فئران الدحيح

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

يحاول أحمد الغندور الملقب بــ”الدحيح” عبر الحلقات التي ينشرها في برنامج “كبريت” التي تقدمه منصة “AJ+” التابعة لشبكة قناة الجزيرة القطرية، يحاول تبسيط القدر والتشكيك في وجوده بسرد كثير من النماذج التطبيقية التي تبرهن، بحسب زعمه، أن الكون محتوى مادي بحث لا يوجد أي خصوصية في وجوده، ولا يمكن بالمنطق الفيزيائي الذي يزعمه إثبات وجود الغيب أو وجود تفسير ديني للوجود، وهذا الأمر عاش العقلانيون العرب على الترويج له منذ عقود، من أمثال صادق جلال العظم، الذي كان يقول: “إن الدين بديل خيالي عن العلم”.

وقد بذل الدحيح، في حلقة “إحياء الموتى”، جهداً كبيراً لرصد تجارب سابقة عن تطوير حياة جديدة باستخدام عمليات الاستنساخ، مستذكراً شواهد من الصين واليابان لاستنساخ فئران بالإضافة على النعجة دولي التي استنسخت عام 1996م، وبغض النظر عن الإرباك في نوعية المعلومات التي يستحضرها الرجل كشواهد على النظرية التي يحاول الترويج لها، فإن ما يحاول الرجل إثباته هو فرضية نجاح مثل هذه التجارب في استنساخ الإنسان بعد وفاته.

واختتم الغندور حديثه باستحضار نموذج “bina 48” الذي قامت بتصنيعه مؤسسة خيرية عام 2010م بهدف تخليد ذكرى إحدى العاملات فيها، من خلال تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الشخصية وضعها في ريبوت يحاكي جسدها ويستطيع تقمص شخصيتها الحقيقية من خلال استخدام الذكاء الصناعي. وتعمد بشكل مطلق التطرق إلى ما جاء به القرآن الكريم من حسم في هذه المسألة في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

الحلقة الثانية المثيرة للجدل نشرها “الدحيح” بعنوان “يامحاسن الصدف” محاولاً السخرية من القدر والقدرة الإلهية على التحكم في الوجود وتدبير شؤون الخلق، معتقداً أن كل تفاصيل الواقع الذي نعيشه مردها حسابات عقلانية دقيقة يمكن ملاحظتها وتفسيرها في سياق الثوابت الفيزيائية التي تحفظ تنظيم الكون واستقراره.

هذه الظاهرة ليست الأولى في عالمنا العربي، إذ يوجد نهج قديم للعقلانيين الملاحدة يستندون إليه في التشكيك في القضاء والقدر، وتماشياً مع ذلك يقول الدحيح محاولاً برهنة هذا النهج: “تفسير دقة الثوابت الفيزائية يؤكد أن هذا الكون وجد علشانا.. وممكن نرى ذلك بشكل آخر.. الكثرة تغلب الشجاعة.. مثلاً: في أحد التفسيرات الأبرز في ميكانيكا الكم.. الكون بتاعنا واحد من عدد لا نهائي من الأكوان تعيش في multiverse احتمالية أن يتمتع هذا الكون الذي نعيش فيه من بين كل هذه الأكوان بثوابت الفيزائية تجعل حياتنا ممكنة أمر شبه أكيد.مش علشان احنا موجودين يعني الكون ده تخلق علشانا”!

لكن ما جاء به هذا المدعي المغرور ينافي قول رسول الله عليه الصلاة والسلام، “كتب اللهُ مقادير الخلائق قبل أن يخلقَ السموات والأرض بخمسين ألف سنة”، وقوله: “وعرشه على الماء”، وقوله: “إن أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلم، فقال له: اكتُبْ، قال: يا رب، وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقادير كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعة، من مات عَلَى غيرِ هذا، فليس مِنِّي”.

كذلك يفسر الغندور الوجود قائلاً: “لو بصيت على الكون بتعنا حتلقه محكوم بثوابت فيزائية.. الثوابت ديه بشكل إعجازي ليها قيم محددة جداً، لو حصل تغيير بسيط في هذه الثوابت سيختل النظام”.

وفي حلقة بعنوان “الحاسة السادسة” يجتهد الغندور في إيجاد تفسير علمي عقلاني لما يعرف بــ”الحاسة السادسة” ويقول: إن المنطق هو الأنسب في قوة تفسير بعض الوقائع التي قد نصيب أو نخطأ في تقييمها في حياتنا اليومية معتمدين على “الحدس”.

ويمكن أن يُرد على الدحيح من المعين نفسه الذي يلتجئ إليه في نشر نظرياته حول تعزيز قدرة العقل على تفسير الظواهر الغيبية في الكون، ويُشار إلى قول النمساوي فولفغانغ باولي صاحب مبدأ الإقصاء في علم الفيزياء الذرية الذي أشار إلى وجود الغيبيات: “الإنسان ليس مخلوقاً مهيأً ليعلم كل شيء”.

وختاماً: نذكر بحديث رسولنا عليه الصلاة والسلام: “كلٌ مُيسَّر لما خُلِق له”، وقول الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله في حكاية حديث العبد الصالح: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ).

 

إقرأ أيضاً

قناة الدجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *