تخريب جبهة النصرة في سورية

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

في أواسط عام 2011م قامت مجموعة تنتمي فكرياً لتنظيم القاعدة في العراق يرأسهم شخص يدعى أبومحمد الجولاني بإعداد جبهة ادعت أن مهمتها نصرة الشعب السوري ومساعدة الجيش الحر في العمل على إسقاط نظام بشار الأسد، والمساعدة على إقامة دولة إسلامية بديلة للنظام المسيطر على البلاد.

وبحسب (موقع ويكيبيديا): جاء أبو محمد الجولاني برفقة ستة أشخاص من بلاد عربية عديدة إلى سورية، وهناك التقى هناك مجموعة من الإسلاميين المُفرج عنهم من سجن صيدنايا العسكري في ريف دمشق، وكان النظام السوري قد أعلن حينها على لسان بشار الأسد أن ما يزيد على 60 ألف إسلامي خرجوا من سجون مختلفة في سورية، وهؤلاء حسب التقارير علموا بشكل أو بآخر مع نظراء لهم من الخارج على زعزعة استقرار البلاد والإسهام في بث الفوضى فيها.

كل المجموعة التي تم الافراج عنها أصبحوا يقاتلون قيادات في صف الثوار السوريين، وبمجرد مجيء الجولاني أعلنوا الانضمام إليه في مشروعه المؤسس لفرع لتنظيم القاعدة في سورية، وفي العام نفسه تم تأسيس ما عرف بجبهة النصرة؛ لمحاربة النظام السوري، ومع بدايات عام 2012م تعاظم حجم الجبهة بشكل ملحوظ، فباتت قوة عسكرية ومالية لا يستهان بها، وتمتلك قواعد حديثة لتدريب كوادرها على أشكال القتال العسكري كافة، وتدفع رواتب تتجاوز 400 دولار لكل منتسب لها، وهذا ما شكل إغراء لأعداد كبيرة من الشباب للانتساب إليها، وكان رأس مال الانتساب إليها التظاهر بقبول فكرها التكفيري والظهور بمظهر مشابه لما عليه رجال التنظيم، وزادت قوّة جبهة النصرة بفضلِ ضمّها عدداً كبيراً من الجماعات المسلحة الناشئة في سورية وتوفرها على قوة قتالية فعالة ومُنضبطة.

في عام 2012 م زاد عدد مقاتلي جبهة النصرة على عشرة آلاف مقاتل من جنسيات مختلفة، وفي دراسة لها تقول (مؤسسة كويليام): إن عدداً من أعضاء جبهة النصرة كانوا جزءًا من شبكة أبو مصعب الزرقاوي التي تأسست في العراق، وهي التي شكلت ما عرف بجبهة النصرة في سورية، وجل مقاتليها أجانب متمرسون على القتال؛ بسبب مشاركتهم في عددٍ من الصراعات والنزاعات والحروب في العراق وأفغانستان وغيرهما، وتصف قيادة الجيش الحر مقاتلي جبهة النصرة بأنهم ذوو خبرة عالية وأنهم يشبهون قوات النخبة في الكوماندوز، ويجيدون كل فنون القتال، ويمتلكون مراكز التدريب والقوة المالية ومئات السيارات ذات الدفع الرباعي التي تساعدهم على سرعة الحركة من مكان إلى آخر.

ووصف معهد كارينجي للسلام في تقرير صادر عنه حجم قوة جبهة النصرة في سورية قائلاً: بفضل الدعم المالي الخارجي أصبحت جبهة النصرة الأكثرَ قوّة من بين بقية جماعات المعارضة السورية التي اندثر كثير منها بفضل شح التمويل وانفضاض كوادرها عنها وانضمامهم للنصرة، وبسبب ذلك سيطرت على كثير من مناطق سورية، وقد زادت قوّة هذه الجبهة من خِلال مشاركتها في عديد العمليات العسكرية في جميع أنحاء البلاد.

منذ عام 2012م عملت جبهة النصرة أو (هيئة تحرير الشام) على إيذاء المعارضة السورية، فما قامت به من علميات تفجير سقطت فيها كثير من المدنيين في دمشق وحلب وحماة، وحمص وما قامت به من قتل همجي لخصومها استُغِل اعلامياً لتشويه وجه الثورة السورية، من ثورة مطالبة بالحرية والعدالة إلى ثورة همجية تكفيرية.

ووصفت وسائل الإعلام الغربية ما يجري بأنه تحويل لسورية من بلد علماني إلى بلد متطرف، كل هذا وما تبعه من خطف لكوادر هيئة الأمم المتحدة في منطقة جنوب غرب سورية، وخطف وقتل عدد من مراسلي وسائل الإعلام في سورية على أيدي كوادر جبهة النصرة، كل ذلك أسهم بشكل كبير في انكفاء الدول الداعمة للثورة وللجيش الحر، وفي هذه الظروف بات الجميع يتساءلون آنذاك عن البديل القادم في حال سقوط نظام بشار الأسد، وفي هذا السياق قال السفير الأمريكي السابق في سورية روبرت فورد: نحن مع تغيير النظام في سورية لكن تغييره في ظل الوضع الحالي هو بكل بساطة تغيير السيء إلى هو أسوأ منه (يقصد جبهة النصرة).

 

جبهة النصرة والتمويل القطري

يتفق معظم السوريون ممن عملوا او احتكوا بجبهة النصرة على أنها ممولة قطريا بشكل أو بأخر، ففي ريف دمشق الغربي كانت معظم الآليات من نوع جيب تويوتا التي يستخدمها عناصر النصرة تحمل لوحات قطرية أو شعارات تدل على علاقتها بدولة قطر، وقد أكد عدد من القيادات الميدانية ممن قاموا بعمل مصالحات مع النظام في ريف القنيطرة جنوب غربي دمشق أن تمويلهم كان يأتي بالكامل من جهات قطرية بشكل مباشر، وأن رواتبهم التي يتقاضونها بشكل شهري، إضافة إلى تسليحهم كان يتم بأموال قطرية، أو من طريق ما كانوا يحصلون عليه من أموال، كانت تدفعها قطر من مقابل تخليص ما يقع بأيديهم من مخطوفين، وذلك ما حصل بالفعل في مناطق صيدنايا والقلمون، حيث كان إطلاق سراح راهبات دير صيدنايا مقابل تفاهم مادي دفعته قطر لجبهة النصرة، وبتفاهمات مع النظام وحزب الله من جهة أخرى، أما تسليم مناطق القلمون للنظام ولحزب الله فقد تم أيضاً بالتفاهم مع الجهات نفسها، مقابل المال القطري الذي دُفع لجبهة النصرة، وأيضاً: خلال الحرب السورية حصلت جبهة النصرة على التمويل القطري غير المباشر، مقابل صفقات إخلاء سبيل مخطوفين لديها من إعلاميين ومواطنين سوريين وأتراك وغيرهم، وكل ذلك كما تقول جهات رقابية دولية يدل على علاقة وثيقة بين قطر وجبهة النصرة، اللتين تربطهما علاقات تبادل مصالح، ولوحظ خلال سنوات الثورة السورية أن لقطر دوراً كبيراً في الضغط على جبهة النصرة في تغيير مواقفها الميدانية، فتحركاتها كلها بتفاهم مع الجانب القطري ووكلائه في سورية، وجاء في (موقع ويكيبيديا) أن الحكومة القطرية أكدت مراراً أنها لا تتفقُ مع التسميات الأمريكية بخصوص المنظمات الإرهابية، وقالت: نعرف أن أمريكا وبعض البلدان تُصنّف الكثيرَ من التنظيمات على أساس أنها إرهابية لكننا لا نتفق معها في ذلك).

من جهته؛ يرَى (معهد دراسات الحرب) أنّ قوة النصرة والمؤهلات التي تتوفر عليها جعلت قطر تدعمها في مُقابل صمت بقية الدول، وجاء في تقرير المعهد: (أصبحت جبهة النصرة أكثرَ قوّة بينَ بقية جماعات المعارضة، وسيطرت على الحياة في كثير من مناطق سورية، وزادت قوّة هذه الجبهة من خِلال مشاركتها في عدد من العمليات العسكرية في جميع أنحاء البلاد؛ ولهذا أقامت قطر عاقات وثيقة معها).

وفقًا لموقع (فيسكال تايمز) فإنّ قطر لها تأثيرٌ كبير على مجريات الأمور في سورية، وهي قادرة على الذهاب إلى ما هو أبعد من خلال عمليات دفع الفدية، فقطر بحسب الموقع صارت بمثابة الوسيط بين جبهة النصرة من جهة وبقية دول العالم على الجِهة الثانية، وهي مسؤولة بشكل أو بأخر عن تمويل جبهة النصرة ومدّها بالأسلحة وكل ما تحتاجه.

 

جبهة النصرة وإسهامها في إخفاق الثورة السورية

ساهمت جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام بشكل كبير في تشويه صورة الثورة السورية، فهي تحمل شعار تنظيم القاعدة الإرهابي المحارب دولياً، وقد استغل النظام وجود تنظيم النصرة في المناطق السورية كافة ليسوق لنفسه بأن ما يقوم به هو حرب على الإرهاب وليس على الشعب السوري كما تدعي المعارضة السورية.

وقد استقطب النظام السوري مئات المحطات التلفزيونية والصحف الغربية ليريهم بأم العين أن من يحاربهم في كل أنحاء سورية منظمات إرهابية تتصدرها داعش وجبهة النصرة، وأنه يحارب الإرهاب في سورية نيابة عن العالم أجمع.

لقد استطاع النظام أن يقنع دولاً ومنظمات دولية عديدة بوجهة نظره؛ فتحول من نظام مجرم يحارب الثوار ويقتل السوريين إلى نظام علماني يحارب التطرف والإرهاب الفتاك القادم إلى سورية من الخارج، وبدعم روسي صيني إيراني سياسياً، وبدعم روسي إيراني عسكرياً، قدر النظام على التقدم في كل مناطق سورية، وعقَد عشرات الاتفاقات مع جبهة النصرة وداعش التي أخلت له بمضمونها مناطق كاملة (بعد تدميرها بالكامل) في مصالحات كانت تتم من دون علم الجيش الحر أو التنظيمات المقاتلة الأخرى، التي وجدت نفسها مضطرة للمصالحة هي الأخرى، نتيجة خيانة جبهة النصرة لها؛ وهذا ما جرى في كل ريف دمشق وفي مناطق القلمون وجنوب سورية وشرقها، وفي كل مصالحة كان يخرج قادة وعناصر جبهة النصرة معززين مكرمين في وسائل نقل تقوم بحراستها قوات النظام السوري، ولعل مشهد خروج كل من قوات جبهة النصرة وداعش من جنوب دمشق ومن مناطق حي اليرموك وفلسطين والحجر الأسود والقدم خير شاهد على العلاقات الوثيقة وعلى التواصل الدائم بين هذه التنظيمات الإرهابية والنظام السوري، وقد خرجت هذه التنظيمات آمنة مطمئنة من تلك المناطق بعد أن دمرها النظام السوري وحليفه الروسي بالكامل.

أما ما يزيد الطين بلة فهو أن جبهة النصرة، في كل مرة تعلن فيها انسحابها، تلجأ إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة الحرة، لتعطي النظام وروسيا ذريعة لقصفها بحجة ملاحقة التنظيمات الإرهابية الموجودة فيها، ولعل ما يجري في محافظة إدلب حالياً في الشمال السوري خير دليل على تنسيق خفي بين الجبهة والنظام السوري الذي قصف المدنيين في مدن عديدة فيها، دون أن يستهدف ولو مرة واحدة تنظيم جبهة النصرة؛ وهذا ما جرى بحسب النشطاء السوريين في مدن معرة النعمان ودركوش وخان شيخون، وفي منطقة إدلب خرجت عشرات المظاهرات تطالب جبهة النصرة بالخروج من المنطقة وتجنبيها قصف النظام وشركائه، دون أن تجد هذه الدعوات أذناً صاغية، بل قامت جبهة النصرة بضرب الناس واعتقالهم واتهام بعضهم بالردة عن الدين ورفض تحكيم الشريعة الإسلامية.

وتعتبر المعارضة السورية الجولاني قائد جبهة النصرة عميلاً عالي التدريب لدى النظام السوري وإيران، وقد زُرع هو وتنظيمه بشكل مدروس بهدف تدمير الثورة السورية وتشويه صورتها، ولاشك في أنه يعمل لمصلحة جهات معينة، ولديه هدف محدد هو إنهاء الثورة السورية بأي طريقة؛ وهذا يعني أنه لن يخرج من منطقة إدلب التي تتعرض للقصف بشكل يومي بحجة مكافحة الإرهاب، ولن يتزحزح منها ما دام يحقق أهدافه وأهداف مموليه، وقد أسهم وبجدارة في وصم الثورة بالإرهاب، ولو كانت نواياه طيبة لما تردد في الخروج من إدلب التي يوجد فيها أكثر من أربعة ملايين مدني سوري.

اليوم بات السوريون يعلمون علم اليقين أن الجولاني وجبهته سيتمسكون بالبقاء في منطقة إدلب حتى تدميرها، وسيخرجون منها بعد انتهاء مهمتهم إلى مناطق داخل سورية أو خارجها معززين مكرمين، وإدلب هي آخر معقل للمعارضة السورية، وتمسك جبهة النصرة بالبقاء فيها يخدم بلا شك أجندات أطراف عديدة تدعمها وتقدم لها المال والسلاح والملاذ الآمن في آن واحد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *