فلسفة تحت الطلب

موقع المثقف الجديد - تقرير

خطوة جريئة يتخذها أحد دعاة الفلسفة (سعيد ناشيد)، للدفع بالمشروع الفلسفي برمته إلى حيز المتناول والتداول الاجتماعي، في مغامرة يصعب التكهن بمآلتها، لما لها من نتائج تبدو متناقضة على الأقل في المنظور القريب، ومنقسمة في طبيعة الاستجابة ما بين مستبشرٍ بعصر جديد للفلسفة، في مختبرٍ فاقدِ الشروط والأدوات، ومن مستهجنٍ، غيرةً على مقامها من النَّيل، وفريقٍ اعتبرها إعلانَ هزيمة، وتراجع واحتماء بالسيرورة الهادرة، المندفعة بالمصير البشريّ إلى الأمام أو المستقبل أو المجهول، أو الحياة الزاهية على خلافٍ في تحديد كُنه هذا القادم، لكنه المستقبل بكل إيحائه الجاذب، ومحدده الزمني.

يقع في تصوري أن الكتاب بغلافه الخالب سينال اهتمام كثير ممن يرتادون المكتبات، لا سيما الشريحة المثقفة ونصف المثقفة، المهمومة بأسئلة الوجود، وتجد في الفلسفة محضناً ودوداً في استقبالها ورعايتها، ولكن الكتاب ليس بدعاً مما سبقه من الكتب الفلسفية، بل هو فرع عمليّ يجهد في الدعاية المتحركة؛ لإقناع المستهدف ببضاعة فلسفية، هبطت من عاجيّتها إلى أن تتبوأ حيزها في الحل السهل، للمشكلة السهلة، ذات الصلة بيوميات الإنسان، ومتعه وضروراته، وكأنما هي مادة اعتيادية (تحت الطلب)، وبمقدور كُلٍّ أن يمارسها ويستخدمها في العلاج والتفاعل مع ملابساته، وصياغة أدوات متطورة، وتلقائية للفهم والعيش والاستمتاع والإنتاج، وإنْ هي إلا ضربٌ من الحكمة العليا، اتخذت موضعها في وظيفتها الأصيلة لخدمة الإنسان، أو هكذا يبشّر الكاتب، وما من نظرية أو فرضية نمَت في وعي أقلية أو أكثرية، إلا وهي خَلاصية إنقاذية في أصل تشكلها، ومقصد روادها؛ لذا تختلط الحالة الفلسفية بصخبها وعميقها بالوعظ الأخلاقيّ الذي يتبناه المصلحون والمؤمنون، ويتفق أن يتقاطع الإبداع الفلسفيّ بالنصح الدينيّ في مسائل الكرامة والأخلاق والقيم، وفورَ اقترابِ الخطاب الفلسفيّ من الناس – كحال هذه الكتاب – تفقد الفلسفة تفردها، وريادتها على العقل، وينازعها خصومها الدينيون مشروع التنظير الأخلاقيّ للاختيارات والسلوك البشري، والدينُ ينجح في مبادئه في تقويم الخلق، وتصحيح الوعي، لا سيما أن الفلسفة المعاصرة نشأت متجاورة مع خطاب كنَسِيّ، طرأ عليه تبدّل ظاهريّ في منهج الدعوة، فاستُبعِد النصّ الملغوم المحرّض على الاعتداء، والعنصرية العقدية، مستعيضاً بإشهار اللغة الإنجيلية التسامحية في العظات والدروس.

(التفكيريون الجدد) تحديدٌ أُطلقُه على المتخصصين في الخدمة المجتمعية، ذات الصلة بالتفكير وآلياته المتماسة بمنافع الإنسان، واكتشاف قدراته، وتطوير علاقاته بأفراد محيطه. هؤلاء قدّموا في دوراتهم التدريبية، الآهلة بالحضور النوعيّ أدوات ٍلتطوير الذات، وعلى مقربة معرفية ممّا ينظّر له كتاب (التداوي بالفلسفة)، وفي ذات الأفق المتسامي، غير أنهم لا يعزون تنظيراتهم ونجاحاتهم وثقافتهم لباعثٍ أو معطى فلسفيّ، إلا على سبيل الاستشهاد العارض لمقولة فلسفية معزوّة أو غير معزوّة لقائلها، شأن أي حكمةٍ بالغة العمق والنفاذ إلى منفعة الإنسان، لمصلحٍ أو عالم دين أو مثلٍ شعبيّ، وكلها تنطوي على ذات العبقرية الإصلاحية البنائية، ما يوقع مقامرة (شعبنة الفلسفة) لخطر التباس الفوقيّ الفلسفيّ بالدونّي، الأمر الذي قد يطيح بمركزيتها، ويشتت الهالة التي اكتنفتها، وأكسبتها رمزيتها التاريخية.

(التداوي بالفلسفة) عنوان ناعم، يستبطن ثنائية محتقنة، بين المريض ودوائه، والعلاقة الموجزة التي تتهمه بالمرض، وأن لها فضلاً في علاجه، فهي لا تخلو من استعلائية، وفرز الطرفين سلفاً إلى متردٍّ ومنقذ، وليس الأمر تكاملاً إنتاجياً وخدمياً، والدواء يرمز إلى مرارة التجرّع، فضلاً عن أنّ الآخر مراجع في عيادة، لا أكثر، وليس له صفة وجودية أخرى، ثم تبادره الفلسفةُ إلى ضرورة تبنّي مسلّمات دوائية كبرى، لا تطيقها أجهزة المتداوي، جسداً ولا نفساً، كـ(حتمية الشك) الذي يكون داءً، فإذا به يتعاطاه دواءً، يضاعف الخوف والمعاناة، ما يعني أن المتداوي سينضو عنه عقيدة، احتوتْ كينونته، ويستبدلها بعقيدة – ربما – مناقضة، وغيب إزاء غيب، ويا لها من نقلة تجرّ أرتالاً إنسانية، تفرغ أدوات التفكير في مخزن، بعد تكبّد عناء إفراغه من أدواته القارّة، المتمكنة أمداً ثقيلاً، في عملية إبادة جماعية لفواعل عقلية ووجدانية، نافعة في أكثر معطاها العلميّ والثقافيّ، وتحيل الإنسان (المتداوي) من ذاتٍ حيّة إلى مخزنٍ (مكان) وحسب، ولحظتَها يستحيل الكائن الحيّ المفكّر إلى مكان، وظاهرة مكانية، منبتة الصلة عن كينونته الأم، وعبقريته الخاصة، المنبعثة في الزمان البعيد والمكان الأبعد، وتعلي من سيادته عليهما.

(التداوي بالفلسفة) محاولة تفقد الفلسفة هويتها وصدارتها، وتدرجها أحداً في آحاد منتظمة، في خط طليعيّ مستقيم، بمعنى أنها ستخسر من مشروع إلى رقم، إن فشل فلمقامرته الرعناء، وإن نجح فلأنه شريك أصغر، في نجاحات (التفكيريين الجدد).

التعليقات

4 تعليقات
  1. علي المالكي says:

    في المجتمعات المسلمه الفلسفه مرفوضه لما فيها من افكار تناقض الدين الاسلامي والشرائع السماوية ولاتنسوا ان صناع الفلسفه في العالم هم من اليهود ممن يعملون على تخريب الشعوب والاديان بأفكارهم الهدامه.

  2. سعود الربيعي says:

    الفلسفه وما ادراك ما الفلسفه وما تحتويه من نظريات بعضها جيد واكثرها غير منطقي ..مهما حاول البعض تلميعها تبقى فلسفه وهو فرع اكاديمي غير موجود في جامعات بلاد الحرمين وهذا سبب كاف لنعرف ماهي محتويات علم وفكر الفلسفه.

  3. المكي ناشيد says:

    الفلسفة هي مفتاح تحرر العقل العربي من الاصل اللغوي لكلمة العقل وتعني القيد. فهذا القيد اذا لم ينكسر فستبقى عق
    عقولنا ولنا تحت سطوةالقيود والاغلال. وبدون الفسفة لن تجد عقولنا سبيلا لتحريرها

  4. عبدالسلام says:

    دعوه لاستخدام العقل وطرح الاسئله وقد كانت ماده الفلسفة مقررا مدرسيا فيما مضى حتى نكسة 1967.ومنذ هذا التاريخ أصبحت المناهج صماء

اترك رداً على عبدالسلام إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *