قبل أن نقرأ تاريخ الصحابة

موقع المثقف الجديد

معظمنا يعرفون أن مقتل الصحابة في حروب الردة كاد أن يقضي على الاسلام، لولا أن الله تعالى تكفّل بحفظه، فلو لم ينتصروا لما وجدت الفتوح الإسلامية، ولظل الاسلام غريباً، فجزاهم الله عن أمة محمد خير الجزاء.

وأفضلية الصحابة رضوان الله عليهم سببها أنهم بلغوا جميع المراتب، مراتب التوكل والخشية، ومراتب العمل والكد والتعب، ومراتب أن دماءهم وأموالهم سُفكت وأنفقت في سبيل الله، ومراتب أنهم صبروا على عداء أهلهم وأقوامهم، ومراتب أنهم هُجّروا وطُردوا من ديارهم، ومراتب أنهم عانوا من المنافقين، ومراتب أنهم كانوا قلة، ومع ذلك قاتلهم المشركون والفرس والروم والقبط والبربر والمرتدّون والخوارج وغيرهم من الأمم والملل، ومراتب أنهم كانوا فقراء وعانوا الأمراض ولم ينالوا من متع هذه الدنيا شيئاً بالنسبة إلى ما ناله من بعدهم منها، إلى غير ذلك مما لا يحصيه أحد غير الله.

فكيف يدعي أحد أنه قد يصل إلى مراتبهم، لا في العلم ولا في العمل ولا في الأحوال ولا في الاعتقادات ومسالك القلوب!

ولنضرب مثالاً واحداً على ذلك من قراءة القرآن، فكل قرآن يُتلى الآن فهو في ميزان حسنات عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ وذلك لأنه أخذ مصحف حفصة ونسخ المصاحف، ووحّد الحروف، وكلّما قرأ مسلمٌ أو كُتب له القرآن فيقع ذلك في ميزان حسنات عثمان رضوان الله عليه؛ فكم لعثمان رضي الله عنه وحده من الأجر في القرآن فقط؟! ناهيك عما سوى ذلك مما له من أعمال كثيرة وجليلة، آخرها مقتله شهيداً صائماً صابراً محتسباً؛ وهذا أمر يسيرٌ جداً من هذا الباب الذي يطول تتبّعه واستقصاؤه.

إن بعض المؤرخين والقراء القاصرين في هذا العصر ينظرون إلى ما تعرض له الصحابة من البلاء وما قُطّعت أوصالهم وسالت دماؤهم وتغيرت جلودهم، فيظنون هذا من سوء الإدارة، أو من عدم نجاحهم، ونحو ذلك من الأوهام، وما يدرون أن سلفهم في ذلك الأنبياء، وسبب ذلك: أنهم اجتمع لهم من العمل الصالح والإيمان مع شدة البلاء ما لم يجتمع إلا للأنبياء قبلهم، وقد درجوا على طريق الجنة، فرزقهم الله أن ينالوا كل محمدة وكل سبب من أسباب دخولها؛ فلذلك تعرضوا لما تعرضوا له، وأما من جاء بعدهم فإنما كان يُذكر في كتب السير والتراجم بعبادة وبحفظ وعلم وجهاد، ونحو ذلك مما جاء بعد عزة الإسلام وتيسر أمور المسلمين وانقياد الدنيا لهم؛ وهذا لا يصل إلى أدنى مرتبة من مراتب الصحابة رضوان الله عليهم.

هكذا يُقرأ تاريخ الصحابة الحقيقي، فليس تاريخ الصحابة مجرد فتوحات وانتصارات كما يقدّمه بعض مؤرخي زماننا، بل هو تاريخ الإيمان والعلم والعمل والبلاء والثبات حتى لقاء الله.

ويندرج في هذا الموضوع حديث أورده البخاري في كتاب الأدب، وفيه غضب أحد الصحابة من بعض التابعين، عندما قالوا له: إنهم يتمنون أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك الصحابي أدرك أنهم لا يصبرون للبلاء الذي تعرض له الصحابة، فاشتدّ عليهم في ذلك، وقال لهم ما معناه: لا تتمنوا موقفاً لا تدرون ما يصدر منكم عنده من العمل!

قال البخاري: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال:

جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، فمر به رجل، فقال:

” طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت”، فاستغضب، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيرا،  ثم أقبل عليه، فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه؟ لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ والله، لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله عز وجل إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، فتصدقون بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، قد كفيتم البلاء بغيركم، والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي قط، في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإيمان، ويعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه، وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي قال الله عز وجل: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *