مذبحة الأقليات في الهند

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

زعم أحد القياديين في الحزب الحاكم الهندي، وهو راجيشوار سينغ، في تغريدة له عُدّت بوصلة سياسيات الحزب الهندوسي الحاكم في الهند (بهاراتيا جاناتا)، أن: (الإسلام والمسيحية سينتهيان في الهند بحلول عام 2021م).

تلك التغريدة أغرَت (موقع المثقف الجديد) بالبحث في تفاصيل الهوية السياسية والأيديولوجية التي يتبناها الحزب الحاكم الذي حصل على أغلبية برلمانية عام 2014م، أنهت عهد الحكومات الائتلافية بزعامة حزب المؤتمر الذي حكم البلاد لعقود، وقضت على الهوية الليبرالية لمصلحة الهوية القومية الهندوسية.

وقد ظهر حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وتأجج حضوره بعد المجزرة التي ارتكبها الهندوس في غوجارات عام 2002م، وقُتل خلالها 97 مسلماً على يد مجموعات تابعة للحزب، وعلى أثرها تمت محاكمة عدد من المسؤولين فيه.

أظهر حزب (بهاراتيا جاناتا) بوضوح هويته القومية الهندوسية، واستغل بقوة القيادة الكاريزمية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي لتسويق برنامج انتخابي يحارب الفساد ويدعم التنمية، وفي انتخابات عام 2014م تحولت الهند التي تُعد أكبر التجارب الديمقراطية على مستوى العالم إلى نظام الحزب الواحد، على غرار الصين وروسيا، وفي يونيو عام 2019م تمكن الحزب من الحصول على حوالي 353 مقعدًا بنسبة 65.1% من مقاعد البرلمان، مكّنته من تعزيز قوته السياسية في البلاد.

تقول دراسة أعدتها (جامعة عظيم بريمجي) في بنغالور: إن 44% من الهندوس الذين كانوا يصوتون للأحزاب الأخرى صوتوا في الانتخابات الأخيرة لحزب (بهاراتيا جاناتا)؛ وهذا الأمر جرى تفسيره بأنه فصل جديد من فصول السياسة الهندية، ومن أبرز ملامحه تشكيل هوية سياسية مبنية على مجموعة فريدة من المبادئ التي تدعم الطبقات الهندوسية، وتقلل المنافسة السياسية على الصعيد الوطني.

ومن أبرز السياسيات التي يقوم عليها شعار الحزب: (شعب واحد، ثقافة واحدة، هوية واحدة)، وجرت ترجمة هذا الشعار من خلال إعلان الحكومة عام 2014م إجراء قانونياً يُلزِم 32 مليون شخص يقيمون في ولاية آسام التقدم بطلب للتحقق من جنسياتهم طوعاً. وبعد هذا الإجراء استُبعد أربعة ملايين شخص من المواطنة الهندية في آسام جميعهم من المسلمين. واشترطت الحكومة على الراغبين إثبات جنسيتهم الهندية تقديم أدلة تؤكد جذورهم في آسام قبل عام 1971م، وهي ذكرى تقسيم باكستان.

وتبعت هذه الخطوة خطوات أخرى استغلها (حزب بهاراتيا جاناتا) لتشكيل رأي عام هندوسي قوي يدعم مبادئه السياسية والقومية، منها: المواجهة العسكرية مع باكستان في الآونة الأخيرة، التي تبعها قرار إلغاء المادة 370 من الدستور، التي كانت تمنح إقليم كشمير المتنازع عليه بين باكستان والهند وضعاً خاصاً. ويترتب على قرار إلغاء الوضع الخاص لإقليم كشمير الذي معظم سكانه من المسلمين: السماح للهندوس بشراء الأراضي والعقارات في الإقليم؛ وهذا الأمر سيتبعه تغيير الخريطة الديمغرافية للمنطقة.

استغل الحزب أيضاً الدعاية الفاسدة ضد الأقليات الدينية لاسيما المسلمين، من خلال اتهامهم بسرقة وظائف الهندوس ونشر الفساد في البلاد، وهذا الأمر ترتب عليه تأجيج الكراهية ضدهم وإيجاد حاضنة شعبوية لسياسيات الحزب الحاكم في الهند.

وقد وصف أحد رموز الحزب، وهو أميت شاه الذي يشغل منصب وزير الداخلية، وصف المسلمين في آسام بلقب: (النمل الأبيض)! ودعا إلى القضاء عليهم، وهو يشرف على بناء 10 مراكز اعتقال جماعي لاحتجاز من يوصفون بأنهم (مهاجرون غير شرعيين) في آسام ذات الأغلبية المسلمة.

ما يجري ضد المسلمين وغيرهم في الهند يأتي في سياق معتقدات الحزب الحاكم التي تؤمن بأن الأغلبية الهندوسية يجب أن يكون لها الحكم والسلطة مقارنة بالأقليات الأخرى. وقد حاولت الحكومة الهندية في عام 2017م تقديم مشروع قانون لمنح الجنسية للمهاجرين من أي دين باستثناء المسلمين، وعدّت شيلادينا ديف، وهي مشرّعة من حزب (بهاراتيا جاناتا)، عدّت المسلمين (تهديداً وطنياً) على البلاد.

وقالت: (الهندوس الذين أتوا من بنغلاديش لاجئون لأن الهند هي بلادهم، لكن المسلمين متسللون ويجب ترحيلهم في أقرب وقت ممكن).

وفي مارس الماضي مُنع الكوميدي حسن منهاج من الظهور في برنامج شهير عبر تطبيق (Netflix) بسبب انتقاده ثقافة التخويف والعنف المتزايدة ضد الأقليات تحت حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

لا ينشد الحزب الحاكم في الهند نفي الأقليات المسلمة فقط، إذ إن السلطات قامت مؤخراً بإصدار قرار بموجبه يطلب من موظفي المنظمات الأجنبية غير الربحية التوقيع على تعهد بعدم ممارس التبشير الديني في البلاد.

ووفقاً لصحيفة (أيكونوميك تايمز) أجبرت السلطات الهندية عشرات المنظمات الأجنبية على مغادرة البلاد، ومنها منظمة مسيحية لرعاية الأطفال تدعى (كومباسيون إنترناشيونال). وتضيف الصحيفة أنه منذ صعود حزب (بهاراتيا جاناتا) إلى السلطة عام 2014م تضاعف الاضطهاد ضد الأقليات الدينية بشكل كبير.

وقال ساجان جورج رئيس المجلس العالمي للمسيحيين الهنود: إن الحزب الحاكم أجرى عام 2016م محاولات لإلغاء تراخيص 96 منظمة مسيحية تدعمها الكنائس بولاية جهارخاند. ويشكل المسيحيون نسبة 4.8٪ من السكان في الهند.

يتبنى الحزب الهندوسي الحاكم مشروع بناء هوية متكامل عبر نشر الدراما التلفزيونية والأفلام القومية، وتعزيز الإعلام الديني، وتمجيد الحركات القومية الهندوسية، ويحاول دائماً التركيز في الشعبوية كداعم أساسي على تحركاته السياسية لترسيخ وجوده في الحكم.

ومن أبرز الشعارات التي ينادي بها الحزب: المطالبة بالقضاء على المعارضة الليبرالية؛ لأنها على حد زعمه (ستار لتمجيد الأشخاص على حساب الهوية الوطنية)!

وفي عدد 20 مايو عام 2019م وصفت مجلة (تايمز) رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بـأنه (المقسّم الرئيسي للهند)؛ لأنه مزّق النسيج الاجتماعي للبلاد لأسباب دينية. وقد مُنح مودي فرصة كبيرة لإحداث تغيير على صعيد الهوية السياسية الداخلية لبلاده؛ وذلك بفضل ربط السياسة الخارجية للهند بالمحور الأمريكي الإسرائيلي الذي يُظهر تخوّفه من الإسلام.

ويقول موقع (فرونت لاين): هدف حزب (بهاراتيا جاناتا) هو: (شعب واحد وثقافة واحدة وأمة واحدة)؛ وهذا تهديد مباشر لتنوع (فكرة الهند) وتعدديتها، كما يشكل تحديًا كبيرًا للهيكل الفيدرالي المتوخى في الدستور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *