لماذا ثار الشعب العراقي؟

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

عندما سقط نظام صدام حسين عام 2003م وصلت قوى سياسية عديدة لسدة الحكم في العراق، وكان على رأسها القوى الشيعية التابعة والممولة من إيران، ومن أبرزها المجلس الأعلى للثورة وحزب الدعوة وقوى أخرى رديفة شيعية وكردية وسنية عربية لم يكن لها من الأمر شيء سوى تعبئة شواغر بعض الحقائب الوزارية الثانوية في الحكومات العراقية، التي أثبتت فشلها في قيادة دفة حكم البلاد على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

فعلى الصعيد الاقتصادي تراجع سعر الدينار بشكل كبير؛ فبعد أن كان سعر صرف الدينار الواحد يعادل 3 دولارات عام 1991م بات سعر صرف الدولار الواحد اليوم يعادل 1190 ديناراً عراقياً، في بلد ينتج يومياً نحو 5 ملايين برميل من النفط الخام، كان العراق قبل عام 1991م مصنفاً كأحد أكثر البلاد النامية طموحاً، وبوصفه دولة تمتلك خططاً واعدة في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والتعدين، لكن الحال تغيرت بعد عام 2003م، فبات اقتصاد العراق بشكل كامل يعتمد على ما تنتجه وتصدره البلاد من النفط، أي أنه تحول من اقتصاد متكامل إلى اقتصاد ريعي يعتمد على مبيعاته النفطية فقط، وما يحصل عليه من المال تؤسس من خلاله ميزانيات الدولة التي تؤمن المال اللازم لجميع القطاعات الحكومية، ومع التقلب المستمر لأسعار النفط وتدني أسعاره عانت البلاد أزمات اقتصادية متعاقبة.

تطالب المعارضة العراقية والقوى المدنية التي خرجت مؤخراً في تظاهرات عارمة في عدد من المدن العراقية الحكومة العراقية بالرحيل، متهمة الحكومات التي تعاقبت على السلطة منذ عام 2003م بالتخاذل وعدم فعل شيء للنهوض بالعراق زراعياً وصناعياً، وتقاعسها عن تفعيل القطاعات غير النفطية في البلاد، وتتهم هذه القوى تعمد الحكومة العراقية على تهميش قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة حتى باتت هذه القطاعات متخلفة في بلد عُرف سابقاً بأنه من أهم بلدان منطقة الشرق الأوسط في نمو قطاعاته الزراعية والصناعية والسياحية، فالعراق بلد زراعي بامتياز ويمتلك كل مقومات نجاح القطاع الزراعي، وهو يمتلك مرافق سياحية مصنفة عالمياً بأنها فريدة وموصى بزيارتها من قبل منظمة اليونيسكو، وعُرف بأنه بلد صناعي طموح واعد، أما اليوم فيوصف القطاع الصناعي فيه بأنه ميت ولا دور يذكر له في دعم اقتصاد البلاد.

وتتهم هذه القوى التي خرجت إلى الشارع الحكومات العراقية التي تعاقبت على تسلم الحكم (كلها مقربة من طهران) بتعمدها تهميش القطاعات المذكورة لغرض جعل العراق سوق رائجة للمنتجات الزراعية والصناعية والإيرانية، وتتهم إيران علانية بسرقة مقدرات البلاد ونهب ثروات العراق، وترك الشعب في فقر مدقع، وتؤكد أنه على رغم أن العراق من الدول النفطية إلا أن شعبه يعاني الفقر والجوع، ولا يستطيع الحصول على أبسط حقوقه في حياة آدمية كريمة، وهذا الذي أدى إلى غضب الشارع العراقي الرافض للتدخلات الإيرانية في الشؤون البلاد.

لعل السياحة الوحيدة التي بقيت رائجة في العراق منذ عام 2003م هي السياحة الدينية في الجنوب الشيعي الذي تسيطر عليه قوى دينية شيعية تابعة لإيران، وتستقطب تلك المناطق سنوياً ملايين الزوار بهدف زيارة المراقد الشيعية في كربلاء والنجف، وهو موسم ديني تستغله قوى إيران في تجييش الزوار لعقد ولاءات سياسية للدولة الصفوية.

ومما زاد حنق الشارع العراقي اليوم تيقنه بعد مرور 16عاماً من سقوط نظام صدام حسين، وعلى رغم كثرة الوعود التي قطعتها له الحكومات العراقية أن الحكومة العراقية لا تمتلك أي رؤية للتطوير أو التغيير، علاوة على تفشي الفساد الاداري والمالي والعجز السنوي الكبير في موازنات الدولة، والاقتصاد العراقي كما يصفه أحد أبرز المحللين الاقتصاديين العراقيين: (يعد من الاقتصادات الهشة في العالم، ويعاني مشكلات كثيرة كالبطالة والفقر والعجز المالي والدين الخارجي الضخم وانخفاض إجمالي الاحتياطيات الرسمية وضعف البنى التحتية؛ بسبب عدم اتباع السياسات السليمة التي تمنع أو تحد من تلك المشكلات وهيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي، وريعية الاقتصاد العراقي).

التدخل الإيراني في جميع قطاعات الدولة

لا يخفى على أحد أن إيران تتحكم في أهم وزارات الدولة العراقية، وبخاصة وزارتي الداخلية والدفاع، اللتين وصفهما السياسي العراقي مشعل الجبوري بأنهما وزارات محكومة من شخصيات متنفذة إيرانية في العراق، ولعل ما زاد من قبضة إيران على كثير من مفاصل الدولة العراقية أن معظم من وصلوا إلى سدة الحكم فيها كانوا موالين لإيران أو تابعين لأحزاب وقوى دينية ممولة وتابعة لإيران، مثل: حزب الدعوة، وفيلق بدر، وقوى الحشد الشعبي، وقوات الصدر، والمجلس الأعلى للثورة، وحزب الله العراقي، إضافة إلى كون كثير من المرجعيات الدينية الشيعية في العراق تابعة لإيران بشكل أو بآخر، وتلخص تصريحات الرئيس الإيراني روحاني مؤخراً أمام مجلس الشورى الإيراني الوضع الإيراني في العراق حين قال: (نعم لنا نفوذ قوي في العراق وسورية ولبنان؛ لأنها مجالنا الأمني الذي لن تخلى عنه).

ومما ساعد إيران كثيراً في إيجاد موطئ قدم ثابت لها في العراق تمزق الدول العربية وتشتتها؛ إضافة إلى وجود جماعات مذهبية ذي نفوذ في هذه البلدان تتبع إيران وتحالفها.

وبعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003م غضت الولايات المتحدة الطرف عن التغلغل الإيراني في العراق؛ ظناً منها أن ما تقوم به سيخدم الأجندات الأمريكية مستقبلاً في مكافحة تنظيم القاعدة هناك، وحسب صحيفة الرياض (سرعان ما اكتشفت أميركا أن إيران تسعى لاستغلال التطرف بشقية السني والشيعي لفرض حكم الأغلبية الطائفية في العراق وليس تثبيت نظام سياسي مستقر وفاعل وأمام التغافل الأميركي لسنوات بنت إيران نفوذها في العراق والذي جاء مترافقاً مع فرض واقع عسكري يصب في مصلحة إيران على حساب العراقيين، حتى بات التوغل الإيراني في العراق مصدر قلق شديد للولايات المتحدة لتصل واشنطن اليوم إلى بلورة رغبة جادة وحقيقية في استنفاد طاقات إيران الإقليمية من خلال سحق أذرعها اللوجستية على أرض الواقع بشتى الطرق ومختلف الدول ومنها العراق.(

وفي ظل التغلغل الإيراني المتزايد في العراق انتشر الخلل الأمني وزادت نسب الجريمة وانتشرت المخدرات بشكل مرعب في مناطق الوسط والجنوب العراقي بما فيها النجف وكربلاء؛ وهذا دعا محافظ البصرة إلى توجيه خطاب تحذير للحكومة من عواقب الانتشار المرعب للمخدرات القادمة من إيران بين صفوف الشبان في الجنوب.

وتؤكد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أن محافظات العراق الجنوبية الشهيرة بزراعة أرز العنبر العراقي والتمور المتنوعة تحولت إلى زراعة الخشخاش ذي الورود الحمراء القانية، الذي يحقق أرباحاً تفوق مئات المرات ما يحققه العنبر أو أي منتج آخر.

ويؤكد طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي السابق المعلومات التي تتهم أجهزة الاستخبارات الإيرانية بأن لها الدور الأكبر في انتشار المخدرات والحشيش وترويجها في العراق، ويؤكد انتشار زراعة الخشخاش الذي تم تهريب بذوره من أفغانستان وإيران، حيث بدأت زراعته تنتعش في محافظات الفرات الأوسط، وتحديداً في محافظة الديوانية وأقضيتها ونواحيها، وتؤكد المصادر الطبية العراقية أن مستشفيات كربلاء والنجف المتخصصة بمعالجة حالات الإدمان تتلقى آلاف الحالات لعلاجها سنوياً.

ارتهان الدولة العراقية للقوى الخارجية، إضافة إلى ما تمر به البلاد من ضائقة اقتصادية مستمرة عانى منها الشعب العراقي سنوات طويلة، وما يجري في ظل نظام المحاصصة من حرمان جزء كبير من الشعب العراقي من الاستفادة من مقدرات البلاد، والتوزيع غير العادل للوظائف الحكومية والتي يتم شغلها بشكل طائفي واضح، إضافة إلى فقدان الشعب ثقته في الحكومات المتعاقبة، التي وعدت مراراً بالتغيير نحو الأفضل ومع كل وعد جديد كان الوضع يزداد سوءاً على جميع الصُّعُد، كل هذه المعاناة التي أصابت الشعب العراقي أسهمت بشدة في خروجه للتظاهر في معظم المدن العراقية مردداً شعار: (إيران بره بره بغداد تبقى حرة)، ومظهراً رفضه القاطع للهيمنة السياسية والنفوذ الإيراني ووجودها العسكري في الداخل العراقي، ومعبراً عن معاناته المعيشية، وقد خرج الناس في مظاهرات سلمية قوبلت من الحكومة العراقية والمليشيات التابعة لإيران بالقمع والرصاص الحي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والهراوات، وتبعها ملاحقة الناشطين المدنيين واعتقالهم، وقد تطور الأمر بعد سقوط عشرات القتلى من المطالبة فقط بالإصلاح، ليتعداه إلى المطالبة بالتغيير السياسي الشامل ورحيل الحكومة العراقية الحالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *