تناقضات الدكتور محمد السعيدي

موقع المثقف الجديد

أورد البهوتي في كشاف القناع هذه القصة التي يحكيها أبو الوفاء ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله، يقول:

(قال ابن عقيل: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز، ولا أقول العوام، بل العلماء. كانت أيدي الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يونس، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع، حتى ما يمكنونهم من الجهر بالبسملة والقنوت، وهي مسألة اجتهادية، فلما جاءت أيام النظام، ومات ابن يونس وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلَمة، فاستعدَوا بالسجن، وآذوا العوام بالسعايات، والفقهاء بالنبذ بالتجسيم. قال: فتدبرت أمر الفريقين، فإذا بهم لم تعمل فيهم آداب العلم، وهل هذه إلا أفعال الأجناد، يصولون في دولتهم، ويلزمون المساجد في بطالتهم).

وعقب حلقة الليوان على قناة روتانا خليجية التي ظهر فيها الدكتور محمد السعيدي تتابعت تغريدات شديدة بعضها ينقل من بعض، ومنها تغريدة الدكتور حاتم العوني، التي نقلها بعده سعد بن ثقل العجمي، تتهم السعيدي بأنه يحتكر السنة في نفسه، في لغة تأليبية واضحة.

 

ومع أن هذه التغريدات تعلم حقيقة من الذي يقصي المملكة كلها وشعبها ومنهجها من أهل السنة والجماعة، ويجعلهم خارجين عنها، وليس لأصحابها على هؤلاء سوى تعليقات لم تصل إلى مستوى حدتهم مع الدكتور السعيدي، والمقصود بالمقصين هم: أولئك المبتدعة الذين اجتمعوا في مدينة غروزني عاصمة الشيشان ليقرروا أن أهل السنة والجماعة منحصرون في الأشعرية والماتريدية والأشعرية والصوفية.

إن هؤلاء الرافعين عقائرهم باللوم والتقريع على الدكتور السعيدي ينبغي أن يُعكس عليهم السؤال نفسه: هل يرون هم كذلك أن مدرسة الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب وعلماءها يمثلون أهل السنة والجماعة؟ أم هم يرون غير ذلك؟

 

إن كان الجواب هو الأول فقولهم هو قول السعيدي، وإن كان قولهم غير ذلك فهل هو قول المؤتمرين في غروزني؟ أم هو قول ثالث؟ فإن كان قولهم ثالثاً فإن قصارى أمرهم هي أنهم يختلفون مع الدكتور السعيدي في توسيعهم مفهوم أهل السنة والجماعة، وهذا أمر لا يستحق أن يوصل به إلى أن يُستغل التيار الاجتماعي والإعلامي للتأليب على الدكتور السعيدي بهذه الطريقة غير اللائقة.

إن علماء السلفية في المملكة العربية السعودية ينطلقون من فهم السلف لمفهوم أهل السنة والجماعة، وهذا الفهم منتشر مبثوث في كتب العقيدة المسندة، التي أخرج أصحابها كثيراً من الفِرق من مفهوم أهل السنة والجماعة الكامل، ولم يتجوزوا في إطلاق هذا اللقب الشريف إلا عندما يقصد به المنتسبون إلى أهل السنة من أهل القبلة في مقابل الشيعة، وهذا الأمر ليس بجديد، بل هو مبثوث في أدبيات السلفية منذ القرون الأولى، مروراً بمرحلة ابن تيمية، وليس انتهاء بأهل العصر من السلفيين.

 

إن تصحيح حديث أن أمة محمد (أي: أمة الإجابة) سوف تنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن واحدة من هذه الفرق هي الفرقة الناجية، يقتضي أن ثمة ثنتين وسبعين فرقة من أمة الإجابة غير داخلة في الفرقة الناجية، فماذا نصنع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل نمرّه كما جاء ثم نجحد معناه وموجبه ومقتضاه، ونفعل معه كما تفعل مفوضة الأشعرية مع الصفات التي يثبتونها لفظاً ثم يفوّضونها مع اعتقادهم أن معناها الظاهر غير مراد؟ أم نسلك في ذلك طرائق ملتوية أخرى؟

 

وبعد، فإن السعيدي باحث غير معصوم من الخطأ، وكذلك خصومه غير معصومين في اتهاماتهم إياه، والرجل تحدث في لقاء قناة روتانا حديثاً واضحاً ذكر فيه: أنه لم يقع في التناقض منذ عام 1410هـ، أي: منذ بدأ النشر والكتابة والتواصل في الإعلام الورقي والإلكتروني.

ولكن خصومه مع ذلك ينتقدونه في أمرين:

الأول: ينتقدونه في أشياء لم يتناقض فيها، وهم أنفسهم لا يزعمون أنه تناقض فيها، بل هي أمور ثابتة في مذهب أهل الحديث والأثر والسلفية منذ القرون الأولى، لكنهم وجدوا أنهم لا يستطيعون أن يهاجموا المنهج نفسه، أو أنهم لا يستطيعون الصمود لطول الطريق والمدة في هذا المسار، فعدلوا عن ذلك إلى مناجزة المنهج باستغلال بعض الظروف الحرجة في هذه المرحلة، بمحاولة إسقاط بعض رموزه، واستغلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل من أجل ذلك، لكي يضربوا ضربتهم ويفوزوا ببُغيتهم قبل أن تهدأ الأمور وتسكن الإثارة، فيكون الأوان قد فات عليهم.

الثاني: ينتقدونه في أشياء ظاهرها التناقض، أو ظاهرها التعارض، ولكنه أجاب عن ذلك بإجابة واضحة، هي:

أن ما يبدو لهم أنه متناقض إنما يكون كذلك لأنه خارج عن سياقه المعرفي، أو لأنه خارج عن سياقه التاريخي.

 

ولكنهم تجاهلوا هذا الرد، وأصبحوا يعيدون الدعوى مجردة، من دون أن يدفعوا كلام السعيدي ببراهين تثبت أنه متناقض ولو راعينا سياقه المعرفي والتاريخي.

إن هذا لا يعني أن كلام الدكتور السعيدي لا يوجد فيه اختلاف أو تناقض أبداً، ولا في حال من الأحوال، فهذه عصمة لا تكون إلا لنبيّ، ولكن ثمة مسافة معرفية وواقعية بين إمكان الشيء وتحقق حدوثه، وثمة مسافة بين قول الخصم وقول القاضي العدل، وإخوان يوسف جاؤوا أباهم عشاءً يبكون بعدما ألقوا بأخيهم الصغير في غيابة الجب.

التعليقات

تعليق واحد
  1. سليّم العمري says:

    ليس هناك شخص معصوم لا الدكتور السعيدي و لا غيره و لكننا للاسف الهجوم القوي على اهل السلف من كل الجهات وبدون دليل او هدف الا الصد عن السلفية و الوسطية المبنية على النصوص الشريعية الواضحة و لهم نقول مهما كانت امكانياتكم و وسائلكم في هذا الشأن فانكم لن تهزوا ثقتنا في سلفيتنا و في علماءنا و دعاتنا .

اترك رداً على سليّم العمري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *