق على معارضيه على الأراضي السورية كافة.

وقال بوريسوف: على بشار الأسد أن يتذكر الدور الذي أدّته روسيا في الحرب، وما تطمح وتخطط لأدائه لاحقاً في إعادة الإعمار، وقال:

(نحن واثقون أن جهودنا الرامية إلى إعادة تأهيل الاقتصاد السوري ستكون ناجحة).

وفي هذا السياق تعمل موسكو جاهدة مع المجتمع الدولي لمنع أي تمويل للإعمار لا تشرف عليه بشكل مباشر الحكومة الروسية التي تعدّ سلطتها فوق سلطة النظام السوري نفسه، بل قد يتعدى الأمر ذلك؛ ولهذا قد يميل بعض المراقبين إلى أن النظام السوري لا يستطيع البت في أي قرار خارجي دون موافقة مسبقة من موسكو.

 ومن الخلافات التي طفَت على السطح بين النظام السوري وإيران من جهة وروسيا من جهة أخرى: الإبقاء على منطقة إدلب آمنة إلى اليوم، وهي آخر معاقل الثوار في سورية؛ وذلك ضمن اتفاقية خفض التوتر الموقعة بين موسكو وأنقرة، على حين يتحين النظام وإيران الفرصة للانقضاض عليها، بذريعة القضاء على أخر جيب للإرهاب في الشمال الغربي لسورية. ويطالب النظام السوري روسيا بشكل مستمر بمساندته عسكرياً والسماح له بالبدء باقتحام منطقة إدلب، التي تضم نحو مليوني مدني سوري وعشرات الآلاف من عناصر الفصائل المسلحة التي هجِّرت من مناطق مختلفة من سورية بعد سقوطها بيد النظام السوري، عبر اتفاقيات وتسويات المصالحة، وتصرّ روسيا بشكل مستمر على إبقاء محافظة إدلب كمنطقة آمنة، وهي تؤكد أن أي عملية عسكرية فيها ستؤدي إلى تصعيد خطير وتوتر بين موسكو وأنقرة، وذلك ما سيؤدي بالطبع إلى نهاية اتفاقيات نور سلطان (أستانة سابقاً) حول سورية.

وكذلك، من الخلافات بين النظام السوري وروسيا شعور الجانب الروسي بمماطلة النظام وعدم اهتمامه بما تعد له موسكو والمجموعة الدولية منذ عدة أشهر، وهو: كتابة دستور جديد لكل السوريين، وتدفع موسكو بعد شعورها بأن الحرب قد وضعت أوزارها في معظم مناطق سورية إلى بدء عملية سياسية تتضمن إجراء محادثات حول صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات كوسيلة لإنهاء الصراع بين النظام السوري ومعارضيه. وقد أظهر النظام السوري عدم رغبته في مشاركة المعارضة السورية المستقلة في العملية السياسية، وتنحصر رغبته في مشاركة شخوص وكيانات من معارضته الداخلية، أو تلك التي تتخذ موسكو مقراً لها، وهذه يرى كثيرون أنها في الأساس جزء من النظام، ولا تختلف عنه إلا في التسميات فقط.

وفي هذا السياق يذكر الكاتب الصحفي عبدالسلام عاصي أن  موقف دمشق المماطل بقضية الدستور الجديد ينبع من عدم وجود رغبة حقيقية لدى النظام في التغيير، وبخاصة أنه يرى نفسه متقدماً على الأرض ومنتصراً ولم يعد مضطراً كالسابق للدخول في مفاوضات أو كتابة أي دستور جديد قد يجرده من كثير من صلاحياته، وفي نظره المنتصر هو من يملي شروطه ودساتيره، ولشعوره بان أي تغيير ولو بسيط في بنية نظامه الأمني يعني زواله واضمحلاله مع الوقت، ولا شك أن لإيران دوراً مهماً في عرقلة كتابة الدستور الجديد، بخاصة أنها أعربت عن تحفظها على كتابة دستور جديد لسورية؛ بحجة أنه يتوافق مع هوى ورغبات قوى خارجية معادية لسورية.

وأخيراً: إن الخلاف الأبرز بين النظام السوري وروسيا يدور حول الوجود الإيراني وميليشياتها المنتشرة في البلاد، التي وقعت بينها وبين القوات الروسية اشتباكات مسلحة عدة في مناطق مختلفة، كان آخرها ما جرى حول محيط مطار حلب الدولي، وذهب ضحيته قتلى وجرحى من الجانبين!

فالنظام السوري يرى أن إيران ومن يعمل معها من الميليشيات هم شركاؤه الحقيقيون في حربه على الأرض ولا يجوز التخلي عنهم، بعد ما تحقق من انتصارات ضد الإرهاب، وعمل نظام الأسد بالتعاون مع إيران على تكوين كتائب وقوات خاصة بهذه الميليشيات تتبع الجيش السوري، وتندرج تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قام بتجنيس آلاف منهم وتوطينهم في مناطق مختلفة في سورية.

أما روسيا فهي ترى ضرورة انسحاب الميليشيات التابعة لإيران التي سيجلب بقاؤها غضب المحيط الإقليمي ودول الجوار وحلفائها، وبخاصة بعد وضع عدد من المنتمين إلى هذه الميليشيات في قوائم الارهاب الأمريكية والأوربية، ويعتقد الجانب الروسي بأنه في عدم انسحاب هذه الميليشيات من سورية يعطي ذريعة لأمريكا لقصفها والدخول معها في حرب مباشرة مستقبلاً، لاسيما أن الحرب التي تقودها ضد (داعش) انتهت تقريباً، وأعلنت رسمياً الانتصار على التنظيم في شرق سورية وغرب العراق، وقد باتت الأنظار تتجه الآن بشكل جدي إلى إخراج الميليشيات الطائفية العقائدية الموالية لإيران، والتي تشكل خطراً حقيقياَ على أمن إسرائيل وبقية دول المنطقة.

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. رائد الرفاعي says:

    اعتقد ان الصراع الحقيقي بين الروس والايرانيين حول غنائم الحرب وصفقات الأعمار فقط النظام السوري لا يوجد له مكانه في سوريا اليوم هو فقط محلل

  2. حامد الحامد says:

    حقيقة النظام السوري باع بلاده للروس وللفرس مقابل بقاءه في كرسي الحكم وهذا شيء محزن جدا كنا نتمنى الافضل للخوة في سوريا لكن لاتدري لربما يحدث الله بعد ذلك امرا.

  3. خالد الشمراني says:

    النظام السوري قام وقوي بدعم الاقليات في سوريا وكله على حساب الاكثرية السنية المسحوقة ، وقد جاء التدخل الايراني لحماية النظام الطائفي الذي يرتبط عقائديا بايران وتدخلت روسيا لحماية نصارى الشام اضافة لمأرب أخرى سياسية واقتصادية .

  4. تركي الفويس says:

    لن يستقيم الامر في سوريا بعد كل ماحصل من قتل وتدمير الا برحيل القتلة ومحاسبتهم ومن ثم التيان بمن يرتضيه السوريون ليحكمهم وطبعا اولا يحب رحل المحتل الاجنبي الذي لولا دعمه لما بقي نظام الاسد لليوم.

  5. عربي الهوى says:

    القادم اعظم على سوريا وشعبها وهو صراع المنتصرين على الارض على تقاسم الغنائم وأقصد بذلك روسيا التي تبحث عن الغاز في شرق المتوسط والفوسفات في الداخل وامريكا التي تسيطر على نفط الشرق السوري وربما ايران التي لن تترك سوريا بسهولة وقد ادى تدلخا في سوريا لتمددها غربا تجاه البحر الابيض المتوسط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *