وحيد الدين خان: “الحج” لا يكتمل إلا باستبعاد السياسة

موقع المثقف الجديد - عبدالرحمن الصالح

إذا كان الحج موعدا لتجدّد ميلاد الفرد المسلم، فهو منصة سنوية للمسلمين، حيث يعلنون ارتباطهم بالدعوة الإبراهيمية المحمدية وتوحدهم حول مركز الهداية ومنبع النور، لكن ذلك لن يكون ممكنا إلا بإبقاء فريضة الحج بعيدة عن السياسة بصورة كلية.

ذلك ما يبشّر به صاحب كتاب (الإسلام يتحدى) المفكر الهندي وحيد الدين خان في كتاب له حمل عنوان (حقيقة الحج)، الصادر في (1408هـ-1987م) بترجمة ظفر الإسلام خان.

ويحمل الكتاب صبغة فكرية تجول بالقارئ عبر ثمانية فصول في تأمل سيرة الحج وبدئه وصولا إلى تمام شعائره، ويذكر أطرافا من رحلة الكاتب ومواقفه من أحداث عايشها في زمانه، مع إطلالة تاريخية لاستعادة صورة الحج النقية، ودروس وشذرات وتلخيص لبعض مسائله.

ويحمل خان مهمة إحياء الحج بروحه الأصلية التي تقتضي تسخيره لعرض تجارب مختلف البلدان يتحول بها الحج إلى مكتبة ثقافية بمختلف اللغات، مع التنبيه على أن مسؤولية المسلمين الأساسية هي الشهادة على الناس، كما أن علاقتهم مع الشعوب الأخرى هي علاقة الداعي بالمدعو رغم غياب هذه الحقيقة عند المسلمين المعاصرين.

ويرفض خان الأنشطة الحركية التي تشوه وجه الحج، مقترحا إقامة جامعات من الطراز الأعلى لتكون موجهة للدعوة بصورة كلية، وتربي الدعاة وتنشئ مكتبة تخلق العقلية الدعوية من جديد، لكون الكتب الإسلامية التي ألفت في العصر الحديث مكتوبة بدافع رد الفعل على وجه العموم والرد على حملات الشعوب الأخرى الفكرية والعملية، ولم تظهر لأجل الدعوة إلى الإسلام بصورة إيجابية.

ويربط خان تحويل مؤسسة الحج إلى مؤسسة عالمية للدعوة بشرط ضروري يتمثل في إبقاء فريضة الحج بعيدا عن السياسة بصورة كلية، عائدا إلى صفحات رحلته عام 1402هـ حين أدى فريضة الحج في سبتمبر سنة 1982م، ورأى ذات يوم في بيت الله الحرام أناسا من بلد معين دخلوا المسجد الحرام وبدأوا يرفعون شعارات بحياة زعيم بلدهم، فتجمع حولهم كثير من الحجاج وبدأت بينهم مناقشات خلافية، واستمرت طويلا، معتبرا أن هذه الجهالة حولت المسجد إلى جو النزاع السياسي.

ويستشهد كذلك بما حدث له بالمدينة المنورة، حيث كان يقيم بأحد الفنادق وجاءه بعض الشبان إلى غرفته حاملين كتيبات مطبوعة بالإنجليزية والعربية، وكانت تحتوي على هجوم على حاكم بلد إسلامي معين، وقدموها إليه، فقال لهم: إنكم تضيعون وقتكم الثمين وتسيئون استخدام الحج أيضا، واستمر الشبان في مجادلته حتى انصرفوا غاضبين.

ويوضح أن هذا الاتجاه خطير في الزمن الحاضر، فبعض المنظمات والحكومات تنظر إلى الحج من زاوية أنه تجمع عدد كبير من المسلمين في وقت واحد ومكان واحد؛ ولذلك تريد استخدامه لأهدافها السياسية المحدودة، وهو أسلوب خاطئ تماما يعارض أهداف الحج بصورة كلية.

وذكر خان أن إحصائيات الحج في سنة 1402هـ التي أعلنتها الحكومة السعودية بلغت 853.555 حاجاً من الخارج، مبينا أن الحج ليس أن يذهب واحد منا إلى ديار الحرم ثم يعود، بل الحج هو أن يتمتع الحاج بالكيفيات التي من أجلها فرضت هذه الفريضة، مجسدا تلك الحالة من خلال مقامات الحج، وكأن الحاج ينتقل من دنياه إلى الدنيا الإلهية، كأنه يلمس ربه، ويطوف حوله، ويسعى إليه، ويسافر من أجله، ويقدم “الهدي” أمامه، ويرمي بالجمرات أعداءه، ويسأله كل ما كان يتمنى أن يسأله، ويظفر منه بكل ما كان يتمنى أن يحصل عليه.

 

ويرى أن الموقف في عرفات منظر تمثيلي ليوم الحشر، حيث يقدم الكل صفاتهم المتميزة، كما يعد الخروج إلى الحج جهادا في سبيل الله، فكل شعائره إظهار عملي لنشاط الإنسان من أجل الله وفي سبيله، بحيث لا يقر له قرار في سبيل تحويل الإسلام إلى حقيقة عالمية ولنشره على المستوى الدولي.

وذهب إلى أن ترديد الأدعية المكتوبة في الكراريس البدعية لا توفي بمتطلبات الذكر والدعاء المطلوبين في الحج، منتقدا إرهاق الحجاج بمسائل الفقه التي لا يمكن للشخص العادي الإحاطة بها، ويؤكد أنه لا يمكن القيام بالحج أو الصلاة إلا برؤيتها مستشهدا بحديث: صلوا كما رأيتموني أصلي دون تفصيل.

وتعرض لما رآه في زمانه من أن 95% من الحجاج كانوا من كبار السن والطاعنين فيه، إلى درجة أنه يصعب عليهم أداء المناسك، مفضلا إرسال من يحج بدلا عنهم بدل الحج عن الأموات الذي كان رائجا حينها.

ويستعيد خان تاريخ الحج عبر سرد تاريخي تأملي، موضحاً أن الفاصل بين دعاء إبراهيم بأن يظهر رسولا من نسل إسماعيل وتحققه نحو 2500 سنة، معيدا السبب في تأخير الاستجابة إلى أن نسلاً جديداً كان يُعدّ خلال تلك المدة ليفكّر بعيدا عن تسلسل الشرك الفكري ويكون مستعدا ومؤهلا نتيجة التربية الصحراوية لكي يقف بجانب الرسول ويساعده على تكميل رسالته، ولهذا سميت هذه المجموعة خير أمة، وهي أعجب أمة في التاريخ على حد تعبيره، حيث إن جزءاً منها عادى الرسول في بداية الأمر، إلا أنها وقفت إلى جانبه بعد ذلك بكل قوتها عندما فهمت الأمر وأدركت الحقيقة.

وفي تحليل للحالة النفسية لمجتمع العهد النبوي يذكر بمفتاح الشخصيات عند عباس العقاد، يحصر “خان” الصفة المميزة لنسل إسماعيل في أنهم كانوا ينظرون إلى الأشياء نظرة حرة مستقلة، وأن بإمكانهم الاعتراف بمثل هذه الحقيقة، فهم يتمتعون بكامل الكفاية للاعتراف بالحقيقة، موردا ثلاثة أمثلة يستدل بها على تحليله، حيث إن فئة آمنت بالحق فور اطلاعها عليه، وأخرى أنكرت النبوة ابتداء ثم عادت للاعتراف بعد الفهم، وثالثة لم تعترف بها للحفاظ على رئاستها ومراكزها.

وتستوقف خان قضية العصر الحاضر التي هي عين قضية العصر القديم مع فرق أن “شاكلة الشرك كانت تغلب على أذهان الناس في العصور الغابرة أما اليوم فتغلب عليهم شاكلة الإلحاد” لافتاً إلى أن أهم واجب إسلامي اليوم هو تحطيم هذه الشاكلة الفكرية، وأن تسير حملة الإسلام اليوم على المنهج نفسه الذي سارت عليه في قديم الزمن.

ويذكُر خان بأن عمل الحج لا ينتهي بعد الفراغ من الشعائر بل يبدأ بعد الانتهاء منها، فالتلبية معاهدة بين العبد وربه على إعادة تاريخ معين وإقرار باستعداد العبد لتكرار الحياة الابراهيمية توحيدا وعملا وأسوة وتضحية.

وفي عرضه الجانب العاطفي في الحج يتناول الشعائر التي تشكل علامات وتذكارات، موضحا أنها ليست أصلا بذاتها بل تذكّر الحُجّاج بالأصل بناء على علاقة مّا، كجبلي الصفا والمروة اللذين يستدعيان عبادة الله والاعتماد عليه والثقة به وحده، وكذلك الكعبة والحجر الأسود ومقامات الحج الأخرى.

ويشير خان إلى أن الحج هو المقام الطبيعي لمعالجة القضايا الاجتماعية، ولذلك أعلنت أهم أمور الإسلام في مناسباته، لكونه المركز الاجتماعي لكل مسلمي العالم؛ فهم يجتمعون عليه ويعلنون وحدتهم الكبرى عنده كما يضعون خضوعهم لأوامر الله ورسوله.

ويُبرز خان المفارقة التي يحملها الحج قبل الإسلام وبعده، حيث كان في الجاهلية مهرجانا قوميا بدلا من أن يكون عبادة لله الواحد، فكان يجري فيه كل ما يحدث في المهرجانات القومية عموما، وقد ألغى الإسلام كل هذه الأشياء، داعيا إلى تجنب الرّفث والفسوق والجدال اجتنابا كلّيا خلال أيام الحج، والرفث يعني الانشغال بالأمور الشهوانية والفسوق عصيان الله تعالى والجدال المخاصمة بين الناس.

ويلخّص حجة الوداع النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا)؛ فهي تهدف إلى سد كل أبواب الظلم سواء أكانت ناتجة عن أوهام كاذبة أم قوانين خاطئة أم أنانية فرد من الأفراد، مؤكدا أن الكتاب والسنة هما المعياران الوحيدان لتنظيم المعاملات بين البشر، ومنع أن يتقاتلوا فيما بينهم، مذكراً بأن خطبة الحج إعلان حي، والحاج الحقيقي هو الذي يستمع إلى هذا النداء ويعود من الحج وقد أصبحت هذه الخطبة منهاج حياته كلها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *