هل أخفقنا حيث نجح نظام الملالي؟!

موقع المثقف الجديد - عزام المشعل

يراود بعض متابعي المشهد السياسي هذا السؤال: لماذا تأبى القيادة السعودية أن تتمدد وتسعى إلى السيطرة على القرار السياسي داخل الدول الإسلامية ودول الجوار، ولماذا لا يسعها أن تفعل كما يفعل النظام الإيراني من جهته في المنطقة!

توجد شواهد متعددة تثبت قدرة نظام الملالي على التغلغل داخل المنظومة السياسية في الدول والتأثير في صناعة القرار فيها، ومن أبرز هذه الشواهد: دولة لبنان؛ فقد تمكنت إيران من خلال موسى الصدر – الذي ولد في مدينة قم الإيرانية وابن السيد صدر الدين الصدر المنحدر من جبل عامل في لبنان – من أن تخترق النسيج السياسي اللبناني بعد أن ذهب الصدر إلى صور اللبنانية كمبعوث لآية الله محسن الحكيم لتأسيس وإحياء عدد من المنظمات الموالية للملالي في لبنان، بما في ذلك المدارس والجمعيات الخيرية. وفي نهاية المشروع نتج عن ذلك تأسيس حزب سياسي في عام ١٩٧٤م عُرف باسم (حركة أمل). ولم يتوقف ورَم الملالي الخبيث عند هذا الحد، بل تعداه إلى إنشاء حزب آخر ذا طابع مسلح في عام ١٩٨٢م عرف باسم (حزب الله)؛ ليكون المسمار الأخير في نعش سيادة لبنان على قرارها السياسي والاقتصادي والتنموي.

الشاهد الثاني هو الحالة اليمنية، ففي عام ١٩٨٥م حطّ بدر الدين الحوثي رحاله في مدينة قم، المركز الديني الأبرز والأهم في إيران، ليتخذها مركزاً لإعداد خطته، ولإرسال واستقبال الشباب من محافظة صعدة، بعد تدريبهم وتأهيلهم فكرياً وعسكرياً. داخل هذا البيئة الإيرانية، وفي مدارس الملالي ترعرع وشبّ عميل إيران حسين بدر الحوثي مؤسس حزب الحق في عام ١٩٩٠م، الذي فاز في الانتخابات البرلمانية عام ١٩٩٣م، ليحصل على مقعد كمرشح لحزب الحق عن محافظة صعدة، لتكون أول خطواته نحو اغتصاب القرار السياسي اليمني كما حصل في لبنان.

وكان حسين الحوثي يعتقد كما كتب في ملازمه الشهيرة بأن الخميني يمتلك صفات الألوهية، وأن ما ينضح به عقل الخميني الخرف ينزل منزلة أعلى من منزلة القرآن. ومن اطلع على ما يعرف بـ”الوثيقة الفكرية الحوثية” التي نشرها الحوثيون خلال اجتماع ضم قادة الحركة في عام 2012م سيدرك أن إيران استخدمت الحوثي كحصان طروادة لتحويث وتطييف الزيدية، واحتكار تمثيلها وتأطيرها كطائفة تمثل نظيراً للخمينية الإيرانية، مرتبطة عضوياً ووظيفيا بها لتحقيق الهدف الأعظم، وهو: اختطاف يمن العروبة. ولم يكن الزيديون يعرفون، قبل ملازم حسين الحوثي، لم يكونوا يفقهون مقولات الاثني عشرية الصفوية التي أدخلت مفردات جديدة، وطرحت مفاهيم طارئة وغريبة، خطاب لا يمثل الزيدية التقليدية التي تؤمن بالتعايش والاختلاف، وهي جزء من الهوية اليمنية منذ أكثر من اثني عشر قرناً.

الشاهد الثالث يقع في أمريكا اللاتينية، وبالتحديد دولة فنزويلا، حيث يتمدد النفوذ الإيراني ويتغلغل داخلها عابراً البحار، من خلال حزب الله اللبناني. فالعلاقة بين حزب الله والحكومة الفنزويلية وطيدة، ووُصفت بمحور الممانعة. هذه العلاقة تأتي على أعلى مستوى، من خلال طارق العيسمي نائب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو سوري الأصل. في تقرير نشرته جريدة النيويورك تايم بتاريخ ٢ مايو ٢٠١٩م ظهر أن العيسمي ووالده يديران بالشراكة مع حزب الله شبكةً للاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال داخل أمريكا الجنوبية، ويشير التقرير أيضاً إلى وجود خلايا نشطة لحزب الله تم تأسيسها في منطقة كركاس، لتعزيز نفوذه داخل النسيج السياسي والعسكري في فنزويلا وإدارة شبكة الاتجار بالمخدرات عن قرب. واستعان العيسمي بحزب الله لتصفية المعارضة؛ فخلال العام المنصرم تم اغتيال مئة ضابط على يد عناصر من حزب الله حاولوا تغيير النظام، واسم العيسمي مدرج على قائمة العقوبات الأمريكية بتهمة تهريب وترويج المخدرات.

من خلال هذه الشواهد يتبين الفرق بين منهج القيادة السعودية ونظام الملالي في التعاطي مع الدول، فالملالي تقوم سياساتهم على انتهاك الخرائط والتسلل اليها وتغيير موازيين القوي في العواصم العربية من خلال اختراق سيادة الدول واغتصاب القرار السياسي داخلها واستعباد مواطنيها، وهذا النهج يعد خطاً أحمر لا تقبل القيادة السعودية تجاوزه، وخير شاهد على ذلك (وثيقة مكة المكرمة) الصادرة عن المؤتمر الدولي حول قيم الوسطية والاعتدال الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي وعقد في مكة خلال رمضان المنصرم.

تلك الوثيقة وما تحتويه من بنود تأتي تأكيداً لنهج السعودية في علاقتها مع دول العالم المبنية على شراكة تعزز الأمن والسلام حول العالم كما يوصي ديننا السمح، والأخذ في الحسبان نجاح مشروعات التنمية المستديمة بما يحقق الرفاه لكل دولة ضمن إطار عمل وعلاقة تعي خصوصية كل دولة، وتدرك أهمية احترام سيادة الدول واستقلال قرارها السياسي.

إن السياسة الخارجية للقيادة السعودية تعي روح الدين الإسلامي وقدرته على تحقيق رسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، التي أتت على لسان ربعي بن عامر -رضي الله عنه- عندما قال لكسرى ملك الفرس: “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة؛ ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام”.

لم تتوانَ السعودية في نشر العقيدة السليمة التي تدعو إلى عبادة رب العباد لا عبادة العباد، وذلك من خلال المراكز الإسلامية حول العالم التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، منذ أكثر من ستين عاماً، عكفت فيها المراكز الإسلامية في العواصم الدولية على نشر العقيدة السليمة التي تدعو إلى التوحيد وإخلاص العمل لله، وترسخ الهوية الوسطية وروح الدين الإسلامي، وتصحح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام.

إن هذا يعد فرقاً جوهرياً؛ فنظام الملالي يطالب عملاءه بولاء مطلق، وهو جزء من عقيدة أريد لها منذ ابتُدعت أن تملك خصائص ذات طابع يحقق لها أهدافاً سلطوية، هذا النهج الفكري كان ضامناً لتحقيق برامج الملالي وأطماعهم داخل تلك الدول؛ فتلك الأحزاب التي اخترقت النسيج السياسي والاجتماعي والعسكري أصبحت بمثابة العبد المخلص، إن صح التعبير.

وفق هذا النهج القويم يمكن أن نقول مجازاً إن السعودية لم تنجح حيث نجح نظام الملالي؛ لأننا لم نكن من قبل ولن نكون أبداً معول هدم داخل الدول الإسلامية ودول الجوار؛ ولهذا فنحن نعتز بهذا الموقف؛ لأن نوع النجاح الذي يعتقد البسطاء أن الملالي حققوه يندرج في إطار قول الله عز وجل (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا).

تعي القيادة السعودية خطر نظام إيران وأذنابه، لكن هذه البلاد تأبى أن تكون ذات يومً مصدرةً للثورات؛ بل هي مصدر الاستقرار والأمن الذي من شأنه تحقيق الرفاه لشعوب العالم باختلاف مشاربهم، وهذه هي مواطن النجاح التي لا تستطيع أي دولة في العالم مزايدة المملكة عليها بشهادة التقارير الدولية. وقد قال ولي العهد محمد بن سلمان لـ”الشرق الأوسط” في هذا السياق:

“دعم الاستقرار والسلام هو النهج الذي سارت عليه المملكة منذ تأسيسها، مع السعي دوما إلى نبذ التفرقة والتطرف، وإلى الحفاظ على وحدة المنطقة واستقرارها وعلى السلم الدولي”.

 

إقرأ أيضاً

فئران الدحيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *