التديّن يرسم ملامح الخريطة الصهيونية

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

في شهر مايو من عام 2015م أعلن معهد البحوث الأمريكية “بيو” نتائج استطلاع للرأي استهدف خمسة آلاف شخص من المجتمع الإسرائيلي، وعرّف نحو ثلاثة من كل عشرة أشخاص أنفسهم بأنهم محافظون.

ويظهر اليوم جلياً في الدولة العبرية، من خلال الصراع السياسي على السلطة، أن الخريطة البرلمانية اليوم يغيب عنها جماعة اليسار المؤسس، وتتعاظم خلالها قوة اليمين الإسرائيلي الذي يمثل الحريديم بجميع فصائلهم.

ووفقاً لدراسة نشرها مركز مدار لمتابعة الشأن الإسرائيلي فإن الجمهور الإسرائيلي ينظر للمتزمتين دينياً (الحريديم) على أنهم كتلة دينية واحدة يمكن تمييزهم من ثيابهم السوداء ومعتقداتهم ذاتها، لكن هذا الوصف غير صحيح ولا يعكس الواقع، فبحسب كتاب “دليل المجتمع الحريدي – معتقدات وتيارات” من تأليف البروفسور بنيامين براون، وصدر عن دار النشر “عام عوفيد” و”المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، فإن الحريديم مجتمع منقسم ومتنوع يشبه كثيراً الكتل الفكرية والعقدية الأخرى.

كان ينظر للحريديم سابقاً على أنهم قوة هامشية ولا تشكل تأثيراً على الأغلبية العلمانية التي كانت تعتبرهم “الآخر” الذي يسهم في بلورة الهوية اليهودية بصورة سلبية، لكنهم اليوم أصبحوا قوة ذات تأثير كبير على الهوية الإسرائيلية الجديدة؛ وذلك بفضل التحول السياسي الداخلي الذي أفرزته الحروب التي كانت تخوضها إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي.

يحافظ المجتمع الحريدي على مساحة كبيرة من الانغلاق بعيداً عن الجمهور الإسرائيلي سواء من خلال فلسفة تعامله مع المنظومة الأمنية للدولة أو الاقتصاد أو اللغة أو التعليم، فرغم محاولات الإستعمار البريطاني منذ عام 1917م تعزيز اللغة العبرية الحديثة ودعمها كلغة رسمية للمجتمع اليهودي الذي تم إنشاؤه في المستوطنات داخل فلسطين، إلا أن الحريديم احتفظوا باللغة اليديشية كلغة للتعليم الديني حتى هذه الأيام، وبفضل تأثير الأيديولوجية الصهيونية أصبحت اللغة العبرية الرمز الرئيسي والناقل لهوية قومية جديدة، لكن السعي كان حثيثاً لتهميش الهويات القديمة التي أحضرها المستوطنون اليهود إلى فلسطين.

وقد ضغطت الحركة الصهيونية على المستوطنين اليهود ليتعلموا اللغة العبرية كلغة رئيسية، وقد شجعت هذه الأيديولوجية على انتقال الإسرائيليين اللغوي من لغاتهم الأصلية إلى العبرية، وقد نظر إلى المحافظة على اللغات الأم وحتى اللغات الأخرى على أنه تعبير عن الكراهية ومقاومة الهوية القومية الجديدة، وتم النظر إلى اللغات الأخرى كعوائق أمام نجاح الأيديولوجية الصهيونية.

ودعمت الحكومة المركزية اللغة العبرية عبر السنين حتى أصبحت اللغة الرئيسية في كل المجالات الخاصة والعامة، وفرضت على المستوطنين الجدد أن تكون العبرية لغتهم الأم في عملية اتخاذ هويتهم الجديدة كيهود إسرائيليين.

وبالرغم من نجاح سيطرة اللغة العبرية، فإن بعض الجماعات الأرثوذكسية (الحريديم) استمرت في استعمال اللغات الأخرى مثل اللغة اليديشية، ويتضح أيضاً أن الكثير من الكلمات المستحدثة والمصطلحات في العبرية الحديثة هي أساساً كلمات مستعارة من اللغات الأوروبية، وبصفة خاصة من اليديشية، اللغة الأم لمعظم سكان إسرائيل والمتحدثين باللغة العبرية في هذه الأيام.

ومن الأسس التي بني عليها مجتمع الحريديم في إسرائيل الثقافة الدينية وعملية ترميم “عالم التوراة”، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي أسفرت عن التخلص من يهود أوربا وتدمير مجتمعاتهم، فقناعاتهم الدينية تعتبر أن “تعلم التوراة هو عمل وجودي بالنسبة للشعب اليهودي”.

وتجدر الإشارة إلى أن تفسير الحريديم لتعلم التوراة يختلف عن الاعتقاد السائد، إذ أنهم يقصدون بتعلم التوراة دراسة الغمرا أو التلمود وتفسيراتهما، فبعد دمار مراكز الحريديم في أوربا بقيت الولايات المتحدة والدولة العبرية أهم مركزين لتعليم التوراة، ففي الولايات المتحدة يتم تعليم الطلاب حتى سن الزواج أوبعد الزواج بسنوات قليلة، في المقابل، تطورت في إسرائيل مؤسسة الـ”كوليل”، التي يدرس فيها من الحريديم الرجال المتزوجون، وهكذا، تطورت في السنوات الأولى بعد قيام إسرائيل ظاهرة فريدة من نوعها، وصفها علماء الاجتماع الإسرائيليون بـ”مجتمع الدارسين”.

ومفهوم مجتمع الدارسين يوضح التحول الكبير الذي شهده المتدين الحريدي بعد نشأة الدولة العبرية واحتلال فلسطين، فقد تنازل الرجل الحريدي عن حرية الاختيار في تحديد مستقبله ودراسته التي تمنحه فرصة للعمل وإعالة أسرته، لمصلحة التفرغ لــ”عمل التوراة”، وطولبت المرأة الحريدية بالتنازل عن قيام زوجها بالعمل وعن مستوى حياة معقول، وبأن تتوجه هي إلى العمل من أجل إعالة زوجها الذي يستمر في دراسته بعد زواجه أيضا. كما طولبت الدولة بأن تسهم من خلال تحرير أبناء الييشيفوت من الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا شكل محفزا آخر للشبان الحريديم على البقاء في “عالم التوراة”، وبعد ذلك طالب الحريديم بميزانيات.

كذلك فإن “الحريديم” لا يتعلمون بموجب المنهج التعليمي الرسمي العام، بل لديهم منهاج خاص بهم، بعيد عن المواضيع العصرية، حتى إن موضوع الرياضيات مقلص جداً ويقتصر على تعلّم الأساسيات، والأغلبية الساحقة من الرجال يعملون داخل مجتمعات “الحريديم” في مسارات عمل ليست إنتاجية.

ومن أجل الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع الحريدي أضطر حاخامات هذا المجتمع لدفع ثمن أيديولوجي بالتحالف مع الأحزاب الصهيونية والانضمام إلى مؤسساتها لضمان وصول الدعم المالي للمنشآت التعليمية الحريدية، وبذلك نشأ التعلق المادي “لعالم التوراة” بالمؤسسة الحاكمة العلمانية.

وفي تقرير بعنوان “الحريديم الإسرائيليون بين التقاليد والحداثة وتراجع مجتمع الدارسين” يقول مركز مدار لمتابعة الشأن الإسرائيلي، إنه بحسب المعتقدات الدينية اليهودية، فمنذ مرحلة “حازال” (اختصار لـ”حكمائنا رحمهم الله”) في القرن السادس قبل الميلاد، اعتبر “التلميذ النجيب” أحد المثل المركزية، وربما الأرفع، في اليهودية. وقد استغلت المؤسسة الدينية في إسرائيل الإمتيازات التي منحتها لها الدولة مثل الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية لطلاب الييشيفوت، لتعزيز مكانة التعليم الديني وأصبحت المدارس الدينية ملجئ للرافضين للخدمة العسكرية.

لم يكتف مجتمع الحريديم بتعزيز قوته الداخلية بل بدأ يتوسع ضمن حدود الدولة من خلال التمثيل البرلماني والوزاري الذي استطاع الحصول عليه خلال العقود الماضية، فقد نجح في إجبار وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية على إدخال مضامين دينية يهودية ومبالغ في نزعتها القومية، من دون الإعلان عن إدخال هذه المضامين إلى مناهج التعليم في المدارس الحكومية الرسمية. ويسيطر على هذه الوزارة، بصورة تاريخية، مسؤولون من التيار القومي الصهيوني – الديني، الذي ازداد تطرفاً في العقدين الأخيرين، وخاصة في السنوات القليلة الماضية.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة هأرتس فإنه تم استخدام اقتباسات من كتابات لحاخامين قدماء أو تطرق إلى أعياد من وجهة نظر اليهودية الأرثوذكسية، في القسم الأكبر من الكتب من دون علاقة بالموضوع الجاري دراسته. وقال رؤساء “المنتدى العلماني” إن “الحديث لا يدور عن ظاهرة عفوية أو هامشية، وإنما عن خطوة منهجية وأيديولوجية. وهدف هذه الخطوة هو إعادة تصميم وعي التلاميذ العلمانيين بواسطة استعراض العالم اليهودي – الإيماني بصيغته الأرثوذكسية في كل مكان: في النصوص، التمارين، الرسومات وبجمل تبدو كأنها بريئة يتم دمجها في كتب التدريس”.

وألزمت وزارة التربية والتعليم طلاب المدارس بدراسة “الثقافة اليهودية – الإسرائيلية” بذريعة تعزيز الهوية اليهودية لدى التلاميذ.

ويستعرض كتاب “أنا وعائلتي، أنا وصديقي” أمثلة للفروق بين العائلات فيما يتعلق بالمساعدة المتبادلة. وتصف هذه الأمثلة أنه في العائلة اليهودية المتزمتة دينيا يوجد أكبر قدر من الدعم والالتفات المتبادل بين أفرادها، بينما أفراد العائلة العلمانية يصرخون على بعضهم وحسب.

ويبدأ كتاب للصف الخامس بفصل مخصص للصلاة، ويتناول مطولا “الهيكل” المزعوم، ويسرد تفاصيل دقيقة لمبناه وتفاصيل أخرى. وفي نهاية هذا النص، يُدعى التلاميذ إلى قراءة المزيد من المعلومات في موقع الكتروني مخصص للهيكل، ويتضمن “جولة افتراضية في جبل الهيكل”، حيث يقع الحرم القدسي والمسجد الأقصى. وإلى جانب هذه “الجولة”، يظهر فيلم كرتون قصير بعنوان “رسالة إلى شعب إسرائيل”، تقول “يسألني الكثيرون كيف بإمكانهم المساعدة وتقريب بناء الهيكل الثالث. والإجابة بسيطة جداً: ينبغي التوبة والعودة إلى آبينا الذي في السماء، ومن لا يحافظ على قدسية السبت، فليأخذ على عاتقه قدسية يوم سبت، ومن لا ترتدي ملابس محتشمة، فلتأخذ على عاتقها الاحتشام”. ويقول تقرير أخير لوزارة التعليم الإسرائيلية: إن أعداد طلاب المعاهد الدينية للحريديم ارتفعت في العامين الماضيين في إسرائيل بنسبة 16%، مقارنة بأعوام سبقت. ونشير إلى أن هؤلاء ليسوا في جيل طلبة المدارس، بل هم من كافة الأعمار. كما أن هذه الأعداد لا تشمل الطواقم الادارية والتعليمية في المعاهد، التي ميزانياتها تبقى منفصلة عن الميزانية المشار اليها، والتي يتم صرفها كمخصصات على طلاب المعاهد.

الدعم المالي

في عام 1992م نظرت المحكمة العليا العبرية في التماس قدمه “معالاه – المركز للصهيونية الدينية” ضد وزير التربية والتعليم، حول تخصيص ميزانية إلى “أنشطة ثقافية للحريديم”، بمبلغ عشرة ملايين شيكل. وطالب هذا المركز بالحصول على قسم من هذه الميزانية، وسوّغ طلبه بأن “الحريدي هو الشخص الورِع من أقوال الرب”، وبناء على هذا التعريف فإن هذا المركز يستحق الحصول على قسم من الميزانية.

خلال الأعوام السابقة كانت الحكومة الإسرائيلية سخية مع الحريديم، لاسيما بفضل حاجة الحزب الفائز في الانتخابات للحريديم لتشكيل الإئتلاف الحاكم، لذلك في عام 2017م أقرت الحكومة زيادة أخرى لميزانيات معاهد “الحريديم”، بـ52 مليون شيكل، لتدخل إلى الميزانية الأساسية، التي ارتفعت خلال أقل من عامين بنسبة 118%. وهذا الارتفاع الثالث الذي تحظى به هذه المعاهد الدينية، التي تضم عشرات آلاف رجال “الحريديم”، الذين يمضون أوقاتهم في دراسة التوراة، مقابل حصولهم على مخصصات اجتماعية.

ويحصل “الحريديم” على سلسلة ميزانيات، ومخصصات اجتماعية في مسارات متعددة، منها ما يتم دفعه لطلاب المعاهد الدينية، ومنها ما يسمى “ضمان الدخل”، إضافة إلى أن حصتهم من مخصصات الأبناء التي تتلقاها كل عائلة في إسرائيل عن كل ابن دون 18 عاماً أكثر بكثير من نسبتهم في المجتمع، نتيجة كثرة الولادات لديهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *