الرشديّون اليتامى

موقع المثقف الجديد - تقرير

(ابن رشد) أيقونة التيار الحداثيّ المعاصر. والأيقونة جماد في تصنيف المخلوقات، إلا في وجدان المؤمنين برمزيتها وظلالها، وتفخيمُ معطاها ضرورةٌ لبقائها وبقائهم.

كتاب (هل كان ابن رشد علمانياً؟) للباحث د. ظافر شرقه، يكثّف الضوء على حقيقة حضور ابن رشد ودلالاته في المشهد العربيّ والغربيّ، والهالة الباذخة التي أثارها الرشديون المعاصرون حوله، وليس شأننُا الغضَّ من قيمته وتأثيره؛ لاختلافنا معه في أصل مشروعه وفروعه، بقدر وعينا بأهمية إحقاق الحقّ، لا سيما أن ابن رشد ينتمي إلى التراث العربيّ، ومحوريّ فيه، والكذبُ أو المبالغة في تفسير نظرياته وشروحه لأرسطو يجرّ الخيبة والصَّغار إلى إرادتنا، التي تقتات على وهمٍ افتعله مفكرون يسهتلكونه مادةً ثورية للصدام والعداء مع المسلّمات الدينية، ولم يجدوا ضالتهم إلا في شوارد العقول، ذات القيمة والتأثير، كابن رشد، الذي اتّخذ منحى مغايراً عن جملة علماء الشريعة، فيما يمسّ طبيعة علاقة المسلم بدينه وتفاصيل أحكامه، وتصوراته عن الله والأنبياء، والانقياد لهم، فأحدث شذوذاً في فهم وتلقي الوحي، حيث أحال معطياته إلى التأويل والمنطق الأرسطيّ، زاعماً ألاّ تعارض بين (الحكمة والشريعة) كما يفيض في كتبه.

عاطف العراقي

عاطف العراقي

(ابن رشد) عالم مرتبك الهوية، كما يتبدّى في مجمل إنتاجه، وهذا ما أوقع دعاة الرشدية في حرجٍ، عالجوه بالتفادي والتجاهل والتملص، وقد رصد الكتاب حالة الانتقاء الحذر الذي عمدوا له، فابنُ رشد فقيهٌ مالكي وقاضٍ وأصوليّ، وشدّ ما ألحّ على عدم مخالفة الشريعة، رغم عدم التزامه بما يلح عليه، لكنه أوقع أنصاره في مأزق تناقضيّ وازدواجية حادة، جعلت الرعاية الرشدية مشوشة الخطاب، غير أنهم تحايلوا على طريقة (دعه يمر)، و(غضّ الطرف)، في محاولة متذاكية، حققت نجاحاً بإثارة الضباب حول أسئلة عانوا منها وحصنّوا أنفسهم من مواجهتها أو إثاراتها، ما قد يفاقم الشكوك حول المشروع الرشديّ برمته.

بدا ابن رشد أيقونةً صلدة متماسكة، وفريدة من جنسها، لدى هذا التيار، كأنما هو مولود الدهر الوحيد الذي يجدر التشبث به؛ لتوافر الشروط في شخصه وفكره، غير المطّردة في غيره على وجه التمام، فكان لزاماً إضفاء لون مغاير من العصمة والتنزيه والفرادة، بافتعال المبالغة في تصوّره وتصوير دوره، وحضوره الطاغي في الفكر الأوروبيّ الوسيط، بزعمهم، وفضله في نهضة أوروبا، والكتابُ يدحض هذا الغلو الفارط، ويردّه من عدّة أوجه، أكثرها وجاهةً أن ابن رشد شارح لتراث أرسطو لا أكثر، ونهضة أوربا بدأت بعد أن تخلّصت من المنهج النظري الجاف عند أرسطو، إلى المنهج التجريبيّ ورائده فرانسيس بيكون، القائم على التجربة والملاحظة ورصد النتائج، وعلى أثره تداعت الأرسطية ومبدعها وشارحها، ونهض مشروع جديد مضاد، صعد بالمعايير العلمية، وأبلغها شأواً نظرياً، دشّن هذا التحول الفريد، وهو ذاته المنهج الذي اعتمده علماء الطب والطبيعة المسلمون.

الدعاية الرشدية وقياداتها العربية، كعاطف العراقي وزينب الخضيري.. لا تفتأ تردد ذات الاسطوانة المشروخة عن القواعد (النورانية) التي أسس لها ابن رشد تأويل النص فلسفياً، وارتهنت إلى الشروح الرشدية دون أن تبادر إلى التطبيق والمنهج العمليّ وإسقاطها على تعاليم الدين والقرآن والأحاديث، واكتفى الرشديون بالتشويش عن بعد، والشأن أنهم متماثلون حدَّ التناسخ في منطوقهم ومكتوبهم وأدلجتهم إلى درجة الملال، فهم متعاونون أكثر من كونهم عاملين ومنتجين، ولم يخطوا للأمام قيد شبر؛ لأنهم يتوسلون الدفاع إستراتيجية تحصينية، والذي يختار تموضع المدافع لن يُقدم على البذل العملي؛ ذلك أنّ الشرعيين بلوروا ردّ فعل هجوميّ على الرشديين، لا سيما أن الرشديين تمحوروا حول شخصية واحدة فقط، أحاطوها بالحماية، وهذا أضَرّ بموقفهم؛ لأنهم أحالوا ابن رشد إلى رمز أيقونيّ لا قائدٍ فاعل في مادة المشروع وروحها، وكلُّ نشاطاتهم الثقافية والندوات والمؤتمرات تحت العناوين الرشدية المتنوعة ما هي إلا بث حياة في مادة أماتوها بالتناقضات والتفخيم والتقزيم المضاد.

التعليقات

3 تعليقات
  1. سعودي وافتخر says:

    مهما قلنا عن ابن رشد يبقى وبكل جدارة عمفكر وفيلسوف عربي كبير قل امثاله قدم الكثير للمكتبة العربية والعالميةوظلت كتبه ونظرياته تدرس في جامعات الرغب الى وقت قريب.

  2. حسين الهاجري says:

    ربما أكثر ما أثر في فكر وفلسفة هذا الرجل انه كان يعيش في بيئة قريبة من بيئات مجوعتا بشرية ودينية اخرى فاختلطت لديه المفاهيم وخرجت معظم نظرياته اقرب للانسانية منها للعروبة او الدين

  3. التهامي says:

    كل الفلاسفة الا من رحم الله كابن رشد وغيره يهدفون للطعن في الدين وكل من يدينون له هذه الايام هم من الفلاسفة او الملاحدة الماركسيين الذي يطوعون ماقاله وكتبه ليجعلوها سهاما موجهة ضد الاسلام ومعتقداته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *