القراءات في المغرب… ماض عريق وانبعاث جديد

المثقف الجديد - محمد عبدالباقي

كان وصول الإسلام إلى المغرب الأقصى والأندلس مبكرا، ومنذ وقت وصوله أصبح المغرب تاريخيا موطنا للقراء والقراءات، إذ تعد مدرسته واحدة من ثلاث مدارس تاريخية كبرى نشرت أشرف العلوم علم القراءات في أرجاء بلاد المسلمين كافة، وأنجبت المدرسة المغربية، الممتدة من الأندلس إلى تومبكتو في الصحراء الكبرى، أشهر علماء هذا الفن، أمثال الإمامين أبي عمرو الداني والشاطبي، اللذين يعول كل طالب لهذا الفن على كتبهما إلى يومنا هذا.

القراء والقراءات في الأقاليم المغربية
تزخر كل زاوية من الأقاليم المغربية بمدارس وعلماء القراءات، فكانت فاس مدينة العلم والعلماء تضج بشيوخ هذا الفن العظيم، فقد عاش فيها إبان القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين الشيخان أبو عبدالله محمَّد بن عبدالسلام بن محمَّد العربي الفاسي، وعبدالواحد بن أحمد بن عاشر الأنصاري، أما في إقليم السوس فقد كان شأن القراءات عظيما، حيث تنتشر مدارسها في الزوايا والمساجد واشتهر عدد من أئمتها مثل: أبي عبدالله محمَّد بن محمَّد الأفراني السوسي، وغيره، وفي مراكش كان هناك الشيخ القارئ محمد بن محمد الملقب بالزوين، الذي أسس مدرسة قرآنية عام 1246هـ وظلت هذه المدرسة معروفة باسم مدرسة سيدي الزوين حاملة اسم مؤسسها حتى اليوم.

جوائز وإعفاءات لمن يحفظ قراءة
كانت عناية أهل المغرب بالقراءات شديدة حتى إن القائد عبدالمالك المتوكي (عاش بين القرنين الـ19 والعشرين الميلاديين) ابتكر وسيلة لتشجيع الناس على تعلم القراءات، إذ قرر أن يعفي كل من حفظ القرآن برواية ورش عن نافع من الكلف والوظائف المترتبة عليه وعلى سكان جهته، ومَن حَفِظ القرآن برواية ابن كثير يعفيه مع سكان قريته من الكلف والوظائف المكلف بها، ومن حفظ القرآن برواية أبِي عمرو بن العلاء يحرره مع سكان قبيلته من الكلف والوظائف.

أول مؤتمر عالمي للقراءات
ولا يزال المغرب مهتما بهذا الفن حاملا لواءه رغم ما اعتراه من ضعف في بعض الفترات، وفي إطار هذا الاهتمام، وسعياً إلى الإسهام في نشر علم القراءات نظّم مركز أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة، بالتنسيق مع الرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية المؤتمر العالمي الأول للقراءات القرآنية في العالم الإسلامي، بعنوان: “القراءات القرآنية في العالم الإسلامي: أوضاع ومقاصد” الذي أقيم بمدينة مراكش في عام 1434هـ.

معهد محمد السادس للقراءات
وتواصلا مع هذا الإرث التاريخي الكبير وإحياء لما اندثر من معالم هذا الفن صدر الظهير الشريف (المرسوم الملكي) بتاريخ 21 جمادى الآخرة 1434هـ الموافق 2 مايو 2013م بإنشاء معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، في الرباط، ويهدف المعهد إلى “تكوين قراء متميزين، وعلماء متخصصين في القراءات والدراسات القرآنية، ملمين بمناهج البحث العلمي وأدواته، وقادرين على إنجاز دراسات جادة ورصينة، تبرز عظمة القرآن وأسراره، وحقيقته، وتوسيع المعرفة الإنسانية بالتعريف به، ونشر تعاليمه في أرقى صوره، وبأنجع وسيلة”، بحسب ما جاء في نص الظهير الشريف.

منافسات لاختيار أنبه الطلبة
يجري المعهد سنويا مباريات بين الطلبة يختار خلالها ثلاثين طالبا نصفهم لقسم القراءات والنصف الآخر لقسم الدراسات القرآنية، على أن يكونوا من أنبه الطلبة المؤهلين علميا ونفسيا وفكريا لحمل هذه الأمانة على كواهلهم ثم نقلها إلى الأجيال اللاحقة، وللطلبة الأجانب، بخاصة من دول غرب أفريقيا، نصيب في هذا العدد، ويفرغ المعهد الطلبة من أي اهتمامات أخرى غير مدارسة القرآن والقراءات، إذ يكفيهم شؤونهم المعيشية عبر منحهم مكافآت مجزية وتأمينا صحيا.

ويمنح المعهد درجتي الإجازة (البكالوريوس) والماستر، ويتطلع إلى إضافة درجة الدكتوراه في السنوات المقبلة، وتخرج من المعهد منذ إنشائه 34 طالبا، أو لنقل 34 مقرئاً، على حين يدرس فيه حاليا ثمانية وسبعون طالبا، منهم 11 طالبا في قسم الماستر، سبعة منهم يدرسون بقسم القراءات وأربعة في قسم الدراسات القرآنية، بحسب المسوؤل في شؤون الطلاب إلياس الأيسر.

مدرسة ابن القاضي للقراءات
وغير بعيد عن معهد محمد السادس وفي الضفة الأخرى لنهر أبي رقراق وعلى بعد كيلومترات يبرز معلم آخر يشع منه نور القرآن الكريم، إنه مدرسة ابن القاضي لتعليم القراءات التابعة لجمعية أبي شعيب الدكالي لتحفيظ القرآن الكريم بسلا، هذا الصرح القرآني يسعى إلى أن يكون منارة قرآنية لها الريادة في النهوض بتعليم القرآن الكريم، وتلبي حاجات الطلبة الراغبين في حفظ القراءات والتخصص فيها ليصبحوا بذلك قراء متخصصين في علوم القراءات والرسم، بحسب ما أفاد مسيرو المدرسة للمثقف الجديد، مضيفين أن من اهتمامات المدرسة التعريف بالقراء المغاربة وإبراز جهودهم في خدمة هذا العلم مع المحافظة على خصوصيات المدرسة القرآنية المغربية، والعناية بالتراث القرآني المغربي تحقيقا ونشراً.

ألواح خشبية ورقمية
تمزج المدرسة بين الأصالة والعصرنة، إذ تعتمد الألواح الخشبية التي درج المغاربة على استخدامها منذ زمن بعيد وتوارثوها جيلا بعد آخر، محافظة بذلك على التقاليد المغربية العتيقة في إقراء القراءات وتدريسها، تلك التقاليد التي كان لها دور كبير في إجادة حفظ القرآن حفظا متقنا برسمه وضبطه وعرضه وتلاوته، إضافة إلى استخدام السبورات وقاعات الحواسيب الرقمية.

وفاء للتقاليد العتيقة
تظل المدرسة وفية للترتيب المعهود عند المغاربة وهو: كتابة المقدار المراد حفظه على اللوح، ثم وضع رموز القراءة فوق المكتوب، وبعد ذلك القراءة والعرض على الشيخ، ثم تدوين ما رمز على اللوح في دواوين خاصة تسمى: “الرمزيات والرسميات”، وتستغرق مدة الدراسة للمتفرغين خمس سنوات موزعة على ثلاث مراحل: المرحلة التمهيدية ومدتها سنة يجمع فيها الطالب قراءة “حرمي” (قراءتا نافع وابن كثير) ثم “سما” (قراءات نافع وابن كثير وأبي عمرو) ثم المرحلة الثانوية ومدتها سنتان يجمع فيها الطالب القراءات السبع، فالمرحلة النهائية ويجمع فيها الطالب “العشر الكبير” ثم العشرين الكبير، وفي أثناء ذلك يدرس الطلبة متون القراءات والرسم وما يتعلق بهما، ولا تكتفي المدرسة بذلك، بل يحصل طلابها على دروس في العلوم الشرعية واللغوية، كما يحصلون على بعض المعارف الضرورية.

مدارس القراءات في عموم المغرب
تنتشر حِلَق تدريس القراءات في أنحاء المملكة المغربية طولا وعرضا، وتسندها المؤسسات الرسمية المتخصصة التي ربما لا تمثل سوى 30% من تدريس القراءات، بحسب الطالب بمعهد محمد السادس للقراءات محمد اكطيب، وأضاف اكطيب: سنبخس جهود المغرب فيما يتعلق بتدريس القراءات إذا نظرنا فقط إلى جهود المؤسسات الرسمية، إذ يتركز تدريسها في المساجد وعند المقرئين من الشيوخ الذين يتسابق إليهم الطلبة لينالوا شرف السند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى أن مدارس التعليم العتيق عموما مهتمة بالقراءات، إذ يخصص شيوخ هذه المدارس الفترة المسائية عادة لتدريس القراءات، كما تهتم الجامعات أيضا بهذا الفن، بحسب اكطيب دائماً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *