المشكلة الإزائية وبشرية الإنجيل

موقع المثقف الجديد - د. سيد الشحات

معنى الإزائية (أو الأناجيل الإزائية أوالسينوبتية) هي تشابه الأناجيل القانونية الثلاثة الأولى (متّى ومرقس ولوقا)، فبمقارنتها إزاء بعضها تصبح متآلفة ومتشابهة جداً؛ وهذا يعني أن بعضها أخذ من بعض، ويقابل هذه الأناجيل إنجيل يوحنا؛ لاختلافه عنها. ورأى بعض العلماء أن متى ولوقا نقلوا من مرقس، لكن زادوا عليه زيادات وتعديلات، ومرقس هو المصدر الرئيس لمتى ولوقا، مع العلم أن مرقس ليس من أصحاب عيسى عليه السلام، ولم يشهد المسيح، وهذا برهان على أن الأناجيل الثلاثة غير متصلة بالمسيح ولا بمن شهد المسيح.

فبعض القصص مذكورة في الأناجيل الأربعة، وبعضها تفرد به الثلاثة الإزائية فقط دون يوحنا، وبعضها تفرد بها لوقا دون مرقس ويوحنا، وبعضها تفرد به متى، ولكن معظم ما في مرقس موجود عند لوقا ومتّى، بخلاف يوحنا، الذي تفرد كثيراً؛ وهذا أضعف الثقة بإنجيله، كما لاحظ العلماء أن متى ولوقا زادوا على ما في مرقس ويوحنا؛ وهذا يدل على تفرد متى ولوقا بمصادر خاصة، فافترض العلماء مصدراً باسم (Q) مجهولاً لمتى ولوقا ليس لمرقس ولا يوحنا، وافترضوا مصدراً (M) لمتّى خاصاً به، ومصدرا (L) للوقا، ولا يعرفون عن (Q) و(L) و(M) شيئاً، وهذه صورة توضيحية للإزائية:

وتوضيحها أن: متّى (Matthew) ولوقا (Luke) أخذا من مرقس (Mark)، ومتى (Matthew) له مصدر خاص هو (M) كما أن لوقا (Luke) له مصدر خاص هو (L)، وأيضا متى (Matthew) ولوقا (Luke) لهما مصدر آخر خاص نقلا منه غير مرقس (Mark) هو (Q).

ولذا قال المهندس رياض يوسف داود في كتابه: (مدخل إلى النقد الكتابي) ص33: (نرى أن هناك قاسماً مشتركا بين الأناجيل الثلاثة المسماة الإزائية (متى لوقا مرقس) فهل هناك كتاب سابق عن الإزائية بمثابة الأصل، أم عدة أناجيل أثرت في الإزائية لم تصلنا؟ وهل يمكن أن يكون لها أصل ليبين أن قصصا في الإزائية مكررة).

وهذا يطرح سؤالاً مهماً: إنْ كان متّى ولوقا اعتمدا على مرقس؛ فما هي مصادر مرقس؛ لأنه لم يشهد المسيح مثل متّى ولوقا؟ كما أن هذه الحقيقة التي توصلوا إليها تكشف أمراً مهماً، هو: أن متّى ليس هو متّى العشار الذي اسمه (لاوي بن حلفي) أحد تلاميذ يسوع الاثني عشر– كما يزعمون- فلو كان شاهد عيان ما احتاج أن ينقل من مرقس الذي لم يشهد المسيح، فدل على أن متّى كاتب الإنجيل لم يكن شاهداً، ولا من تلاميذ المسيح، وهذا يؤكد أن إنجيل عيسى الأصلي مفقود.

كما أضاف العلماء أمرا آخر هو ما ذكره لوقا قائلاً: (إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا)، فإن صحت هذه العبارة فمعناها وجود كتابات كثيرة قبل لوقا لم يرتضها دعته للكتابة، ولا يعرف العلماء عنها شيئا، إضافة إلى أن لوقا ومتى متعاصران85 م، ومرقس قبلهم سنة75 م أو65م، ويوحنا آخرهم 95م أو 100م.

والقصص المتكررة متناقضة ومختلفة كثيراً حتى – أحيانا – يستحيل الجمع بينهما، أو الترجيح، وهذا ما اعترف به (القس مِنسى يوحنا) في كتابه (شمس البر) ص22: (كان يلزم أن يجتمعوا معاً ويرتبوا حوادث القصة بشكل لا يجعلها قابلة للطعن، وينشر كل واحد قصته حتى تكون مطابقة من كل الوجوه للقصة الأخرى)، ومثالاً على شدة التناقض ما جاء أنه (أمرهم ألا يأخذوا شيئاً إلا عصا)، وفي نص آخر: (لا تأخذوا أي شيء حتى العصا).

وهذا فضلاً عن قلة أخبار المسيح مع تضاربها ولا يكاد يُتفق منها إلا على حدثين فقط، هما: تعميد يسوع على يد يوحنا المعمدان، وصلب المسيح المزعوم بأمر الحاكم الروماني (بيلاطس النبطي).
أضف إلى هذا كثرة تفرد إنجيل يوحنا بتفاصيل ليست في الإزائية، وتفرده بأمر خطير آخر هو أن إنجيل يوحنا متأثر بخرستولوجيا (علم دراسة لاهوت المسيح، وشخصه، وطبيعته) متأخرة ليست في بقية الأناجيل، والخرستولوجيا هي التصور عن المسيح، وهو مختلف جدا عن الأناجيل الإزائية، ويتضح أن يسوع في يوحنا هو يسوع الإيمان لا يسوع التاريخ؛ ولذا فهو أقل الكتب وثوقاً به عندهم، ومعظم العلماء يفضلون لوقا على غيره، ويقدمون لوقا على متّى، ويرون أن متى كان يبالغ كثيراً، وكذلك إذا اختلف متى ومرقس يقدمون مرقس عليه.

وهذا ما ذكره مؤلفو كتاب (مدخل إلى الكتاب المقدس، تحليل لأسفار العهدين القديم والجديد) تأليف جماعة وترجمة نجيب إلياس، وكذلك صاحبا كتاب (تاريخ الكتاب المقدس منذ التكوين وحتى اليوم) ستيفن م. ميلر، وروبرت ف. هوبر، ففي مدخل إلى الكتاب المقدس ص408: (ربما كانت بشارة مرقس هي أقدم البشارات الأربع وقد كتب سنة قبل 65-70م قبل تدمير هيكل أورشليم، ويبدو أن كلا من متى ولوقا قد استخدما إنجيل مرقس)، وهذه إشارة للمشكلة الإزائية، فمرقس كان مصدراً لمتى ولوقا، وفيه ص396: (لا يدعي الإنجيل أن كاتبه هو (متى)… إلا أن التقليد المبكر يؤكد أن (متّى) هو الكاتب، ونحن لا نعلم عنه الكثير، حتى إنه لم يذكر إلا في (9: 9، 10: 3) إلا أننا نعلم أنه كان عشاراً (جابي ضرائب) وأن يسوع دعاه دعوة شخصية، واسمه هبة الله، ويدعى في مواضع أخرى لاوي)، وفي الصفحة بعدها ص 397: (نحن لا نستطيع أن نحدد تاريخ كتابة البشارة إلا أنها لا بد أن تكون قد كتبت بعد أن كتب مرقس بشارته (65-70م) حيث إن متى كان حسن الاطلاع على بشارة مرقس، إلا أنها لا يمكن أن تكون قد كتبت في وقت متأخر؛ لأن المشكلات الخاصة بالمسيحيين الذين ينحدرون من أصل يهودي، أي: التي يعالجها الإنجيل كانت تفقد أهميتها بمرور الزمن، وقد اقترحت عدة تواريخ لكتابة البشارة ما بين 50-90م).
وهذه إشارة لأمر مهم: أن أغلب العلماء يقولون: إن إنجيل مرقس كتب في 65-70م، وقيل هو تلميذ بولس أو بطرس، أو واحد من السبعين رسولاً، ولو قال التقليد إنه مات قبل عام 60م فلا يمكن أن يكون هو كاتب الأناجيل، وهذا دليل على أنه لم يكتب الإنجيل، وهذا الدليل أشار إليه بعض العلماء أحياناً، ومن مطالعة كتابات الأناجيل نلاحظ من بعض الأدلة استنباطاً أن كاتب الإنجيل عالم وعارف بما يكتب، مع أننا نجد في أعمال الرسل وصف بعضهم بأنه جاهل وعامي، ولا يعرف شيئاً! فكيف كتب هذا الكلام؟

وقال في ص417: (كتب هذا الإنجيل (يعني إنجيل لوقا) بواسطة طبيب يدعى لوقا كان صديقاً وزميلاً للرسول بولس (كولوسي4/14، وفليمون24، 2تيتس 24/11) ولم يكن لوقا أحد شهود عيان حياة المسيح (لوقا1/1-4)، ويقول التقليد إنه كان أممياً وإنه ظل دون زواج)، وكما هو معلوم أن كاتب إنجيل لوقا هو نفسه كاتب سفر أعمال الرسل، ولو كان لوقا الطبيب تلميذ بولس، فهذا يعني أنه ليس شاهد عيان، وأنه تابع لبولس… ويقول في ص 428 عن إنجيل يوحنا: (ليوحنا طريقته الخاصة في تناول حياة وأعمال يسوع، وقد أدت رواياته المستفيضة التي جاءت في إنجيله عن أقوال يسوع – وإلى وقت قريب – كان كثير يعتقدون أن إنجيله كتب متأخراً في أواخر القرن الأول الميلادي، إلى أن شعر البعض بعدم دقة إنجيله، وإلى وقت قريب كان العلماء يعتبرون إنجيل يوحنا كتب متأخراً، ولا يزال العلماء على هذا، وهو آخر الأناجيل، وهو أكثرها بعدا عن الصبغة اليهودية، وأنه قد استخدم الآخرين، ولم يكن هو شاهد عيان، وأن هذه الكلمات لم تكن كلام يسوع حقيقة، وعليه نكون أمام مجموعة من الأفكار كاتبها مسيحي من الأوائل)، ويقول في 428: (لدينا في الإنجيل نفسه مفتاح يوضح اسم كاتبه أو من قدم مادته على الأقل وهو قوله: فهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه) (21/20-24) وانظر (13/23 -25) وقد أقر الكثيرون –كما فعلت الكنيسة الأولى-أنه كان يوحنا أخو يعقوب.. الذي رغم أنه كان كثير الورود في باقي الأناجيل إلا أنه لم يذكر بالاسم في إنجيل يوحنا… وأكثر من ذلك فمن المحتمل أن يكون قد أخذ مجلسه بجوار يسوع في العشاء الأخير، ومن ثم فلا بدّ…).
فهل يوحنا بن زبدي هو الذي كان يحبه؟ فماذا عن (ليعازر) التلميذ الآخر الذي كان يحبه يسوع، فأيهما كتب الإنجيل، ولا دليل خارجي يرجح أحد الرجلين.

وجاء في الترجمة اليسوعية، من مدخل إنجيل يوحنا ص 286 قالوا: (هذه الملاحظات كلها تؤدي إلى الجزم بأن إنجيل يوحنا ليس مجرد شهادة عيان دونت دفعة واحدة في اليوم الذي تبع الأحداث، بل كل شيء يوحي خلافاً لذلك، بأنه أتى نتيجة لنضج طويل (تفاعل مع المجتمع حسب القصص والحكايات) ولا بد من إضافة أن العمل يبدو مع كل ذلك ناقصاً (البشرية واضحة فيه)، فبعض اللحمات غير محكمة، وتبدو بعض الفقرات غير متصلة بالكلام، يجري كل شيء والمؤلف لم يشعر بأنه وصل للنهاية، وفي ذلك تعليل لما في الفقرات من قلة ترتيب، فمن الراجح أن الإنجيل كما هو بين أيدينا أصدره بعض تلاميذ المؤلف فأضافوا عليه الفصل (الإصحاح21) (الأخير)، ولا بد من أنهم أيضاً أضافوا بعض التعليقات مثل: (4/2) وربما (4/1) و(4/44)، و(7/39) و(11/2) و(19/35) أما رواية المرأة الزانية (7/53-8/11) فأجمع العلماء أنها من مرجع مجهول أدخلت في زمن لاحق، وهي مع ذلك جزء من قانون الكتاب المقدس (أما المؤلف وتاريخ وضع الإنجيل الرابع فلسنا نجد في المؤلف نفسه أي تاريخ واضح عليها وربما كان ذلك مقصوداً).
فالحاصل أنه:
1-لا نعرف من هم كتبة الأناجيل، وفي داخل الأناجيل أدلة أنهم ليسوا تلاميذ للمسيح وليسوا شهود عيان، ولا رسله، ولا يهود من أصل عبراني كانوا يعيشون بفلسطين ولا أنهم من أصل يهود.
2-ولا نعرف المراجع التي كتب الإنجيل منها.

3-مع كثرة التناقضات في القصة الواحدة بين الأناجيل، وهذا باختصار المشكلة الإزائية في الأناجيل.

مثال على التناقض: مرقس ومتى فيهما قصة تجول المسيح (مرقس 6/5): (ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة)، وفي متى (13/58): (ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم)، وفي قصة أخرى: سأل المسيح تلاميذه بعد معجزة ما ومنهم بطرس فقال في متى (16 /16 متى): (أنت هو المسيح ابن الله الحي)، وفي مرقس (8 /29): (أنت المسيح)، وفي لوقا (9/ 20): (مسيح الله) وفي يوحنا (6/69): (أنت المسيح ابن الله الحي)، وثبت أن يوحنا تم تحريف نصه (6/69) (أنت المسيح ابن الله الحي) لأنها في أقدم مخطوطات يوحنا (6/69) كتبت: (أنت قدوس الله) كما في ترجمات أخرى، وثمة خطأ آخر خطير أن أغلب العلماء يخطئون إجابة إنجيل مرقس (أنت هو المسيح ابن الله الحي)؛ لأن هذا المعنى متأخر بعد الصلب والفداء، ولا يعقل أن بطرس – بل معظم التلاميذ – يعرفون هذه الإجابة قبل الصلب، وهذا لم يتم إلا بعد إعلان القيامة، ولذا قال المهندس رياض يوسف داود في كتابه (مدخل إلى النقد الكتابي): (إن شهادة مرقس في إنجيل متى تدل على أنه كان قد فهم آنذاك سر يسوع، وهذا ما يناقض صورة الاثني عشر (تلميذاً) في الأناجيل؛ فلمَ يعرفون هذا السر قبل القيامة؟ يمكن القول ببساطة: إن متّى سجل اعتراف بطرس مفسراً في ضوء القيامة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *