معاناة السوريين في تركيا

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

تزداد معاناة السوريين المقيمين في تركيا يوماً بعد يوم مع القرارات المتشددة التي صدرت مؤخراً تجاههم من وزارة الداخلية التركية وعدد من البلديات في مدن تركية رئيسة، وقد تزايدت أعداد اللاجئين السوريين إلى تركيا مع مطلع عام 2014م عندما فتحت تركيا حدودها لكل السوريين الراغبين الدخول إليها للوصول فيما بعد إلى القارة الأوربية، وقد انتشرت في تلك المدة السوق السوداء التي عملت على الاتجار بالبشر، بغرض تسهيل دخولهم بشكل أو بآخر القارة الأوربية، وخلال عامي 2014و2015م غضت الحكومة التركية الطرف عن أكثر من ثلاثة ملايين سوري دخلوها بطرق مختلفة، وقليل منهم مروا بشكل قانوني، ومعظمهم بطرق غير قانونية من خلال عصابات عملت على تهريبهم من الداخل السوري، مروراً إلى تركيا ومن ثَم الى اليونان، ومنها إلى أوربا، وكانت هذه الطريقة تكلف من يريد خوضها الموت أحياناً غرقاً في عرض البحر أو قنصاً من حرس الحدود في الدول التي يمر بها الهارب من جحيم الحرب الدائرة في سورية، وفي أقل تقدير كلفه ما بين 10 و15 ألف دولار أجور تذهب لعصابات تهريب البشر، وما بين عامي 2014و2015م نشطت في تركيا تجارة سرية من نوع أخر تقوم على تزوير وإصدار بطاقات شخصية للسوريين تشمل الهوية الشخصية وجوازات مزورة لمن يطلبها من الجنسيات كافة التي ترغب في اللجوء باسم الجنسية السورية، التي فتحت لها أبواب اللجوء إلى القارة الأوربية، وكانت تباع بأثمان باهظة للمضطر إليها بما يزيد على 5000 دولار، ومع الضغوط الشديدة التي مورست من الاتحاد الأوربي على تركيا لإغلاق حدودها في وجه حركة اللجوء تجاه أوربا أذعنت الحكومة التركية وأقفلت الحدود ليبلغ عدد من دخل القارة الأوربية حتى أوسط عام 2016م ما يزيد على مليون ومائتي ألف سوري، توزعوا بين الدول الإسكندنافية وألمانيا والدانمارك وبلجيكا وهولندا والنمسا وفرنسا، وبقي ما يزيد على مائتي الف لاجئ محبوسين حتى اليوم في معسكرات في دولة اليونان التي طالبت تركيا بتسهيل عودتهم، وقد رفضت الأخيرة استقبالهم بحجة أنها تستقبل ما يزيد على أربعة ملايين سوري، وطالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاههم، ومعظم من علق من المهاجرين السوريين في اليونان يعيشون حتى اليوم في ظروف صعبة جداً وفي مخيمات تفتقر إلى كل الخدمات التي يحتاجها الانسان، وتعد معسكراتهم كما وصفتها جهات حقوقية عالمية بأنها أقرب إلى السجن الكبير.

بعد عام 2016م سُمح للسوريين ممن يحملون الأوراق الرسمية بالإقامة والعمل، في تركيا ونتيجة لذلك انخرط السوريون وبقوة في المجتمع التركي وأسسوا مئات الشركات والمشروعات الاقتصادية التي شكلت رديفاً جيداً للاقتصاد التركي، ومع المشكلات الاقتصادية التي مرت بها البلاد ومن أبرزها العقوبات الأمريكية المفروضة عليها والتي أدت إلى تدهور الليرة التركية وازدياد البطالة والكساد في السوق التركي نتيجة تراجع المواسم السياحية، والتي ترافقت مع ظروف الداخل السوري وانحسار الثورة السورية وتراجعها وبدء بسط سلطة النظام على الكثير من المناطق السورية، مع كل هذه التطورات حدثت تفاهمات تركية روسية إيرانية فيما عرف بلقاءات أستانه، تنص بعض بنودها على عودة السوريين إلى بلادهم التي بات جزء كبير منها خالياً من أجواء الحرب، وأما في الداخل التركي فقد حدث تململ واضح تجاه السوريين؛ فأصبح لسان حال الشارع التركي وطبعا قبل ذلك الحكومة التركية يقول: لقد طال ليل السوريين وحان الوقت ليعودوا إلى بلادهم؛ فتركيا قد ضاقت ذرعاً بالسوريين.

وفي ظل هذه الظروف المحيطة بتركيا ازدادت درجة الغليان تجاه السوريين وانتشرت الاعتداءات العنصرية عليهم في مدن تركيا الرئيسة مثل: إسطنبول وأنقره وإزمير ومرسين، وخرجت مظاهرات في إسطنبول مطالبة بترحيلهم عن البلاد بحجة أنهم يشكلون عبئاً يزيد من أعبائها الكثيرة، كما طالبت المعارضة التركية علانية الحكومة بالوقوف مع شعبها والبدء بترحيل السوريين إلى بلادهم وإعادة العلاقات مع النظام السوري، الذي أدت القطيعة معه إلى وقف تدفق المنتجات التركية براً إلى دول الخليج العربي.

في ظل كل هذه الضغوط على الحكومة التركية كان لا بد لديها من اتخاذ قرار حاسم تجاه السوريين يزيد من شعبية حكومة أردوغان التي تواجه ضغوطات عديدة داخلياً وخارجياً؛ فصدر مؤخراً قرار يقضي بترحيل كل سوري لا يملك الإقامة التركية، وهذا القرار يعني بكل دقة البدء بترحيل مئات الالاف من السوريين ممن لا يملكون الوثائق السورية التي كانت السبب الرئيس في عدم حصولهم على الإقامة التركية، وجلهم ممن فروا من الحرب الدائرة في بلادهم وممن لا يستطيعون إصدار بدائل لوثائقهم القديمة المنتهية؛ لأنهم من معارضي النظام أو ممن فقدوا وثائقهم بسبب الحرب السورية المستعرة منذ عام 2011م.

إن إعادة هؤلاء السوريين وإجلاءهم إلى الشمال السوري ليست عملية آمنة حالياً، في ظل القصف اليومي من النظام السوري وحليفه الطيران الروسي، بل إن ذلك يعني الإسهام في القضاء من سيتم إجلاؤهم.

إن الوضع في تركيا غير مناسب حتى للسوريين الذين يمتلكون إقامات التركية؛ فمعظم السوريين يعانون صعوبة تأقلم أبنائهم في تعلم اللغة التركية في مدارس البلاد، ويضاف إلى رفض المدارس التركية قبول كثير منهم، إضافة إلى معاناة أسرهم من الغلاء الفاحش وارتفاع كلفة السكن والمعيشة؛ نتيجة تدني الأجور التي لا تتجاوز 800 دولار في أحسن الظروف، ومع كل هذه التعقيدات التي تحيط بالسوريين في تركيا بات كثير منهم يبحث عن ملاذ آمن جديد في أرض الله الواسعة يحفظ له ما بقي من كرامته وماء وجهه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *