(يوروفيجن).. رفضَها يمين إسرائيل وقبِلتها أوربا

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

تحاول إسرائيل منذ تأسيسها السيطرة على وسائل الدعاية والرأي العام بمستوياتها المختلفة، وفي الأيام الماضية حققت نجاحاً فريداً بالنسبة إلى قاموسها السياسي والأمني يتعلق بتنظيم مسابقة (الأغنية الأوربية) التي ينظمها اتحاد البث الأوربي، على رغم دعوات مقاطعة ضخمة كان هدفها التنغيص على أحد أهم أدوات الدعاية الإسرائيلية للترويج لدولة الاحتلال، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من العالم الأوربي.
قد تكون الكلفة المالية والأمنية ضخمة عند مقارنتها بعائدات مسابقة يوروفيجن التي تابعها أكثر من 200 مليون شخص حول العالم، فاستنفار جيش الاحتياط ونشر نظام القبة الحديدية، إضافة إلى نشر عشرات الآلاف من عناصر الأمن في المدن الصهيونية، إن ذلك ليس أكثر قيمة كما وصفته صحيفة (ذي ماركر) الاقتصادية العبرية من المساس بصورة إسرائيل واستقرارها الأمني.

فبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال اجتهدت الأجهزة الحكومية الإسرائيلية لتحويل أنظار العالم إلى القدس كمركز لصناعة القرار الصهيوني، لكن القائمين على مسابقة (يوروفيجن) في أوربا لم يلبوا رغبة وزيرة الثقافة الإسرائيلية اليمينية ميري ريغيف أن تكون القدس المحتلة حاضنة تلك المسابق لـــ(أسباب سياسية). كما أن من تأثيرات استضافة المسابقة أن البرلمان الألماني أدان (حركة مقاطعة إسرائيل)، وهي أبرز محركي الحملات الدعائية ضد كل ما يتعلق بالاحتلال الصهيوني ووصفها بــ(معاداة السامية).

إن مسابقة اليورو فيجن التي لم تحقق المستوى المطلوب من الدخل السياحي للفنادق الإسرائيلية بحسب اتحاد فنادق تل أبيب قد تكون أكبر حدث ثقافي تستضيفه تل أبيب منذ نشأتها، وعلى رغم أن عدد من استضافتهم بحسب عوديد غروفمان لا يزيد على 5000 زائر مقارنة بــ90 ألف استقبلتهم لشبونة في مسابقة العام الماضي إلا أن (يورو فيجن) بالنسبة إلى دولة الاحتلال لغة دعائية ضخمة ترسخ في العقلية الذهنية الأوربية؛ لكونها جزءاً من الجسد الأوربي.

فحينما سمع نتنياهو خبر فوز برزيلاي الإسرائيلية بالنسخة الماضية من المسابقة خرج من جلسة الحكومة أمام الكاميرات ليقوم برقص (رقصة الدجاجة)، وهي إحدى الرقصات المتعارف عليها في المسابقة، ووصف المغنية الإسرائيلية بأنها (أفضل سفير لإسرائيل)، وهو يعرف طبعاً ما يقول ويقصده؛ فهذا الفوز بوسعه تغطية جميع أزماته على المستوى الدولي.

أما الحاخامون في إسرائيل فقد دعوا إلى الصلاة تنديداً بما قالوا إنه (تدنيس) سببه إجراء المسابقة في يوم السبت المقدس عند اليهود. وهذا الأمر عبر عنه موقع اليمين المتدين (سروغيم) الذي لا يتميّز جمهوره المحافِظ بحبّ جارف للغناء الحديث. بل ترفض أقسام واسعة منهم الاستماع إلى الغناء الذي تؤديه نساء؛ وذلك انطلاقاً من المقولة العبرية (صوت المرأة عورة)، وقد وصلت الأمور في هذه المسألة مراراً الى أزمات اشتعلت داخل مؤسسات إسرائيلية مشتركة لمتدينين وغير متدينين، مثل الجيش، حين قام ضباط وجنود من تيّار “المتدينين القوميين” (الذي يمثله حزب “البيت اليهودي”) بمغادرة قاعات وباحات واحتفالات شاركت فيها جنديات ضمن جوقات الغناء العسكرية. بل إن حاخامي هذا التيّار بتسارع مضطرد بالتناسب مع السنوات التي يضيفها ويراكمها مشروع الاستيطان الكولونيالي، خرجوا مراراً داعين إلى رفض الاختلاط بين الجنود والجنديات، ورفض حضور احتفالات تغني نساء فيها، وشمل هذا منابر متاحة لهم داخل الكليّات التحضيرية العسكرية نفسها.

أما الدبلوماسية الفلسطينية فقد رأت عبر وزارة الخارجية أن السماح للاحتلال بتنظيم هذه المسابقة هو ترسيخ لمنظومة استعمارية ودعم لتعزيز ممارساته العنصرية وانتهاكاته الممنهجة، ومحاولة تمرير سلوكيات إسرائيل أمام العالم من خلال مثل هذه المناسبات؛ فقد حملت المسابقة رسالة إلى متابعيها مفادها إلغاء الحق الفلسطيني في الوجود والإقرار بالقرار الأمريكي حول اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *