نصارى في مراسم كربلاء!

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011م شاركت كتائب عسكرية نصرانية لبنانية وسورية في القتال الى جانب حزب الله وإيران، حاملين تارة لواء (يا ثارات الحسين) وتارة أخرى: (لن تسبى فاطمة مرتين) ورايات أخرى مختلفة، ومن أبرز الكتائب التي شاركت في القتال في سورية كتيبة الحزب القومي السوري لمؤسسة أنطون سعادة، وكتيبة حراس الأرز، وهي قوة عسكرية نصرانية لبنانية لا تقبل بين صفوفها سوى الشباب الماروني، وكان من أبرز مؤسسيها الشاعر المعروف سعيد عقل وزياد رحباني نجل الفنانة الشهيرة فيروز!

وتعزو هذه القوى مشاركتها في الحرب السورية الى جانب القوى الشيعية المختلفة بأنها تفعل ذلك حماية لنفسها؛ فتحالف الأقليات كما وصفه ذات يوم الزعيم النصراني اللبناني بشير الجميل هو خير حماية للأقليات من الأكثرية المسلمة المحيطة به!

لا يخفى على أحد اليوم أن التحالف النصراني الشيعي في لبنان لم يعد ينحصر فقط في المجال السياسي المتمثل في تحالف التيار الحر الذي يتزعمه الرئيس اللبناني ميشيل عون مع تكتلات نصرانية أخرى يتزعمها حزب المردة مع كل من حزب الله وحركة أمل، بل تعداه ليصبح حلفاً عسكرياً يسهم بفعالية في الحرب السورية إلى جانب النظام السوري ضد معارضيه، ولقد أسهم تحالف التيار الوطني الحر الحاكم في لبنان مع إيران وحزب الله في بث شعور عام لدى نصارى لبنان أن التحالف مع حزب الله هو صمام الأمان لهم وأنه الحامي الوحيد لهم في ظل الضعف المتمادي للدولة اللبنانية.

وفي أوضاع كهذه استطاع حزب الله التمدد والاستحواذ على جزء كبير من نصارى لبنان، وإقناعهم بأن الخطر الحقيقي على مستقبلهم يكمن في محيطهم السني في لبنان وسورية، ونتيجة هذا الخطاب لم يعد في لبنان نصارى لهم موقف خاصّ بهم، بل أصبح هناك نصارى شيعة ينسجم موقفهم مع موقف إيران، وكان للرئيس ميشيل عون دوره الكبير في ربط مستقبل النصارى مع الشيعة في تحالفٍ واحدٍ ضدّ السنّة في لبنان، ولطالما طالبَ هو وصهره وزير الخارجية جبران باسيل بطرد اللاجئين السوريين من لبنان؛ لأنهم يزيدون نسبة السنّة على حساب الشيعة، كما تسيرُ قناته التلفزيونية (OTV) على نفس النهج النصراني الشيعي، حيث تطل الإعلامية النصرانية غدي فرنسيس في ذكرى عاشوراء ومن مقام السيدة زينب في دمشق، لتقول: (نحن الشيعة نزداد إصراراً في عاشوراء؛ لأنّ الدم ينصرنا، نحن الشيعة نزداد قوةً في سورية؛ لأننا نقدّم الدم، نحن الشيعة لن ندع دمشق تسقط لأننا حلفاء الدولة السورية ضد أعدائها التكفيريين المتشددين)، لقد بات عدد كبير من السياسيين والاعلاميين والمثقفين المسيحيين في لبنان اليوم منضوين تحت هوية النصراني الشيعي، ويحضرون خطاباتِ حسن نصر الله مع جمهور الهتّافين، ويروّجون له ولسياسته وعقيدته في كتبهم ووسائل اعلامهم.

 

مطارنة النصارى في عاشوراء الضاحية والست زينب

اللافت في مشاهد عاشوراء الحسين التي أقيمت في سورية ولبنان هذا العام هو مشاركة عدد كبير من أبناء طوائف النصارى فيها، بل قام بعضهم بتشبيه ما جرى للحسين بن علي رضي الله عنه بما جرى حسب معتقدهم الديني للنبي الرسول عيسى بن مريم عليه السلام، وفي مقر المجلس الشيعي الأعلى أكد مطران ​طائفة السريان الأرثوذكس في لبنان ​ جورج صليبا​ خلال مشاركته في مراسم ذكرى مقتل الحسين أن العبرة مشتركة ومتشابهة فيما جرى للمسيح عيسى بن مريم والحسين رضي الله عنه؛ فكلاهما ضحى بنفسه في خدمة نشر الحقيقة والعدالة!

وفي سورية شارك المطارنة ورجال الكنيسة في مراسم عاشوراء في منطقة الست زينب، وفي المناسبة نفسها وجّه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم مار إغناطيوس أفرام الثاني رسالة مواساة للزعامات الشيعية في دمشق بهذه المناسبة التي وصفها بالحزينة! أما عموم أبناء طوائف النصارى في سورية ولبنان فقد بات حضور ومشاركة فئات مختلفة من أبناء هذه الطوائف في مجالس عاشوراء أمراً شائعاً ومستساغاً لدى الكثيرين، بل أصبح كثير من الكتاب ووسائل الإعلام المتنوعة التابعة والممولة من جهات أو أحزاب نصرانية تبث برامج تلفزيونية أو تنشر مقالات افتتاحية صحفية تشيد بعاشوراء الحسين! وقد انتشرت هذه الظاهرة منذ بدء الأزمة السورية، وبات الكثير من نصارى الشام يشاركون الشيعة في فعالياتهم.

ويرى كثيرون أن المشاركات باتت تتوسع عامًا بعد آخر، وخلال مجالس عاشوراء التي يقيمها حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية كان لافتًا حضور قيادات دينية وشبان نصارى المجالس الحسينية التي تُنسَب إلى واقعة عاشوراء عام 61هـ أي قبل نحو 1400 عام، ويُعد إحياؤها حكرًا على الطائفة الشيعية، واعتبر تلفزيون المنار التابع لحزب الله أن المشاركة النصرانية الواسعة لهم في مراسم الحسين تعد انتصاراً لقوى الخير على قوى الشرّ ورحب حزب الله بهذه المشاركة التي قال إنها تصب في نهر الإخاء الديني، وتنم عن أبعاد دينية وروحية عديدة، وترى قيادات دينية نصرانية أن مشاركة النصارى في مراسم كربلاء تشبه مثيلتها التي جرت على (درب الجلجلة) و(آلام المسيح)!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *