البعد الديني في مشروع عزمي بشارة

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

هاجم كثيرون من أصحاب الفكر الشرعي وطلاب العلوم الإسلامية عزمي أنطوان بشارة أحد عرابي الهوية السياسية القطرية في الإعلام العربي؛ وذلك الهجوم لسبب واضح، هو: محاولات بشارة صنع هوية قومية جديدة للعرب، بإزالة الحواجز المذهبية والدينية والعرقية، لمصلحة الهوية القومية التي يستمد ركائزها من الفكر الشيوعي الذي تربى عليه في شبيبته خلال انضمامه للحزب الشيوعي الصهيوني (ركاح) الذي كان يحاول استقطاب كثيرين من الدروز ونصارى العرب في فلسطين المحتلة، لمصلحة تعزيز قوّته في الكنيست الصهيوني.

لذلك وجب أن نعرف أن عزمي بشارة ليس مجرد سياسي متنفذ يستغل موارد مالية ضخمة لإشباع طموحاته المهنية وتحقيق مشروع شخصي، بقدر ما هي أجندة يحملها الرجل ويسعى إلى تطبيقها لغاية وهدف، وقد تكون انعكاساتها شمولية على العالم العربي والإسلامي، وأبرز هذه التبعات تجريد العرب من هويتهم الدينية، والتهوين من شأن الخلافات بينهم وبين الطوائف الدينية الأخرى؛ لتسهل صقل المجتمعات بهوية جديدة، ظاهرها قومي وباطنها متشبع بالإلحاد.

وقبل الخوض في أهم الطروحات التي ينادي بها بشارة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر وسائل البحث والإعلام المسخرة لخدمته يجب أن نستذكر ما قاله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حينما زاره في تونس عقب حصار بيروت، فقد كتب الأخير ورقة صغيرة ومرّرها إلى جهاز المخابرات الفلسطيني مضمونها “ضعوا هذا الرجل في دائرة المراقبة الحثيثة”.

عرض بشارة في حينه على عرفات فكرة تنظيم أعضاء الكنيست لمصلحة منظمة التحرير تحت غطاء مؤسسة فكرية، على أن تقوم المنظمة بتمويل مشروع بشارة المستقبلي. لكن عرفات الذي رفض المشروع كان يرى أن بشارة كان يحمل مشروعاً إسرائيلياً هدفه اختراق منظمة التحرير لمصلحة الموساد، وبعد تلك الواقعة استمر بشارة الذي شعر بالإهانة في حينه في البحث عن ممول، فتوجه إلى حافظ الأسد العدو اللدود لياسر عرفات، ثم حزب الله اللبناني، وأخيراً حطت به الراحلة في قطر.

أفادت المدرسة الشيوعية الصهيونية بشارة بدعمه ضمن دائرة المؤسسات البحثية الإسرائيلية، فقد تم تعيينه نائباً لرئيس معهد (فان لير) الإسرائيلي المتخصص في دراسات المجتمع ورسم سياسيات الهوية.

وكان من أبرز طروحات عزمي بشارة خلال عمله في المعهد ما نشره في مقالة بعنوان “الفوارق السياسية الدينية والتدين السياسي” وذهب فيها إلى القول “إن الحركات الإسلامية تقع ضمن إطار التدين السياسي، ولا يمكن القضاء عليها دون عملية علمنة يجب أن تمر بها المجتمعات العربية المسلمة”. وكان الهدف من ذلك التركيز في محاصرة المسلمين في إسرائيل ومحاولة تجريد المجتمع العربي في الداخل من هويته الإسلامية، من أجل إنشاء سلطة علمانية وقومية بديلة.

وفي كتابه “أن تكون عربياً في أيامنا” يقول عزمي بشارة: “القومية العربية حاجة عملية ماسّة وبراغماتية في الوصول، ليس إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي فقط، بل أيضاً لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة تحيّد معظم الطوائف والعشائر… عن التحكّم في انتماء الفرد السياسي”. ويضيف استكمالاً لما سبق: “في مثل هذا الظرف الذي تتجلى فيه واقعية الطوائف والعشائر وتشظّي الدولة وعدم قدرتها على بناء أمة قطرية، لم يعد ممكناً التعاطي مع القومية العربية كرومانسية إلّا كسوء نية سياسي يعبّر عن موقف… لا بد من طرح مشروع سياسي جديد منمٍ عن وعي إلى هذا التاريخ”.

في إحدى تغريداته عبر صفحته الرسمية على “تويتر” يخوض بشارة في التشكيك في الوحي، في إعلان واضح وصريح عن مشروعه الذي شمل فيما بعد الإساءة إلى الخلفاء الراشدين وانتقاص صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في احدى تغريداته:

“من التقاليد الإسلامية أن الكاتب أو المتكلم المؤمن يبدأ حديثه بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أمّا ابتداء الحديث بـ”اسم الله الرحمن الرحيم” فقد كان محصوراً بجبريل ومن يتلقى الوحي منه. فهو يتكلم باسم الله. كيف أصبح كل إنسان يتحدث باسم الله في بداية أي كلام؟ الله أعلم. يصعب الجزم متى وأين حصل ذلك. ولكن هذا ليس مستغرباً عند من قبل أن ينسب اسم الجلالة إلى بشر”.

خلاصة ما أود قوله في هذا المقال ذكره الباحث الفلسطيني الدكتور عادل سمارة في كتاب “تحت خط 48… عزمي بشارة وتخريب دور النخبة الثقافية”، وينقل سمارة في كتابه نص القسم الذى يقسم به عضو الكنيست، ليبين مدى الجرم الذى ارتكبه بشارة في حق نفسه ووطنه، يقول القسم : “أقسم أن يكون ولائي فقط لدولة إسرائيل، وأن أخدم وبولاء الكنيست الإسرائيلي، أقسم أن يكون انتمائي وبكل أمانة لدولة إسرائيل وأن أقوم وبكل أمانة بواجباتي في الكنيست الإسرائيلي”، ليسأل بعد ذلك سؤالا طبيعيا جداً ومشروعاً جداً، وهو: هل كان تبنّي عزمي بشارة الفكر القومي العربي مدخلاً أو ناقلاً لكسب دعم الشارع الفلسطيني لدخول الكنيست؟ أي: هل استثمر عزمي الشعور القومي في تلك المرحلة؟ وهل هذا الموقف هو الذي سوّق له في علاقته بسورية وحزب الله، وطبعاً في أوساط الكثير من المثقفين العرب؟ وهل استثمر كل هذا لخدمة علاقته بالكيان الصهيوني؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *