الهويّة السماويّة

المثقف الجديد - عبدالله عادل

ضرورة النظر في جذور الأشياء من أبجديات الوعي، ولا يكون الوعي حقيقيًا إلا بجودة النظر في الجذور تحليلًا ومعالجة. وفي قراءة إشكالات الأفراد وأزمات المجتمعات انتهاءٌ مباشر لمركزية استقرار واختلال محوري الفطرة والهوية اللذين يشكلان، بتداخلهما والمشتركات بينهما وتقاطعهما، التكوين الوجودي في الإنسان فردًا ومجتمعًا.

الهوية قلقٌ دائمٌ بطريقةٍ وأخرى، فهي تقلق المستقر بها بقابليتها للانزياح والتأثر، وقد جاء الحديث النبوي ملوحًا بهذا المعنى: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك)، كما أنها قلق متجدد للمتوتّر حيالها؛ لذا انشغل الإنسان في عصر احتدام صراع الهويات بإشكاليته الأولى: قلق الهوية.

سؤال الهوية في الواقع هو سؤال الأنا والنحن، من أنا؟ من نحن؟ ولأن التدافع الهوياتيّ بلغ أقاصي مستويات التوتر والتحاس والهشاشة؛ فقد راج تصدير الإجابة المختلة المرتبكة الشائبة بين عامة الناس؛ بسبب الجهالة الثقافية العامة بالهوية، وراج تصدير الإجابة الملفقة الحائرة الهشة بين كثير من المهتمين بالمعرفة بسبب اللبس الثقافي العام في الهوية.

ولطالما كان صداع الهوية مزمنًا لمعظم المتورطين بالمناكفة الاجتماعية والاغتراب، والمنكوبين في صراعات مختلفة القضايا والأسباب، خصوصًا في ظل تسارع افتراس العولمة للدروع التي اعتقد الأفراد أنها مانعتهم من السقوط الهُووي.

إن الهوية ذاكرة حيوية تفاعلية ذاتية، والفطرة هي المعنية الحتمية بالإدراك التفاعلي الداخلي لهذه الذاكرة المرتبطة بوجود الفرد وحضارة المجتمع؛ لذا فإن لكل هوية رئتان تشكلان عمودها الفقري وعمرها الوجودي: اللغة والتاريخ.

ولأن اللغة ذاكرة الهوية الأهم، لاختزنها المعاني والقيم والأفكار، وإشراكها الأفراد في نمط ثقافي توليدي تفاعلي شامل، فقد ابتُدِئ تعدد الهويات بتراوحٍ تاريخي بين التشارك والهيمنة، وكان التدافع اللساني سمةً دائمةً في صراع الهويات، وهذا التدافع سُنّةٌ كونيةٌ أكدها التدافع بين الهويات الطينية التقاليدية والهوية السماوية الائتمانية الاستخلافية، والتي سأتناولها لفرادتها في ربانية منشئها لا كإنسانية منشأ غيرها، وبفحصها المنهجي يتجلى الاستقرار في ذاتها والقلق في غيرها.

جاءت الهوية السماوية بلسان عربي مبين، طبيعته مهيمنة استحواذية على الذات المؤمنة بها، ويتضح ذلك في انسجام تكاملها المتسامي بثنائية البيان والأخلاق؛ لذا تجلى مدار هذه الهوية السماوية في العلاقة بين ثلاثية الوجود المركزية: الخالق، الخَلق، الأخلاق.

فالخالق أوجد الخلق لسبب عبادته كما نص في كتابه سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ثم شرع لهم ما ينسجم مع فطرتهم التي أوجدهم بها ليحققوا سبب الخلق، وعليه؛ فقد أقرّ لهم معيارًا واضحًا ونموذجًا كاملًا متكاملًا في الجلال والجمال، وهو رسوله -صلى الله عليه وسلم-، الذي اصطفاه ليكون ذروة الخلق الأوحد في الاستعداد الفطري لقبول الهوية السماوية بجلالها وجمالها، والتفاعل بها في ذاته ومع البشرية والوجود، فيتم بذلك انسجام المبلّغ والبلاغ: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين).

لذا فهذه الهوية السماوية لسانية تمامًا، لم تنشأ متاخمة للهويات الدنيوية المتدافعة، إن نزلت بعد منشئها العلوي الرباني، وأقرّت في ظاهرها ومضامينها البيانية والأخلاقية سعتها وانفتاحها على البشرية جمعاء، أقرّت أن التعرب يحصل باللسان لا بالنسب، فكان نزولها مهيمنًا على العربية في ذاتها؛ لذا سمَت بها ونقلتها من ضيق القبائلية إلى سعة سماوة البيان والأخلاق، وفرّقت تمامًا بين التعرّب والتأعرب، حيث تغيرت تركيبة العربية من ثقافة جاهلية إلى ثقافة سماوية، بينما افترق العرب بين الجاهلية والسماوية، ولم يعد ثمّ خيارٌ لتكون العربية حكرًا على أحد، فقد اعتمدت الهوية السماوية اللسان مفتاحًا لأسرارها وجسرًا لمعانيها وبابًا للنهضة بها، وتجاوزت بذاتها النورانية حدود منطق الهويات المتدافعة، لتتسامى بذوي الهويات المتدافعة نحو الخالق لا لتشارك في حظ الخلق.

وحتى في مسألة الاصطفاء المبثوث في النصوص، لم يكن الاصطفاء إلا في الاستعداد الفطري لقبول هذه الهوية في اتساع الأفهام والأخلاق والألسنة للتخالق كما أشار ابن تيمية في سياق حديثه عن جنس العرب، وقد اتسع الاصطفاء في هذه الهوية لمن شاء الخالق؛ وذلك بتهيئة التخالق السماوي غير المستعد فطريًا، وليس ما يزعم بعضهم كون الاصطفاء عرقيًا صرفً؛، فالهوية في مجموعها ترفض العرقية ابتداءً، ففي الآية المباشرة: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وفي الحديث المباشر: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي)، والمراد أنها هوية متاحة للجميع بشرطَي البيان والتخالق لا التقاليد والتناسب.

وبما أن الهوية السماوية بيانية أخلاقية محضة. فقد عبّر عنها نموذجها الأوحد عليه السلام في ذاته وصفاته بفصاحة، إذ أوتي جوامع الكلم، وكان على خلق عظيم. إذن؛ من الواضح انسجام هذا المعنى في قول الله: (الرحمن* علّم القرآن* خلق الإنسان* علّمه البيان)، فالرحمن علّم القرآن كونه الصلة الصحيحة الوحيدة به، وخلق الإنسان ليتصل به من خلال القرآن، وأوجد في الإنسان البيان؛ أجلّ صفات الإنسانية وأجملها، ليكون الاتصال بالرحمن صحيحًا تمامًا من خلال ثنائية البيان والأخلاق، وهكذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم-.

إن المعيارية النبوية مفصلية في تحديد الهوية السماوية، وهذه المعيارية أسٌّ جوهريّ في فكرتي الاتباع والأسوة التي نص عليهما القرآن في قول الله: (قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله)، وفي قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا).

هنا يمكننا القول أنّ الهوية السماوية هي الهوية النبوية تمامًا؛ لذا تمركزت مزايا الهوية النبوية في التكامل والتسامي والتجدد في شقّي لسانها الفطريين: البيان والأخلاق؛ لذا فاستقرارها نابعٌ من جوهرها المعنوي، فهي هوية المعنى التام، المختومة بإرادة الله في كيفية الاستخلاف وعمارة الأرض، ولولا تلك الإرادة ما كانت الهوية، وما كان النموذج النبوي.

ويبدو أن إشكالية الوصل بين الهوية السماوية النبوية والإنسان بتعدد هوياته هي محك الجهل والجدل، فهي تبين بين جاهل بلزومية الوصل، ومجادل في أصل الوصل. لكنها تتضخم في ذوي الهوية الشائبة، وتضخم الإشكاليات يعني انهيارًا حتميًّا للمتضخم فردًا ومجتمعًا.

إن الهوية الأرضية جزء من التكوين الإنساني في الوجود، لكن التخلي عن الهوية السماوية خيارٌ فردي ومجتمعيّ بحت، يعتقد كثير من الناس أن تبنيهم لها يعني انفصالهم الجذري عن هوياتهم الأولى، وهذا اعتقاد خاطئ جدًا، فهي لا تتشنج في تماهيها بأي هوية أخرى ما كان التماهي في نطاق الرؤية السماوية.

لذلك يحار عامة الناس والمهتمون في الهوية السماوية من حيث التبني النقي، إذ يرزحون تحت وطأة تراكم الهويات الأرضية الأخرى فيتورطون بين التبني النقي لمبادئ الهوية وأركانها، وبين التبني الشائب بغيرها، والأدهى هو حين يتقنّع بعضهم بوهم النقاء الموهم بالاستقرار، وهذا ما يرفع مستوى شدة الاختلال حين يحصل.

ومن المهم قراءة كيفية محاكمة الهوية السماوية إلى المزاج الفردي والمجتمعي لا إلا ذات الهوية بمنظومتها الشاملة للأصول والفروع والأبعاد والمقاصد، حيث تؤدي هذه المحاكمة إلى اختلال ما.

يشتد قلق الهوية في المنعطفات الإنسانية، وكلما تباعدت الذات عن الهوية النبوية استفحل القلق تدريجيًا؛ لذا من الضرورة فهمها من خلال مصادرها وفحص مضامينها وتبني قيمها دون تجزئة تناسب أي هوية أخرى حاضرة حتى يكون تبنيها نقيًا، نتيجته الاستقرار والفاعلية المحمودة في مسيرة الائتمان الوجودي للإنسان، ائتمان الاستخلاف والعمارة.

إقرأ أيضاً

فلسفة تحت الطلب

التعليقات

3 تعليقات
  1. ابو سارة says:

    من لاهوية له هو منعدم الانتماء ولايوجد انسان في عالم اليوم لايرغب بالانتماء لهوية منطقة ما او بلد ما او جنس ما او دين ما الانسان جبل على حب الانتماء.

  2. سامي المحمود says:

    لا يوجد اجمل ولا اروع من ان تكون هوية الانسان هو دينه الاسلامي وعقيدته ومن ثم ماتبقى اشياء ثانوية قد تتغير وتتبدل وستزول مع مضي الزمن و زوال الانسان

  3. الطويرقي says:

    كما أن هويتنا هي الاسلام فهي لا تتعارض مع الهوية الوطنية ..ولكن يبقى الاسلام هو الهوية الجامعة لكل من يدين به وتتضح الهوية الاسلامية في أعلى مراتبها في موسم الحج وعندما يلتقي المسلم بالمسلم في بلاد غير اسلامية فتنمحي كل الفوارق وتجمعهم فقط روح الاسلام.

اترك رداً على الطويرقي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *