عبَث الرواية والقصة بالتاريخ

موقع المثقف الجديد - عبدالواحد الأنصاري

ثمة شيء من البسط يحتاج إليه القارئ أو الروائي الشادي فيما يتعلق بالتفريق بين الشخصيات الحقيقية والمتخيلة في الأعمال الإبداعية بعامة والأدبية خصوصاً.

إن الذي أفضّله، من خلال تجربتي الروائية، هو أن يكتب الروائي عن الشخصية التي يحتاجها جو العمل، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، بشرط أن يكون قادراً على بنائها بناءً محكماً يستطيع به إقناع القارئ بها، وبشرط أن يراعي أن الكتابة عن الشخصيات التاريخية الحقيقية إنما هي كتابة عن “الذوات”، لا عن “شخصيات” مطلقة فحسب؛ فعندما تكتب أيها الروائي الشادي عن رمز ديني أو تاريخي مثل الغزّالي أو صلاح الدين فإن مساحة الحرية أقل مما لو كنت تكتب عن تاجر مصاغات مغمور أو خيالي كان معاصراً لهما، فمع تاجر المصاغات تكون مساحات الحرية أكبر، ولا يلزمك عندئذ سوى أن تتحوّط للجغرافية والبيئة والوقائع والعادات واللغات، وغير ذلك مما تتطلبه شروط الإقناع السردي.

أعلمُ أن ثمة من يعتقدون أن لهم الحرية في تصوير التاريخ والأشخاص كما يشاؤون، وفي تبديل حيواتهم أو تخريبها على الأصح، وأن ثمة من يعدون من المهارة الفنية أن يشكّكوا في حقيقة هذه الشخصيات التاريخية أو يعبثوا بها، ولا تستغرب من أحد هؤلاء إذا كتب لك رواية يقول لك فيها إن سبب زهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله هو أنه ارتكب جريمة قتل في أول شبابه الأموي، ثم ندم على ذلك، ولا إذا صوّر لك جلال الدين الرومي على أنه شخص طاهر نبيل بريء لا شغل له سوى الزهد والوجدان الصوفي (وقد ظن بعض المتوهمون ذلك)، بل لا تعجب مما هو أبعد من هذا وأنكى، ولك أن تتخيل سلسلة الأمثلة الطويلة من تلقاء نفسك.

فما دام الروائي أو الأديب أو المثقف، غير متحلّ بالعَقل المستقلّ والتذوّق الأبيّ فإنه يُتوقع منه أي شيء، بخاصة إذا كان يظن أن له “سلَفاً” غربياً (نسبة إلى الغَرب) يتّبعه في عمَله، فعندئذ هو مفتون بهذا السلف (الغَربي) كافتتان الابن غير المميز بتهاويل أمه وفلتات لسانها، ولا يستطيع أن يميز بين هذه التهاويل وبين صفاتها الأمومية النبيلة، فعلى رغم اعترافي بأن الرواية فن غربي خالص، ويكتسب عالميته من ترسمه الأصول الغربية في بناء الرواية (وهذا أمر أعترف به على مضض، فلا أحد أشد مني تمنياً لأن تكون الرواية فناً عربياً، غير أن الأمانيّ شيء والحق شيء آخر) أقول: على رغم ذلك فإن للرواية والقصة شروطاً فنية وذوقية وأدبية لا يمكن أن نقرّ بتجاوزها، حتى لو كان مرتكب هذا التجاوز من أساطين الرواية، فإن الأديب قد يكون مبدعاً على رغم الأخطاء التي ارتكبها، وليس بسبب تلك الأخطاء، وشتان ما بين الأمرين، فهل نقول: إن هيمنغواي كان مبدعاً لأنه كان سكيراً عربيداً جاسوساً، أو نقول إنه كان مبدعاً على رغم ذلك؟

ويحضرني الآن للتدليل على هذه الفكرة مثال ساقه عبقري الإنشاء المعاصر مصطفى صادق الرافعي في أحد ردوده على عميد الأدب طه حسين:

وهو أن قساً نصرانياً كتب في جريدة السياسة المصرية، يذكر تاريخ القديس بفنوس، الذي تناوله الروائي العالمي الفرنسي أناتول فرانس (الحائز جائزة نوبل عام 1921م)، وأوضح أن القديس بفنوس الذي تناول فرانس في رواية “تاييس” قد جرى العبَث به، وسخر الروائي من تقواه وصلاحه، ورماه بامرأة بغِيّ تركَته في الإثم وسقوط النفس، وصوّر أنه لا فرق بين القديس وهؤلاء البغايا اللواتي كنّ في عصره، ولم يكتف بذلك، بل رفع مكانة البغيّ والبغايا في هذه الرواية وجعلهنّ قديسات تتفتح لهن أبواب السماوات وتتلقاهن الملائك!

ثم ذكر هذا القس أن أناتول فرانس إنما تعمد بذلك إفساد التاريخ. ولم يكتف أناتول فرانس، بحسبه، بإفساد صورة الشخصيات التاريخية، بل عمد إلى التشكيك في وجود بعض الشخصيات المتواترة، فشكك في أصل وجود جان دارك، وذكر أنها شخصية لم يخلقها الله، وهي أشهر من نار على علَم.

 

وجان دارك هي التي يقول فيها عبدالرحمن فهمي في مقالة له في مجلة الرسالة:

“سيظل اسم جان دارك مقروناً بالإعجاب والدهشة إلى الأبد، لأن هذه الفتاة البسيطة أنفذت في حياتها القصيرة عملاً جليلاً يعد من معجزات الدهر. وهي بذاتها وحدة من عناصر العظمة، وقائدة حيث نسي معنى القيادة، وإلهام في جيل إنعدم فيه الإيمان، ومنقذة لبلادها من وهدت الضياع”.

ويضيف:

“وجان دارك رمز خالد للمحاربين الفرنسيين الذين عملوا معها على خلاص بلادهم من يد الأنجليز، وهي للفرنسيين الوطن الذي له يحيون ومن أجله يموتون، وهي في نظر الإنجليز ليست أقل من ذلك. ويقترن الاحترام المطبوع في نفس كل إنسان لجان دارك بالعار الذي لطخ الإنجليز به التاريخ بإحراق هذه الشهيدة القديسة ولا سيما إذا علمنا أن سبب إعدامها هو تخليص وطنها. ولتعجب عندما تعلم أن تسليمها إلى يد معذبيها كان بواسطة مواطنيها من أجل ثلاثين قطعة فضية بيعت بها”.

 

انتهى كلام عبدالرحمن فهمي هنا.

ونحن قد لا نعجب من هذا إذا علمنا أن أناتول فرانس، على رغم بلاغته الفريدة، ومحافظته على جزالة الفرنسية في عصره، واستحقاقه حيازة جائزة نوبل الأدبية، على رغم ذلك فهو في حقيقته الذاتية وقع فيما يقع فيه الكاتب العابث، يتبنى فكرة أن المعرفة لا قيمة لها، وأن التخيل يغني عنها، ويهزأ بالمستقبل، ويقول إن انتظاره لا شيء، والخوف منه غير مستحق، وغير ذلك من التهويمات العبثية غير المبالية، التي يمكن أن تصلح لأديب مرفه، ولكن لا يستطيع أناتول فرانس نفسه أو غيره أن يتبناها لو أمسى وهو مفلس أو هو مصاب بالسرطان، فضلاً عن أن تتبناها دولة في حرب عالمية أو تعاني أزمة مالية أو تعاني انتشار وباء إيبولا فيها، على سبيل المثال.

وفي موضوع مشابه، وفي مجلة الرسالة أيضاً ورد هذا التلخيص، تحت عنوان “رأي جديد في جان دارك”:

“أصدر الكاتب المؤرخ جان جريمود مؤلفاً حديثاً بعنوان (هل أحرقوا جان دارك؟) أنكر فيه قداسة جان دارك معبودة الشعب الفرنسي وأولى بطلاته، وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة في دوائر الأدب وبين أحبار الكنيسة الكاثوليكية الذين راحوا يناقشون مؤلفه ويسفهون أقواله. يقول جان جريمود في كتابه: إن الإنجليز لم يحرقوا عذراء أورليان في عام 1431م بل عفوا عنها وأطلقوا سراحها. وهو يستند في قوله هذا إلى ما يأتي: أولاً- أن جان دارك التي يُقال عنها إنها ابنة لأبوين فقيرين هي في الحقيقة ابنة لدوق أورليان شقيق كارلوس السابع واليزابيث دي بافيرا وقد تبنتها أسرة أرك. ثانياً- أن الإنجليز لم يحرقوا جان دارك، بل أحرقوا بدلها ساحرة محكومة بالإعدام. ثالثاً -أن جان دارك عادت إلى لورانا وتزوجت من شريف خامل الذكر يدعى روبرت دى أرمواز.

ومن الذين ردوا على جريمود الراهب اليسوعي دونكير الذي جعل حياته لدرس تاريخ جان دارك، فقال: إن كتاب جريمود مملوء بالأغلاط، فضلاً عن خلوه من أية أدلة تاريخية. وفي رأي الكاتب لوسيان فابر، الذي ربح جائزة جونكور الأدبية، أن مطالعة كتاب جريمود مَسْلاة، ولكن براهينه واهية لا تقع. ولكن جريمود يؤكد أن البرهان على أصل جان دارك هو في شعارها الذي يحمل الزنبقتين وإكليل شعار العائلة المالكة، وأن الفرق الوحيد في الخط الذي يخترق الشعار للدلالة على أصلها. ومن قوله أيضاً أن جان دارك قابلت كارلوس السابع في قصر شينون وكشفت له عن أصلها، وأن الإنجليز الذين أسروها وحاكموها كانوا يعرفون جيداً من هي أسيرتهم، وأن جان دارك اختفت بصورة غامضة خلال خمس سنوات قضتها في إنكلترا، وأن المرأة التي أُحرقت كانت ساحرة حُكم عليها بالإعدام، وأنهم خلافاً لما جرت به العادة لم يسمحوا للجمهور بالاقتراب من المحرقة، وأنهم ستروا وجه الضحية بنقاب كثيف حتى لا تُعرف. ومن الأدلة التي أوردها جريمود على صحة قوله إن جان دارك عادت إلى لورانا لتقترن بالشريف روبرت دي ارمواز في أرلون من أعمال لوشمبورغ، وإن وثيقة الزواج التي وقعها رئيس كهنة سانت تيبود في متز بتاريخ اليوم السابع من شهر نوفمبر عام 1436م تقول: (نحن روبرت دي ارمواز وجان عذراء فرنسا إلخ) تثبت أقواله. ومما قاله أيضاً إنه سيخصص كل أيام حياته لاكتشاف وثائق جديدة من شأنها إماطة اللثام عن هذه القضية”.

انتهى النقل من مجلة الرسالة.

 

 

لا تكمن خطورة هذه الفكرة في أنها تحكم بحياة شخص قيل إنه قد مات، أو بزواج امرأة قيل إنها كانت عزباء، أو بأن “سيناً” من الغابرين كان شخصية وهمية، فليست المحاذير آتية من هذه الجهة، ولو كانت الحال على هذه الصورة لكان شأنها يسيراً أشدّ اليُسر، وليس هذا ما ينتقده أهل العلم والمعرفة في الأمم كلها، وإنما هو ينقمون من التساهل الفج في التعامل مع التاريخ ما هو أبعد؛ فخطورة هذه الفكرة تكمن فيما وراء ذلك، أي: في لوازمها ومآلاتها التي منتهاها الوصول إلى تشويه التاريخ والذوات، بما في ذلك تشويه الرموز والأعلام التاريخية والوطنية، وصولاً إلى الذوات المعصومة كالأنبياء والمرسلين، ولو أننا تبنينا هذا العبث نحن المسلمين فإلى أين سيقف بنا، وكيف يحق لنا عندئذ أن نلوم أو ننتقد كاريكاتيراً مسيئاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالك برواية مثل رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي؟

ومن أجل ذلك كله رأيت أننا نحتاج جميعاً إلى شيء من البسط فيما يتعلق بالتفريق بين الشخصيات الحقيقية والمتخيلة في الأعمال الإبداعية بعامة والأدبية خصوصاً، فإن في الأمر محاذير وأطراً يجب أن يراعيها المبدع والأديب حتى لا يخرج من عوالم الفن الرحبة إلى ظلمات التحريف والعدوان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *