عبقرية اللغة… نموذج من التراجم المميّزة

موقع المثقف الجديد - وفاء الصالح

تقوم فكرة كتاب عبقرية اللغة الذي حررته ويندي ليسر وترجمه الأستاذ حمد الشمري على الإتيان بمجموعة من الكتاب الذين يكتبون باللغة الإنجليزية ولكنها ليست لغتهم الأم بل يتكلمون لغات أخرى والطلب منهم كتابة مقالات عن الفرق بين اللغتين.

دعت المحررة القائمة على هذا الكتاب ويندي مجموعة من الكتّاب وشجعتهم على أن يكتبوا سيرة ذاتية لهم؛ فحكاية لغة الأم هي مسألة تمس حياة الناس وشعورهم تجاهها.

وذكرت ويندي ليسر أن هذا العمل ليست محاولة لتمثيل لغات العالم، وأن هنالك فراغاً كبيراً نفقد فيه لغات كالعربية واليابانية والبرتغالية على سبيل المثال لا الحصر.

المترجم حمد الشمري أضاف بعض الحواشي لتعريف القارئ بالكتّاب، وعند ذكر أسماء أو كتب.

 

طريق العودة

تبدأ الكاتبة والروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي بهاراتي موكرجي بالتعبير عن لغتها الأم البنغالية ووصفها بالأم الحنون الأم التي تحتوي ربع مليار عضو في كنفها.

تعد البنغالية لغة الجوع والفقر بحسب العاملين على الإغاثة لجهلهم بها لكنها بالنسبة لأبنائها لغة الشعر والشغف والوفرة في الحقول البنغالية المتهيئة للحصاد والأنهار البنغالية المليئة بالأسماك، كما أنها لغة الحنين إلى التعايش بين الهندوس والمسلمين في بنغال واحدة قبل أن تمزقها البحرية البريطانية والحقد الديني الذي يتغذى عليه سياسيو يومنا هذا.

عاشت موكرجي في حي للطبقة الوسطى في مدينة كالكوتا التي أفسد نطقها وكتابتها المستعمر، وقد هاجرت عائلتها من البنغال الشرقية (بنغلاديش حالياً) إلى كالكوتا عاصمة إقليم البنغال الشرقية، وقد أدركت أن المرء مهاجرا لن يمتلك وطنا أبدا، وأن ذلك يعني بالضرورة أن يرث الفقد والشوق لأرضه الحقيقية، ورغم حالة اللاوطن التي تعيشها بسبب الظروف الجغرافية إلا أن ثقافة موكرجي الغربية الجديدة أقنعتها بأن الوطن حيث تستطيع استثمار ولائها وحبها.

وتقول إن والدها كان الوحيد من بين إخوته التسعة الذي تمكن من الحصول على منحة دراسية وإكمال تعليمه كطالب للدراسات العليا في تخصص الكيمياء التطبيقية، ويعود ذلك لتعليمه الجامعي الإنجليزي الجيد في كلية القديس زفير في كالكوتا، التي يديرها مجموعة من النصارى في بلجيكا.

ووصفت جدتها ورفيقاتها بأنهن أرامل حدباوات ذو ألسن قاسية ومتسلطة على والدتها التي عبرت عن رغبتها في إرسال بناتها إلى مدارس بعيدة، وأضافت أن بحثها في معارك الهندوس التقلييديين والإصلاحيين المتأثرين بأوربا حضاريا عثرت على قصائد أعادت إلى ذاكرتها الألم الذي تعرضت له محاولات الإصلاح، وإحدى هذه القصائد وصفت المرأة المتعلمة دون زوج بأنها كالبقرة المنفلتة التي ترعى في الجوار.

ووصفت الكلمات الإنجليزية المستخدمة في البنغالية ككلمة (تيبيل) للطاولة بأنها علامات على العار الاستعماري ومظاهر للحضور اللغوي البريطاني التي كانت أكثر إثارة للاهتمام أو أكثر تدميراً بحسب الزاوية التي ينظر منها الإنسان.

وتشير إلى أن بداية تعلمها للإنجليزية من أول الطريق وبسرعة، وذلك حتى تتمكن من تسليم واجباتها في مادة الكتابة في مرحلة التعليم العام في إنجلترا، وحينها بدأت تثور على التقاليد البنغالية.

وتختم بقولها: إنها كروائية تحاول أن تذيب كل الحدود الثقافية بين الموروثات التي عاشت خلالها، كما أنها تكتب بلغة ثالثة الآن وهي الأمريكية، التي وصفتها بكونها لهجة جديدة منحرفة عن الفوسترية الإنجليزية التي تعلمتها كلغة الصواب.

وتفيد إلى أنه كان من الضرورة لوجود لغة أخرى، لغة للدراسة، لمكان تتحرر فيه عقولنا من أبداننا؛ لتحرر ذواتنا من مجتمعاتنا.

 

نعم ولا

تبدأ الكاتبة الأمريكية/ الصينية إيمي تان مقالها بمحاولة توضيح سوء الفهم عن الصينية وعن الصينيين وذكرت أن مقالة في مجلة نيويورك تايمز تحدثت عن التغيرات الحاصلة في الحي الصيني في مدينة نيويورك. وقد لمحت المقالة إلى وجود حالة من التناقض والخلط الموروث داخل الصينية نفسها، وإلى غياب كلمات مثل: نعم ولا من هذه اللغة.

وعلقت على المقالة قائلة: إن هذا غير صحيح البتة، ما الذي يدفع الناس إلى الحديث عنا وكأننا تلك الدمى الصينية التي يبتاعونا من متجر الحي الصيني؛ تلك التي تهز رأسها للأعلى والأسفل وكأنها تقر دائما بكل ما يُملَى عليها.

وذكرت أن الكثير يفقد أثناء الترجمة فتحدث بعض الفجوات فيتسرب الكثير من السوء خلال الفجوات، خاصة عندما يقوم بعض اللغويين غير الراشدين بمقارنة بطريقة تبحث مفردات التفاوت بين اللغات من دون النظرة المجملة الشاملة.

وحول (كيف يجيب المرء بنعم أو لا في اللغة الصينية) تجيب إيمي تان بأنها هنا كان عليها أن تتفق مع مجلة نيويورك تايمز التي ضايقتها مقالتها كثيراً وتقول: ليس هنالك مفردة نعم أو لا في اللغة الصينية؛ لكن الدافع وراء هذا الغياب ليس الحياء أو الاستتار بالضرورة.

إن المقابل لنعم أو لا في الصينية هو سترهما وذلك باستخدام الصيغة الموجودة في السؤال نفسه.

فحين يسأل الصيني عما إن كان تناول طعامه أم لا فإنه سيجيب: أكلت بالفعل أو سيجيب: لم أفعل.

 

إحياء الأصل

يبدأ الكاتب والروائي الكيني نغوغي واثيونغو مقالته بوصف مشهد مؤلم من طفولته ويقول: تمدد على بطنه فوق طاولة مرتفعة وبحضور جميع الطلاب ومنسوبي المدرسة. أمسك معلمان رأسه وساقيه وثبتاه جيداً على الطاولة ودعاه أحدهما بالقرد عند الجلدة الثالثة بالسوط. وسريعاً ما تمزق سرواله وملأ دمه المكان، بالكاد استطاع النهوض ليمشي، وبالكاد استطاع البكاء، ثم مضى؛ مضى كيلا يُرى في مدرسة حكومية لتلك المقاطعة ولا في غيرها.

لقد قُبض عليه متلبسا وهو يتكلم بالغيكويو داخل محيط المدرسة، وكان الكلام باللغات الأفريقية داخل المدرسة يعد جريمة. ويتجسس الأطفال على بعضهم كامل يومهم، بل ويمكرون ليوقعوا بعضاً في شرك الجريمة: الكلام باللغة الموبوءة.

كان هذا جزءاً من واقع كينيا في خمسينات القرن الماضي، وبالرغم من كونها مستعمرة منذ عام 1895م إلا أن كينيا كانت دوما محلا للصراع؛ فقد كانت المواجهات دائمة بين جيوش المحتل المستعمر والمعارضين الوطنيين، وقد بلغ الصراع ذروته بين الطرفين في المواجهات المسلحة في الخمسينات، حين التف الكينيون حول ماو ماو، أو أرض كينيا وجيشها الحر. حينها استوطن الكينيون الأدغال والجبال وشنوا حرب عصابات ضد دولة الاحتلال. رافق اندلاع المعارك ارتفاع في الوعي الثقافي: أهازيج وقصائد وصحف تعزز اللغات الإفريقية. ونتج عن هذه الحركة والمعارك أن منعت اللغات الإفريقية من النشر كما منعت من الحضور في المحافل. وشمل منع اللغات هذا الحديث بها في المدارس في محاولة لإبطال مفعولها.

كان التركيز في احتقار لغة الغيكويو بوصفه متطلبا سابقاً لاكتساب الإنجليزية. وكان تفلت الغيكويو من عقالها أكبر ما يرعب إدارة المدرسة. فيُسحق الطالب جلداً وهو يصرخ بأعلى صوت ليخرجوه من ظلمات الغيكويو إلى نور العلم بالإنجليزية.

يقول واثيونغو: لم أعد أؤمن بقدرة لغتي على أن تعلمني شيئاً؛ أو على الأقل بقدرتها على أن تجعل مني إنسانا متعلما وعصريا. كان الدم نصيب أولئك الطلاب الذين تكلموا بالغيكويو؛ وكان المجد نصيب أولئك الآخرين الذين أظهروا تمكنهم من الإنجليزية. هذا وقد نشأت على أن أباعد بيني وبين الدم وبيني وبين لغتي، باحثاً عن المجد الملازم لإتقان الإنجليزية.

كنت غارقا في كتاباتي كلها في حياة الغيكويو والشعب الإفريقي وثقافته. كان تاريخهم وبخاصة صراعهم ضد المستعمر محور أعمالي، كتبت عنهم رغم ذلك وكأنهم يتكلمون الإنجليزية. سمعت أصواتهم بالغيكويو وصنعت منها ضجيجاً بالإنجليزية.

ولم يخفف كل الإطراء في المراجعات على الرواية من إحساسي تجاه تبعات الشكل اللغوي للرواية. عدت إلى ليدز واستبعدت في لقاء صحفي لي أنني سأكتب رواية أخرى بعد رواية حبة قمح، ثم حين أعدت النظر في الأمر وجدت أن الصدمة في الأمر ليس مجرد كتابتي عنهم بلغة أخرى، بقدر ما كانت بقراري بعدم الكتابة مرة أخرى، بدا الأمر وكأنني آمنت بأن اللغة الإنجليزية هي الأداة الوحيدة التي أملكها لإيصال الأدب الذي أريد: (اكتب بالإنجليزية أو لا تكتب أبدا).

لقد غير حدثان علاقتي بالغيكويو والإنجليزية، وها هو ذا يرويهما:

دعيت للعمل في مركز كاميريثو الإجتماعي للتربية والثقافة، كان المشروع تثقيفياً وتعليمياً، يقدم مواد في الثقافة والقراءة والكتابة.

يتكلم أهل قرية كاميريثو الغيكويو، ولم يكن هناك سبيل للعمل سوياً إلا بلغة المجتمع نفسها. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أجبرت فيها على مواجهة لغة الغيكويو لحاجة عملية.

استقبل مجتمع القرية العمل بحفاوة وترحيب حارين، ولكن حكومة ما بعد الاستعمار استقبلت العمل بشكل عدائي جدا، اعتقلتني الحكومة الكينية وأودعتني في سجن كاميتي فائق التأمين والحراسة.

سجنتني حكومة إفريقية لكتابتي بلغة إفريقية؛ لماذا؟ أجبرني السؤال على تكرار النظر في اللغة، والاستعمار، والعلاقة بينهما. كان من الواجب أن أختلط باللغة التي سُجنت بسببها. كان ذلك ضربا من النضال والمقاومة.

قررت أنني لن أكتب الرواية بالإنجليزية إلا من طريق الترجمة من الأصل الموجود بالغيكويو. ومنذ ذلك الحين أصبحت الغيكويو اللغة الأولية لأعمالي الإبداعية. ولم يكن قرارا قابلاً لإعادة النظر.

 

مفرد وجمع

تبدأ الكاتبة الكورية ها-يونغ جانغ بتوضيح مسألة المفرد والجمع في اللغة الكورية وتقول: إن الحديث باستخدام المفرد باللغة الكورية أمر عسير. حين يحتاج الكوري إلى الحديث عن الملكية القواعدية فإنه سيستخدم ضمير الجمع لا المفرد، تجنب استخدام الضمير (أنا) ليس خللا لغويا على الإطلاق؛ وفي المقابل سوف تبدو الجملة ألطف نوعاً ما دونه. ربما كان هذا من دافع اختياري اللغة الإنجليزية لغة للكتابة دون اللغة التي ولدت بها.

وصلت عائلتنا إلى بانكوك عام 1975م، وقد كان وداعنا شتاء قارصا في سيئول، تلك المدينة التي أمضيت فيها عندئذ أعوام حياتي التسعة. والفترة التي أقمنا فيها في بانكوك. تلك السنوات الثلاث ستظل عالقة في مخيلتي وكأنها فصل واحد خلق من الحرارة والمطر.

وتحكي ها-يونغ جانغ عن مدرستها في بانكوك وتقول: كانت الإنجليزية هي لغة مدرسة راومرودي العالمية، المدرسة التي أسسها بعض الآباء المخلصين حين جاؤوا منصّرين في تايلاند. لم يكن في المدرسة أي طالب أمريكي، ولكن المنهج كان أمريكياً وكذلك كان مدير المدرسة. تعرفنا في المدرسة على ولايات أمريكا الخمسين، وعاصمة كل ولاية، وكان أغلبنا لم يزر الولايات المتحدة قط. في حصة الموسيقى، كنا مع معلمتنا الفلبينية ندرس لجون هنري: أشيائي المفضلة والجميلة في أمريكا.

توفي جدي لأبي فسافر والداي لحضور جنازته، وبقيت أنا وأخي في بانكوك لظروف الدراسة. لم نكن أنا وأخي قادرين على فهم ماذا عنته وفاة جدي لأسرتنا. لقد كان جدي في الرابعة والثمانين عند وفاته، رب أسرة تقارب الثلاثين عددا: زوجتان، وأخوان، وثلاثة عشر طفلاً، وأرامل وأطفال لأربعة بنين وبنتين كان قد فقدهم في أثناء الحرب الكورية. حين توفي جدي لم يترك مالاً، سوى الحمل الثقيل لمجده السياسي.

 

عند عودتنا إلى كوريا في نوفمبر من العام 1978م، واستقبلَنا البرد الذي لم أكن ذقته منذ ثلاث سنين. كان يومي الأول في الثانوية في مارس، لم أكن أشعر بالراحة في طبقات الملابس، وفوقها ذلك الزي الموحد المزعج تنورة وسترة رياضية سوداء، كانت عيناي متورمتين من بكاء الليلة الماضية بسبب اضطراري لقص شعري ليتوافق مع أنظمة الدراسة: لا ينبغي أن ينزل الشعر أسفل من الأذن سنتيمتراً واحداً.

الكورية التي عدت إليها مجدداً كانت لغة هرمية سلطوية تتضمن تشريفا لبعض الأشخاص وتواضعا وتسليما لآخرين. وحين تؤنبنا معلمة فإن الرد المناسب هو (إنه خطئي، أنا المذنبة). محاولة الشرح والتفسير تعد سوء من الأدب.

صحيح أننا عدنا إلى حيث كانت تعيش أسرتنا، ولكن الأمر بدا وكأننا نزلنا في مكان غريب أو في حياة أخرى.

قرر الأطباء أن أمي مصابة بمرض ثنائي القطب. بدأت أنا وأخي نفعل ما كنا نفعله سوياً لنمضي خلال الحياة، لكن كلاً منا وحده، وحيداً منعزلا خلف أبواب غرفته. بدأت أكتب يومياتي بالإنجليزية. لم أعد أتكلم الإنجليزية لأخاطب بها أحداً؛ لقد أضحت لغة خاصة لي وبشكل ما.

في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1982م، استيقظت صباحاً ووجدت أمي ملقاة على الأرض وبجوارها قنينة سم، حين عدت من المستشفى بعد إسعافها جلست على مكتبي وكتبت بالإنجليزية (لا أعلم من أين أبدأ ولا أصدق ما حدث)!

استمرت محاولات أمي للانتحار مع موجات كل الهوس والاندفاع التي ترافقها عند كل فقد. وقبل ثلاثة أسابيع من ذكرى وفاة أبي الثانية، وجدنا أخي الذي كان مفقودا لأكثر من شهر، ميتا، متجمدا، متصلبا، في سيارته وهو في الثامنة والعشرين من عمره. كانت سيارته في ساحة مواقف سيارات بجوار نهر الهان، على بعد عشرة دقائق بالسيارة من بيتنا، حيث كانت أمي تنتظره وتنتظره. كنت تلك الليلة في بوسطن، وركبت الطائرة ذاهبة إلى سيئول، كنت حامل في شهري الرابع.

وتستمر الحياة، وها أنا لا أشعر بنفسي كاملة بالكورية ولا بالإنجليزية، بدت كل لغة مكملة لأختها؛ وواحدة منها عالة على الأخرى ومفتقدة خصائصها.

 

هوامش لحياة مزدوجة

يبدأ الكاتب والناشط الحقوقي الأمريكي/ التشيلي/ الأرجنتيني/ أرييل دروفمان برواية قصته مع ثنائية اللغة ويقول: لقد كانت مسألة اختيار اللغة التي سأكتب بها قصة حياتي مسألة حياة أو موت، ومع ذلك لم أتمكن من اتخاذ القرار. لقد كانت اللغتان موطن نزاع في وجودي كله؛ كل واحدة منها سيطرت على حياتي فترات طويلة، حيث تصب اللغة المسيطرة على أختها بالجمود التام.

المهم أنني حين قررت أن أكتب مذكراتي، قررت حينها أن أعلن هدنة، لأنني كنت فعلاً بحاجة أن تنجو كلتا اللغتين من المنفى. أردتهما أن تعملا سوياً؛ لأجل مواجهة الدكتاتورية في تشيلي؛ أريد أن أرفع سقف الاحتمالات أن اسمع الناس قصة الأرض المنهوبة؛ أردت أن أتمكن من إقناع ضعف عدد من يمكنني إقناعهم حول العالم بلسان واحد.

أصبت بالالتهاب الرئوي ذات ليلة من شهر فبراير من عام 1954م، كان والداي قد خرجا بمفردهما لأول مرة منذ وصولنا إلى الولايات المتحدة.

وللحفاظ على حياة الصبي، أُدخل مستشفى؛ معزولا في جناح لا يتكلم فيه أحد أي كلمة إسبانية. لم ير الصبي والديه ثلاثة أسابيع، إلا في أوقات الزيارة القصيرة ومن خلف حجاب زجاجي.

مرت ثلاثة أسابيع وجاء والداي لاستلام ابنهما، سليماً في بدنه، لكن مع احتمالية بعض الجنون في عقله! لقد سببت لهما القلق حيث لم أجب على أسئلتهما بالإسبانية، كنت أجيب بالإنجليزية فقط قائلا (أنا لا أفهمكما). لم أنطق بكلمة إسبانية واحدة منذ خروجي من المستشفى، ولمدة عشر سنوات.

ربما أستطيع الآن أن أبين السبب لاختياري أن تكون الإنجليزية هي لغة مذكراتي. أعتقد أن السبب أنه كان من الأفضل أن أتعامل مع المأساة في أن أضعها في الإطار المحدد للمفردات الإنجليزية، لأحاصر الألم، لأرى تلك المشاهد بطريقة غير مباشرة. كنت أحياناً وأنا أحاول إعادة الكتابة بالإسبانية أصاب بالإعياء والغثيان والتعب؛ أقول لنفسي: كيف تجرأت على كتابة مثل هذا؟ لربما كانت الإنجليزية هي اللغة التي كتبت بها مذكراتي، لكن جماليتها إسبانية/لاتينية. وكأنها حالة لغوية في الظل الواقع لحياتي.

كنت قد أُجبرت على مغادرة الولايات المتحدة والارتحال إلى تشيلي، أجبرت أن أتكلم وأكتب بالإسبانية التي كرهتها.

استوطنَت الإسبانية رأسي مرة أخرى على أية حال؛ لم تحاول قط لفت الأنظار، لم تطلب مني إسبانيتي أن أناقش سبب حاجتي لتلك الكلمة تحديداً. لم تسألني لماذا كانت تلك المفردة غير قابلة للترجمة أو للاستبدال؟ لقد تسللت إسبانيتي إلى داخلي، وتصرفت بحكمة حتى تمكّنَت مني تماماً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *