العقلُ وابنتُه الخرافة

موقع المثقف الجديد - تقرير

وصف المؤلف كتابه (عقلنة الأسطورة) بأنه قراءة نقدية للتناقض المنهجيّ في أصول الشيعة الاثني عشرية – الغيبة الكبرى نموذجاً. وهذا العنوان التكميليّ تفريع مهم لفهم العقلنة والأسطورة، كلّ على حِدةٍ، وفهمهما معاً، متكاملين في ثنائية عنوان.

ويبحث الكتاب في محورٍ شَدّما استرعى انتباه وفضول المتأمل والباحث، حيث يجمع بين المنهج البرهانيّ والعقليّ وبين القضايا الأسطورية، والتناقض المتوارد للذهن، حيال مباشرتهما بمعزلٍ، إلا أن تتوسل الحيلة – أياً كانت – في التوفيق بينهما، حدَّ التجاوب والتبادل والانسجام، إذ يمكن اجتماع العرفان الباطنيّ المتنكر للعقل والحس مع البرهان العقليّ، المعتمد على ضرورات الحس،لا سيما أن العرفان هو: “نظام معرفيّ يدّعي حصول المعرفة بلا واسطة عقلية أو حسية أو نقلية، إنما طريقُه باطنيّ سرّيّ خفيّ، من خلال الكشف والإلهام”.

 

الاستدلال بضرب الأمثلة على حيوية هذا الاعتقاد ومحاولته إشهار نظريته بوصفها حتماً أو احتمالاً – يقرّب الإمكان المنطوي على التضاد والتناقض إلى المتلقي المطلع، أو المندهش من التبشير بهذه القاعدة الحولاء، المتأتية بالكشف العرفانيّ “، وهو إيقاع شيء في القلب، بطريق الفيض من غير استدلال، ولا نظر في حجة”.

عبدالله الدعجاني

عبدالله الدعجاني

وإسقاط النظرية العرفانية على العقيدة الشيعية الاثني عشرية أمر بالغ الدقة والعلمية، لأن العرفان عقيدة حية متأصلة في الدرس الدينيّ الحوزويّ، ويجري تلقيها من القراطيس إلى الإفهام، بمحمولاتها العصية على الوفيق، حتى لو أُعمل العقل بكل طاقاته لعقلنة، أو نفي العشوائية في استقبال الشيء ونقيضه، متنابذين، إلا ان الأسطورة أو الخرافة تجد لها تموضعاً مكيناً في منظومة الإدراك العقليّ الفاحص المدقق.

الكتاب يسبر الجذور الفلسفية للعرفان الشيعيّ الاثني عشريّ، واقتياته على فلسفات غنوضية شرقية وغربية، تُستخدم في كل سبيل وهدف، وكيف انقادت النظرية الفلسفية الغارقة في عرفانيتها إلى تقريرِ مثلاً “انتظام الأئمة الاثني عشرية في سلك النور المحمديّ”، كونها فكرة مستخلصة من خليط من التصورات والأوهام، كما في الأفلاطونية المحدثة، وغموض المسيحية في الكلمة”.

 

محور الظاهر والباطن يدفع بالغلواء الشيعية العرفانية إلى أبعد مدى، لأنه جهد فرديّ مشروط بموهبة التأمل، والحقُ أن الإلهام والكشف، كما هو بنتائجه إرادة وقوّة رغبة في بلوغ شأوٍ، ولا شيء يصدر عن الغيب بقدر ما يحاول السالك الصوفيّ إشهاره من ذاته وتوهمه غيباً، وهذا لون من عقلنة الأسطورة.

 

التفاهم بين الفلسفة والخرافة ممكن، إذ إنّ الفلسفة أدوات للتفكير وطاقة صمّاء، ينتفع بها من يوجهها، لا من توجهه، فالمؤمن والملحد والخرافيّ كلهم يتوسلونها، لتقرير موافقهم واعتقاداتهم، فهي قابلة للعلمنة والأسلمة والشعبنة والأسطرة، ولم تكن يوماً مستقلة بذاتها، وإن ادّعَى مريدوها ذلك، ولا بد لهم أن يقولوا بذلك، ودونه فشلها وفشلهم . ولعل من أغرب ما يعرض له الكتاب محاولة المفكر الشيعيّ، محمد باقر الصدر وهو الباحث في الفلسفة، والمتتلمذ على نظرياتها وقواعدها، يلتمس آليتها التفكيرية المعقدة والمتطورة، للبرهنة على خرافة (الغيبة الكبرى) بشأن غياب المهدي المنتظر ” الإمام الثاني عشر عند الإمامية في كتابه (بحث حول المهدي)، و(تاريخ الغيبة الصغرى)، حيث “نقل البحث من الوجود الفعليّ الخارجيّ إلى الإمكان العقليّ والتنظيريّ، وصاغ مشكلة وجوده صياغةً ذهنية عقلية، وعدم استحالة تصور وجود المهدي”، وقسّم إمكان وجوده إلى إمكان منطقيّ أو فلسفيّ، وإمكان عمليّ وإمكان علميّ، حيث عزا إلى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية (سابقة على التجربة) ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته، محاولاً التوفيق بين المهدي ووجوده مع القواعد المنطقية العقلية، ثم توالت الردود عليه في آخر الكتاب.

الشأن هنا أن العقل والعقلنة بقواعدهما المعقدّة يجري استسهالها وتطويعهما إلى مقتضيات غاية في الأسطرة والاستكانة، وهذا سرّ لم يُعد سرّاً للفاحص، حيث إن الفلسفة تهاجم الخرافة، وتدافع عنها، وكأن الفلسفة والعقل محايدان في قضايا العلم والممكنات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *