من شحرور الشيوعي إلى شحرور المفسّر

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

عاد محمد شحرور ذلك الطالب المتصوف الذي درس الهندسة المدنية في الاتحاد السوفيتي إلى سورية كغيره من عشرات الآلاف من الطلبة، الذين ابتعثهم حزب البعث العربي السوري ضمن اتفاقية التعاون العلمي مع المركز الثقافي السوفيتي في دمشق إلى موسكو، فعاد محملاً بالفكر الشيوعي الذي استقاه من حلقات التعريف بالشيوعية التي كانت تقام لكل الطلبة الجدد الدارسين في الجامعات السوفيتية.

لم يهتم شحرور بعد عودته إلى بلاده بما درسه من هندسة قدر اهتمامه بدراسة العلوم الدينية، وقدم نفسه حينها كقارئ مختلف لعلوم الدين الإسلامي، وحرص شحرور على أن ينفى في معظم مؤلفاته تأثره بالفكر الماركسي في تناوله القرآن الكريم والتراث الإسلامي.

كانت باكورة نتاجه الفكري الذي جمع به بين فلسفة التصوف والفكر المادي الشيوعي كتاب (الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة) ذلك الكتاب الذي قال شحرور إنه يقدم فيه تفسيراً موضوعياً للقران الكريم، وبمجرد صدور كتابه الأول بات شحرور الضيف الدائم لأجهزة إعلام حافظ الأسد، فكانت مقابلاته تتصدر صحف البعث وتشرين والثورة، وتبنّى الحزب الشيوعي السوري حينها طروحاته الفكرية، فرأى ما يقدمه شحرور بداية الطريق إلى ظهور الإسلام الجديد الذي يمكن التعامل معه، والمنفتح على أطياف الشعب السوري كاف.

تعدد الظهور الإعلامي لمحمد شحرور على صحيفة النور التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعطي زاوية أسبوعية يكتب فيها ما يشاء من أفكار تتحدث عن الإسلام الحداثي الذي يدعو إليه.

وكانت بداية رؤيته التي قدمها أن الحجاب لا أصل له في الدين، وتلك الفكرة قربته كثيراً من قادة الأحزاب الشيوعية والقومية والبعثية في سورية، بل جعلته المفكر الإسلامي الأول لديهم خلال تسعينيات القرن الماضي، ولعل هذا ما جعل الجهاز الديني الرسمي في سورية حينها بقيادة مفتي سورية الصوفي أحمد كفتارو وأستاذ الفقه الإسلامي في جامعة دمشق الشيخ رمضان البوطي يردان عليه بقوة عبر منابر الجمعة، بل حذرا المجتمع من شطحاته التي عدّها البوطي سفاهات وتطاولاً على الدين الإسلامي.

مع احتدام النقاش والأخذ والرد عبر وسائل الإعلام السورية المختلفة تدخّل الرئيس حافظ الأسد ليعلن بصراحة أن الفكر الذي يطرحه محمد شحرور صحيح ومنطقي ولا يحق لأحد إيقافه، وطلب حينها من وزير الأوقاف السوري إيقاف كل الألسن التي تتصدى لمنهج محمد شحرور الفكري، ومنذ تلك اللحظة شعر شحرور بأنه يعمل تحت حماية الدولة السورية، كيف لا والمعوقات التي وقفت في طريقه ذلّلها تدخّل حافظ الأسد لمصلحته، ومن هنا كان عليه الإسراع بتقديم مشروعه الذي يعمل عليه في تقديم رؤية جديدة لكل معالم الدين الإسلامي، وبخاصة ما يتعلق بشقّي الفقه والحديث الشريف، اللذين الذي يعتقد شحرور أن لديه الكثير مما يستطيع قوله فيهما.

ورأى شحرور أنه البديل العصري الأكثر وعياً وفهماً من الفقهاء والعلماء السابقين، وأن كثيراً من الفقهاء السابقين وأصحاب المذاهب الفقهية أمثال الإمام الشافعي بُجِّلوا بشكل كبير، وباتوا أصناماً يجب تحطيمها!

في عام 2000م قدم كتابه الذي أثار جدلاً كبيراً، ولا نبالغ إذا قلنا: إنه الكتاب الذي قدّمه إلى الواجهة ليصبح ضيفاً دائماً على محطات التلفزة العالمية والغربية ومراكز البحوث والدراسات التي تبحث عن الآراء الشاذة لمن يسمون أنفسهم مفكري التجديد الديني، لتصنع منهم هالات، وليجري تكبيرها وتلميعها على أنهم المصلحون الجدد في العالم الإسلامي، فصدر كتابه (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة) الذي خالف فيه كل الآراء الفقهية في الأحكام الخاصة في المرأة، وخالف فيه كل كتبه أهل الفقه على مر الأزمان (في الوصية والإرث ولقوامة والتعدد واللباس)، وطرح فيه شحرور بكل جرأة آراءه الخاصة، فكان مما قال: لا علاقة لغطاء الرأس لا من قريب ولا من بعيد بمسألة الحجاب وستر العورة، وأباح فيه زواج المسلمة من غير المسلم وادعى أن المنع كان سابقاً لغرض سياسي وقد انتفى الغرض منه اليوم. وقال فيه: إن الصيام لا يستوجب الطهارة، ولا يوجد ما يمنع صوم الحائض إلا إذا كان الحيض يسبب لها المرض.

وعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية صدر لمحمد شحرور أكثر من اثني عشر كتاباً في اللغة العربية، ترجمتها جميعاً مؤسسات بحوثية غربية إلى اللغات العالمية.

أخيراً: إن ما صدر وسيصدر  من شحرور من أفكار تخالف إجماع علماء الأمة من السلف والخلف لا يمثل أدنى مفاجأة، وبخاصة إذا علمنا أن الرجل قد أثنى عليه وأوصى بالتعاون معه تقرير مؤسسة راند للأبحاث،  وهي جماعة بحثية تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وأوصى شيريل بينارد مؤلف كتاب (الإسلام الديمقراطي المدني –الشركاء والموارد والإستراتيجيات) بضرورة تسليط الضوء على نتاجه الفكري والتعاون معه؛ لما يقدمه من طروحات فكرية دينية حداثية تزيح الفكر التقليدي؛ لأنه حسب وصف الكاتب، ومن معه من الحداثيين، سيصبحون واجهة الإسلام المعاصر خلال المرحلة المقبلة.

وتتهافت كثير من المؤسسات البحثية على استضافة شحرور وتبنى كل ما قدمه؛ فهو ضيف دائم على منتديات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، والمجلس الإسماعيلي في لندن، ومؤسسة روكفلر في إيطاليا، وهو أحد ثلاثة حظيت كتاباتهم ووجهات نظرهم بتزكية روبرت بللترو وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق، الذي أشاد بإصلاحيته الدينية وبما قدمه للفكر الإسلامي الحديث!

 

التعليقات

تعليق واحد
  1. ابو عبدالله says:

    (فأما الزبد فيذهب جفاء)

اترك رداً على ابو عبدالله إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *