عيادة نفسية عمرها 12 قرناً

موقع المثقف الجديد - تقرير

كتاب (مصالح الأبدان والأنفس) لأبي زيد البلخيّ (235 هجري)، يجلّي حقيقةً وعلماً مطمورين دهوراً، ثم ها هما يبرزان للعيان؛ ليؤكد مُسلّمة التفوق العلميّ العربيّ والإسلاميّ، وليس الشأنُ الإنتاجَ ذاته، بل نوعية هذا الإنتاج، ونفاذه في مفعول العصور اللاحقة، إلّا أن هذا الكتاب وقع عليه ظلم فادح، طاله كتاباً وكاتباً ومادةً تفصيلية مدهشة، في تخصص علميّ، نهض مؤخراً في العالم، وتبوّأ موقعه المهم بين فروع العلم والطب، ألا وهو علم النفس، والأفدحُ في الأمر أن الكتاب سبق المتسابقين دون أن يدخل في المنافسة، وانضمّ إلى أَسَفيّات كان وأخواتها، وليس له من الفضل إلا أسبقيةٌ، غير معترَف بها، ومُنتَج تخطاه الزمن والبحث العلميّ، ولكن هذا لا يعفينا من المسؤولية في إشهاره، لا للمفاخرة، إنما لقول الحق في عالِم وعصر وأمة اجتهدتْ، حيث لا مجتهد، وعلمتْ حيث لا علم، وكتبت واندرس جُلّ إبداعها، وبقي قليله الذي أضاء كثيرَ الأممِ الأخرى.

كتابُ البلخيّ يتناول فرعًا مهماً من المعرفة، وهو (علم النفس)، بمسماه المعاصر، واختار له عنواناً علمياً دقيقاً ومعبّراً، جمع بين (البدن والنفس)، وما يحقق منافعهما معاً، وعلى حِدةٍ. اجتهد البلخيّ في تفسير التشابك الخفيّ بين العلة الجسدية والنفسية، وهذا ما خفي عن الأطباء في عصره من كل الأمم، فإنهم يعرضون لكل قسم منفرداً، ولم يبتّوا في السببية الفاعلة، في تبادل العلة وانعكاس النفسيّ على البدنيّ وملابسات البيئة، و”التفريق بين المرض النفسيّ، أو العصابيّ والمرض العقلي”، كما أنه “لا يتحدث في أبواب كتابه عن المضطربين نفسياً على أنهم مرضى… بل يعدّهم أشخاصاً عصفتْ بهم انفعالاتهم إلى أعراض منعتهم من السكينة”، كما يؤكد الدكتور مالك بدري بأن البلخي أول من أتى بالعلاج السلوكيّ المعرفيّ الذي تجاوز لاحقاً العلاج بالتحليل النفسيّ الفرويديّ، ويكون بتغيير فكر المريض، حيث فرق البلخيّ بين الاضطراب النفسيّ والعقليّ، والأسلوب التدرجيّ، ثم المعرفيّ، كما أبدع في تقييم الحزن إلى أنواعٍ، عزا بعضها إلى اضطراب جسميّ، كما أنه نجح بلا سابقةٍ في علاج الخوف بالغضب. والكتابُ رغم صغر حجمه عامرٌ بنتائج، تجعل منه عيادة نفسية في كتاب، عمرها 12 قرناً، غير أن بعض كتّاب المسلمين، لا سيما غير العرب منهم، أنتجوا معارفاً، فُقد كثيرٌ منها، كالبلخي الذي اندثر أكثر ما كتبه، ما يُعدّ خسارةً وفقداناً هائلاً لرصيد العلم الإنسانيّ، لا سيما تفرّده في أبواب علم كثيرة، ومنها اللغوية، حيث ووصفه أبو حيان التوحيديّ بـ(جاحظ خراسان).

مالك بدري

مالك بدري

الدكتور مالك يضطلع بمهمة إبراز هذا المصنف الفاخر، وتسويق عبقريته في مجال لم يكن يُطرق في تلك العصور، ثم ها هو يتناغم مع معطياتٍ حديثة، ويفضُلها في السبق، حيث ترجمه إلى الإنجليزية؛ ليطلع القارئ الغربيّ على آراء علمية، تغري بمزيد من الاطلاع على نتاجه، ونتاج أعلام مرحلته.

البلخيّ لم يطرح حلولاً دينية، ولم يتجاهلها، واقترح في بعض فروع الإشكال النفسيّ الفاعلَ الوعظيّ؛ لأنه علميّ وعقليّ وشعوريّ، وهو تذكير بمعلومات يغفل عنها المريض، كالحزن والإحباط والاكتئاب، وقد لا يكون له أولوية في هذا الحل، فهو مطروح، وملاذ المبتلين بهذه الأدواء المزمنة والطارئة، والقرآنُ والسنة فيهما مشاهد وتوجيهات، تؤتى نتيجة نافعة في تعديل السلوك النفسيّ، بإحداث نقلة معرفية في الذاكرة، المنعكسة على الحس. كما أن استشعاره الحيّ للبعد البيئيّ والصحيّ، وإن كان متداولاً –، إلا أنه قعّد له، وبسط الإرشادات الذكية، ذات الفاعلية في العلاج النفسيّ.

السؤال الأهم : كيف يمكننا تقديم هذا التراث، والسِفر النفيس في عالم وتخصصات تضج بالجديد اليوميّ، في صميم التخصص، إلا أن نثيره بوصفه تراثاً أسبقياً، أو عرض نصوصه للنقاش في حلقات علمية متخصصة، يشارك فيها علماء يثمنون هذا الجهد، ويعزونه لمبدعه، كما يجدر إثارة أفكار البلخيّ النفسية، بتلقائية وعفوية في مجال التداول الثقافيّ والاجتماعيّ، وفي العيادات النفسية، لا سيما أن الأطباء النفسيين على قدر جيد من الاطلاع الثقافيّ، بحكم تخصصهم، وهم خير من ينهض بهذا الدور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *