الحج من الشام إلى مكة في رحلة ناصر خسرو

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

كانت الحياة السياسية في الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية، أي: إيران والعراق والشام، مضطربة أشد الإضطراب في القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس، فإن دولاً كثيرة اقتسمت الحكم فيه، وكان بعضها يكبر على حساب بعضها، وفي هذه البيئة نشأ ناصر خسرو في قباديان، عام 394هــ لأسرة متوسطة الحال ونشأ نشأة سنية في بلاط حماة السنة وقت ذاك. وتبدلت الأحوال السياسية ونجح السلاجقة في القضاء على الدويلات الشرقية، وأفلحوا في توحيد الدولة الإسلامية، فالتحق ناصر بخدمة جغري بيك السلجوقي حاكم خرسان.

يقول خسرو عن بواعث رحلته إلى مكة إن الذي دفعه إليها ما قرأ في القرآن الكريم في سورتي محمد والفتح: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، وما ورد في القرآن الكريم ما يفرج الكربة ويبدد الشك في نفسه، وقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)؛ فحينئذ أخذته الحماسة ونهض من مقعده وعزم الرحيل للشجرة التي بايع المؤمنين تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وطلب خسرو إعفاءه من عمله في ديوان الحاكم السلجوقي واتجه إلى بيت المقدس راغباً في استكمال رحلة استمرت لسبع سنوات.

يتحدث كتابه (سفر نامة) عن فلسطين واصفاً عكا وهي المدينة الأولى التي حط بها بعد لبنان، قادماً من إيران، باتجاه مكة، فيقول:

(بعد أن سرنا سبعة فراسخ من صور، بلغنا عكا، وتكتب هناك (عكة) وهي مشيدة على مرتفع بعضه أرض وعرة وبعضه سهل، ولم تشيد المدينة في الوادي المنخفض مخافة غلبة ماء البحر عليها، وخشية أمواجه التي تعج على الساحل، ومسجد الجمعة وسط المدينة، وهو أعلى مبانيها، وأعمدتها كلها رخام).

ويستكمل: (قال سكان عكا إن في الطرق أشراراً يتعرضون للغرباء، فأودعت نفقتي بمسجدها وخرجت من بابها الشرقي، يوم السبت الثالث من شعبان سنة 438هــ).

ويصف خسرو طبريا في كتابه: (لها سور حصين، يبدأ من شاطئ البحر ويمتد حول المدينة والطرف المحدود بالبحر ليس له حائط، وبها مبان كثيرة في وسط البحر، فإن قاعه صخري، وفي بحرها سمك كثير، ومسجد الجمعة في وسط المدينة، وعند بابه عين ماء، ويقال إن من بناءه سليمان بن داوود عليه السلام).

في الخامس من رمضان سنة 438هــ وصل خسرو إلى بيت المقدس بعد عام من خروجه في رحلته من خرسان، ويقول: (طوال رحلتنا لم نقرّ في مكان قط ولا وجدنا راحة تامة، ويذهب إلى القدس في موسم الحج من لا يستطيع الذهاب إلى مكة من أهل الولايات. سواد ورساتيق بيت المقدس جبلية كلها، والزراعة والأشجار والزيتون والتين تنبت كلها بغير ماء).
ويكمل: (عزمت على مغادرة بيت المقدس إلى مصر لإكمال رحلة الطريق براً؛ لتعذر السفر عبر البحر بسبب الرياح. وصلنا إلى تنيس وهي مدينة مزدحمة ومليئة بالأسواق وقد يبلغ عدد الدكاكين بها عشرة آلاف دكان، لكنها مدينة فيها الحر شديد في الصيف وتنتشر فيها الأمراض).  ويقول خسرو: (حينما اقتربنا إلى البحر ركبنا السفينة في النيل، حيث كلما اقترب من البحر انقسم الى قسمين، نحن ركبنا فرع الروم منه حتى بلغنا مدينة تسمى الصالحية، وهي مدينة كثيرة النعم والخيرات وتصنع فيها السفن).

(ومن يريد الذهاب من مصر إلى مكة يلزمه الاتجاه نحو الشرق، فإذا بلغ القلزم وجد طريقين، أحدهما بري والآخر بحري، وهو يبلغ مكة من طريق الأول في 15 يوماً، في صحراء طولها ثلاثمائة فرسخ، وتذهب من خلال هذا الطريق كل القوافل الآتية من مصر، فإذا سار من طريق البحر بلغ الجار بعد 20 يوماً، وهي مدينة صغيرة من الحجاز تقع على شاطئ البحر. ومنها إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، ومن المدينة إلى مكة ثلاثمائة فرسخ).

وينقل خسرو بعض ما يعرفه عن الحج في مصر على هذا النحو:

(يقرأ منشور السلطان في المساجد بحلول منتصف رجب، وهو: يا معشر المسلمين، حل موسم الحج، وسجهز ركب السلطان المعتاد، وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد. وينادى بذلك في شهر رمضان، ويبدأ الناس في السفر ابتداء من اول ذي القعدة، وينزلون في موضع معين ثم يسيرون في منتصف الشهر. ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف دينار مغربي في اليوم، هذا عدا عشرين ديناراً مرتبة لكل جندي فيه. ويبلغون مكة في خمسة وعشرين يوماً، ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي، عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق).

ويضيف: (لقد قرئ على الناس سنة 439هــ مرسوم سلطاني جاء فيه: يقول أمير المؤمنين إنه ليس خير أن يسافر الحجاج هذا العام؛ فإن به قحطاً وضيقاً وقد هلك به خلق كثيرون، وإني أقول هذا شفقة بالمسلمين، فلم يسافر الحجاج).

ويواصل: (كان السلطان يرسل كسوة الكعبة مرتين في العام، فلما جاء موعد وفد السلطان سافرت معهم من طريق القلزم).

ويصف المدينة المنورة، التي وصل إليها بعد رحلة استمرت 20 يوماً:

(المدينة بلد على حافة الصحراء أرضها رطبة وملحة، يجر بها ماء قليل وهي كثيرة النخل، غادرناها بعد يومين لضيق الوقت؛ فسرنا شرقاً. وقد بلغنا مكة في السادس من ذي الحجة، ونزلنا عند باب الصفا، وكان بمكة قحط، وقد أدينا فريضة الحج لله الحق سبحانه وتعالى ولبثنا يومين، وقد خرج من الحجاز خلق كثير مما اصابهم من الجوع والفقر. وتفرقوا في البلاد).

وفي رحلة حجه الثانية يقول:

(بلغت مكة في الثامن من ذي الحجة وأديت فريضه الله سبحانه وتعالى، وقد حدث أن قافلة عظيمة أتت للحج من بلاد المغرب وأثناء عودة حجابها، عند باب المدينة، طلب العرب (الخفارة) منهم فقامت حرب بينهم، وقتل من المغاربة ألفا رجل، ولم يعد كثير منهم إلى المغرب، وفي هذه الحجة قدم جماعة من أهل خرسان، من طريق الشام ومصر، فبلغوا جهة المدينة بالسفينة، وقد بقى عليهم أن يقطعوا مائة فرسخ وهم في الرابع من ذي الحجة، فقالوا إن كلاً منا يدفع أربعة دنانير لمن يوصلنا إلى عرفات لنلحق الحج، فجاء الأعراب وأوصلوهم على جمال سريعة، وقد هلك اثنان منهم، وكانوا موثقين على الجمال، وكان أربعة منهم نصف أموات. وقد بلغوا عرفات وكانوا لا يستطيعون الوقوف أو الكلام، قالوا: إنا توسلنا إليهم كثيراً في الطريق أن يتركونا ويأخذوا الذهب الذي اشترطنا لكنهم رفضوا، ولم يسمعوا لنا، وساقونا رغم عدم قدرتنا على إكمال الطريق.

وفي خاتمته يصف ناصر خسرو مكة:

(تقع مكة بين جبال عالية، ولا تُرى من بعيد، من أي جنب يقصدها السائر وأقرب جبل إليها جبل أبي قبيس، وهو مستدير كالقبة، ولو رمي سهم من أسفله لبلغ قمته، وهو شرقي مكة، فترى الشمس من داخل المسجد، وقد نصب على قبته برج من الحجر يقال إن إبراهيم عليه السلام رفعه عليه. وتشغل هذه المدينة الوادي الذي بين الجبال، والذي لا تزيد مساحته على رمية سهمين في مثلها، والمسجد الحرام وسط هذا الوادي، ومن حوله مكة والشوارع والأسواق، وحيثما وجدت ثغرة بين الجبال سُدت بسور قوي، ووضعت عليه بوابة، وليس بمكة شجر إلا عند الباب الغربي للمسجد الحرام المسمى بـاب إبراهيم، حيث يوجد كثير من الشجر الكبير، يرتفع على حافة البئر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *