حاج مغربي يروي قصّته مع الملك عبدالعزيز

موقع المثقف الجديد - محمد عبدالباقي

لطالما درج المغاربة قديما وحديثا على كتابة رحلتهم إلى البلاد المقدسة، واصفين شوقهم إلى الوقوف بتلك العرصات، مع سائر إخوانهم من المسلمين، ليكونوا ضمن من (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)، دون نسيان ما لاقوه من مشاق عسيرة ليس أقلها موت كثيرين قبل الوصول إلى مناهم البيت العتيق.

والقاضي المغربي أبو عبدالله محمد بن عبدالسلام السائح المتوفى سنة 1967ه- (1948م) ممن سجل رحلته في سفر أسماه: (لمحة البصر على البلاد المقدسة)، ويستعرض موقع المثقف الجديد لمحة بسيطة عن (لمحة السائح) معتمدين في ذلك على ما سجله عنها المؤرخ والسياسي المغربي الراحل عبدالهادي التازي في كتابه (رحلة  الرحلات.. مكة في مئة رحلة مغربية ورحلة)، الذي ألفه بمناسبة اختيار مكة عاصمة للثقافة الإسلامية سنة 1426ه.

كانت الرحلة – التي لم يعش صاحبها بعدها سوى عام واحد – في عام 1366ه- الموافق 1947م عبر القطار من المغرب إلى الجزائر، ثم أكمل إلى جدة بالسفينة، وكان الشيخ السائح هو من يرأس الركب، ويرافقه في السفينة نخبة من علماء المغرب وشنقيط آنذاك؛ وهذا ما جعل السفينة مدرسة لتعليم الحجاج ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

خرج القاضي من جدة إلى مكة المكرمة في الخامس من ذي الحجة الموافق 21 أكتوبر، راكبا السيارة، وعندما وصل إلى مكة نزل بالرباط المغربي في أجياد، الذي بني من أوقاف الحرمين وبه بيوت للحجاج، ثم نزل الطواف فورا متمتعا وبرفقة المطوف الشيخ عبدالرحيم الحريري، طاف القاضي ثم قبّل الحجر الأسود (ولقينا بجانبه حارسين سعوديين لتنظيم أمر الزيارات)، أنهى القاضي ورفاقه مناسك العمرة، وفي اليوم التالي، أي: السادس من ذي الحجة، دعاه الملك عبدالعزيز رحمه الله إلى حفلة استقبال في قصره. يقول القاضي: (فدخلنا أولا قاعة الانتظار، ثم دخلنا عليه وحوله حاشية متقلدون السيوف، تلمع من أعينهم الشهامة والعزة العربية)، وعندما استقبلهم الملك أجلس القاضي عن يمينه، وقرأ عليه رسالة ملك المغرب إلى الملك عبدالعزيز، وجاء فيها: (إلى حضرة الأخ الهمام سليل الأمراء العظام الحائزين من الفضائل أسناها، ومن مراتب العز أعلاها، المحلى بكل وصف محمود، جلالة الملك أبي فارس عبدالعزيز آل سعود، دامت شموس سعده في إشراق، وكواكب مجده في انتظام واتساق، وبعد حمد الله تعالى الذي هيأ للتعارف أسبابه، وفتح للتوادد أبوابه، وتمم برابطة الإسلام والعروبة نصابه، فجعل المؤمنين إخوانا، وألف بين قلوبهم ليزدادوا إيمانا، وتقديم تحية يتجدد بالتواصل عهدها، ويلمع بالمحبة عقدها، وسلام تام يذكيه الشوق لبيت الله الحرام، فطالما روت لنا الأنباء ما لجلالتكم من باهر المآثر، وعظيم المزايا والمفاخر في صيانة دعائم الدين، والمحافظة على شريعة النبي الكريم، والاهتمام بتسهيل سبل الحج على المسلمين، ليؤدوا فريضتهم، ويشهدوا منافع لهم. وبكل سرور نعبر لإخوتكم عن ابتهاجنا بجليل أعمالكم، وحميد مقاصدكم، زاد الله في مغناكم، وأخصب بفضله رياض مرعاكم.

هذا، وبمناسبة سفر رعايانا حجاج المغرب الأقصى لتلك البقاع الطاهرة، أوفدنا لحضرتكم السامية أحد كبار العلماء بمملكتنا المغربية قاضي عصمتنا الفاسية الفقيه العلامة المتضلع السيد محمد السائح بصفته رئيسا للوفد المغربي المؤلف من ستة أعضاء من سراة مملكتنا، وقلدناه فخر النيابة عنا في إبلاغ جلالتكم أسمى عواطفنا، وخالص مودتنا، مع ما نتمناه لشخصكم السعيد من الهناء والعمر المديد.

فالمؤمل أن يحظى منكم بمزيد التقدير والعناية، والاعتبار والرعاية، ووجهنا معه نصيبا من المال منه ما هو معين للحرمين، ومنه ما كلفناه بتوزيعه على فقراء البلدين، جعل الله ذلك من متقبل الأعمال، وكان لنا ولكم في الحال والمآل، ونلتمس من إخوتكم الدعاء لنا تجاه البيت الحرام والملتزم والمقام، أبقاكم المولى في عز لا تفنى ملابسه، ولا يحيد عن المجد والسؤدد مُلابسه، وعلى إخوتكم السلام التام في البدء والتمام).

وبعد ذلك قدم القاضي خطابا أمام الملك عبدالعزيز، تطرق فيه إلى دور القبلة الواحدة – الكعبة – وكذلك الحج في توحيد المسلمين، ويضيف: (وإن هذا الشعور ليكون اتحادا وثيقا بين الشعوب الإسلامية جمعاء، ووحدة روحية سامية بعيدة التأثير في المشاعر والعقول)، ثم عرج على دور الملك في خدمة بلاده (ذلك الملك الذي وقف نفسه على خدمة بلاده، وكان لها ابنا بارا مخلصا، كما كان ملكا محبوبا من شعبه الوفي، بل ومن لدن الأمم العربية جمعاء)، ثم تطرق للعلاقات التاريخية التي تربط المغرب الأقصى بالجزيرة العربية.

وفي اليوم التالي – السابع – كان يوم غسيل الكعبة، ودخل القاضي إلى البيت مع الملك عبدالعزيز، وقال: (أول ما فعله (أي الملك) أن صلى ركعتين على المرمرة الحمراء يتحرى المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخول البيت، ثم دار على أركان البيت ثلاث مرات، ثم وقف متهيئا لغسل البيت”، وأشار الملك إلى الخدم أن يناولوا القاضي من الماء المختلط بالورد “فحظيت ببركة غسيل الكعبة ويا لها من مزية).

ونزل الملك فازدحم الناس عليه، وتكلم، وتبين القاضي من حديثه ما معناه: (أن أهل فلسطين طلبوا مني معونتهم فأجبتهم بأن يعملوا بما في كتاب ربهم).

وفي مساء ذلك اليوم دُعي القاضي مع مجموعة من الحجاج إلى عشاء في القصر، وكان في استقبال المدعوين أبناء الملك، و”بعد برهة قصيرة أقبل جناب الملك، ومعه حاشيته بأزيائهم الرسمية”، وجلس في كرسيه وكان عن يمينه أبناء الإمام يحيى ملك اليمن، ثم أمراء البحرين فالقاضي، أما عن يساره فجلس طوسون وزير مصر.

وبعد فترة قام الملك إلى مائدة الطعام ومعه ضيوفه، ولم يفوت القاضي وصف المائدة: (أما الطعام فهو خرفان مشوية في أوان كبيرة، وقد أحاط بها كثير من أنواع المطبوخات، ولاسيما أصناف الحلواء والفواكه، وأمام كل آكل الشوكة والسكين يستعين بهما على الأكل. والخدم يطوفون حول هذه المنضدة لتقريب بعض أواني المأكولات أو تقديم الماء لمن طلبه).

وعقب الفراغ من تناول العشاء عاد الجميع إلى مكانهم (على الترتيب الذي كنا عليه)، ثم بدأ دور الخطب وإلقاء القصائد، فتقدم أولا شاعر الحضرة السعودية السيد أحمد الغزاوي فألقى قصيدة في مدح الملك والإشادة بمآثره، ولاسيما فيما يرجع إلى بث الأمن في تلك الربوع، واستئصال جرثومة أهل الفساد.

وفي اليوم الثامن يوم التروية خرج القاضي إلى منى ونزل بمنزل وصفه بالأنيق، وفي ضحى الغد توجه إلى عرفات راكبا سيارة (يقودها عربي أسود بسرعة مدهشة)، ولما انتهينا إلى عرفات في وقت الضحى (ألفينا في انتظارنا المطوف سيدي عبدالرحيم الحريري، وقد ضرب لنا قبة هائلة نصبت عليها الرايات المغربية، ورأينا مشهدا عظيما ذكرنا بالموقف، مشهد تسقط أقلام الواصفين حسرى من هيبته وجلاله، فاشتغلنا بالذكر والدعاء والتوجه إلى الله تعالى).

وبعد غروب شمس يوم عرفة توجه القاضي إلى مزدلفة للمبيت بها، ثم إلى منى مكملا أعمال يوم النحر، وفي اليوم التالي أشار إليه المطوف بالذهاب إلى قصر الملك عبدالعزيز لتهنئته بالعيد، (فذهبنا إلى قصره بمنى وجلسنا للانتظار بقبة خضراء، ثم دعانا للدخول عليه، فأخذنا مقاعدنا، وحضر يومئذ شيخ الأزهر مصطفى عبدالرزاق، فألقى خطابا بنبراته الحلوة)، أورد القاضي السائح خطبة شيخ الأزهر كاملة، ومما جاء فيها: (حين كان الطريق إلى الحج غير ممهد، وكان الأمن في الحجاز معدوما درجت الدول الإسلامية على إرسال كتائب من الجند مدججة بالسلاح تصحب ركب الحجاج، وتشق لهم السبيل إلى بيت الله. وكان يتولى زعامة هذه الكتائب قائد عسكري، وهو أمير الحج. لكن عهد الملك الجليل عبدالعزيز آل سعود مهّد السبيل، وأقر الأمن في البوادي بما لا نظير له في أعظم المدائن حضارة ورقيا، فأصبح الحاج مطمئنا، يسير إلى الأماكن المقدسة غير محتاج إلى حماية سلاح، إلا سلاح الإيمان بالله رب هذا البيت الذي جعله مثابة للناس وأمنا، وهذه إحدى مزايا الملك العربي الكريم، وإحدى أياديه الجسام).

وبعد فراغ شيخ الأزهر من خطابه، ألقى الغزاوي شاعر الحضرة قصيدة في تهنئة الملك. ثم دعا الملك الحضور إلى حفلة استعراض الجيوش التي قام بها ولده الأمير منصور.

وفي تزاحم مناسك الحج والرسميات المنوطة بالقاضي لم ينس ما يهم عامة الناس، إذ يسجل أسعار الصرف في مكة، فيقول: (أما بورصة مكة فالليرة المصرية صرفها بالريال السعودي اثنا عشر ونصف وقرشان، فالريال السعودي عشرون قرشا. والليرة الإنجليزية الذهبية تصرف بخمسة وستين ريالا سعوديا، وبخمس ليرات مصرية ورقية. والألف من الإفرنك يصرف بخمسة عشر ريالا سعوديا إلى سبعة عشر). ويضيف: (ولأهل مكة مهارة عجيبة في الصرف بكثرة السكك المختلفة النافقة ببلادهم).

وبعد فراغ القاضي من مناسك الحج دعاه الملك للوداع: (فجلست إلى يمينه كيوم أول)، وطال حديث الملك المتنوع، ثم ودعه الملك، ولما خرج من ردهة الاستقبال: (ألفيت بالباب السيد رشدي ملحس وبيده جواب الملك إلى حضرة ملكنا المحبوب، فتلقيته باليمين).

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *