الرأي الغربي في الاحتجاجات العراقية

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

أظهرت الصحافة الغربية إجماعاً واضحاً خلال نقلها للأحداث السياسية والأمنية في العراق مؤخراً، على أن التغيير السياسي هو مطلب رئيس للمحتجين بعكس الاحتجاجت التي كانت تخرج في السنوات الماضية وتطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية.

فقد نُشر تقرير في موقع (بي بي سي) في 7 أكتوبر 2019م جاء فيه أن (العراقيين لا يريدون إسقاط حزب سياسي أو شخصية بعينها، بل يطالبون بإنهاء نظام سياسي قائم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين عام 2003م).

وذكر التقرير أن طريقة التعيينات الحكومية التي تتم على أساس الحصص الطائفية وليس الجدارة سمحت باضطهاد كثير من العراقيين ومنح الزعماء الشيعية فرصة لإساءة استخدام الأموال العامة وإثراء أنفسهم وأتباعهم، ونهب ثروات البلاد.

وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي تم تنصيبه بالاتفاق بين أكبر كتلتين شيعيتين ودون أي دور للأحزاب السياسية. ولفتَ الانتباه إلى نقطة مهمة هي أن المظاهرات الأخيرة تفتقر إلى قيادة وهيكل تنظيمي، ومن غير المرجح أن تؤدي إلى إحداث تغيير للنظام القائم، بل ستزيد تضاعف قوة القمع الذي يمارسه حُماة النظام.

أما مجلة الفورين بوليسي فأرجعت في مقالة لها اندلاع المظاهرات إلى إقالة الجنرال عبد الوهاب السعدي من منصبه، بعد أن تولى قيادة فرقة عسكرية شاركت في محاربة تنظيم (داعش) خلال الفترة الماضية، وقالت المجلة: إن تنحية السعدي من قيادة جهاز مكافحة الإرهاب في العراق وقيادة (الفرقة الذهبية) التابعة له فُسِّرت على أنها ضمن الصراع الإيراني الأمريكي في العراق. وأشارت إلى أن هذا الجهاز تم تأسيسه ودعمه من القوات الأمريكية وضم القوميين فقط، بعيداً عن الهوية الطائفية كسائر الميليشيات العراقية الموالية لإيران.

وقالت المجلة: إن إزاحة السعدي من منصبه واتهامه بارتباط وثيق مع الجيش الأمريكي يشير إلى تفكك فعّال في الجيش العراقي، ومخاوف من حدوث إنقلاب عسكري؛ نظراً للقوة العسكرية التي كانت تحت أمرت السعدي الذي تم ترشيحه جنرالاً موالياً لإيران لتسلّم منصبه.

كذلك رجّحت المجلة الأمريكية أن يتدهور الوضع سريعاً في العراق؛ لأن المطالب الثورية التي خرجت بها الجماهير ذات أبعاد سياسية لا تستهدف الحقوق فقط كتحسين الوضع الاقتصادي والسكن، بل تشمل أيضاً التخلص من نفوذ الأطراف الخارجية في العراق، مثل إيران والولايات المتحدة التي استهدفت سفارتها بقذائف مدفعية خلال الحراك الجماهيري.

بدورها رأت مجلة الايكونوميست أن إعتماد الديمقراطية على دعم الأغلبية الشيعية لم يمنع خروج مظاهرات في المناطق ذات الكثافة السكانية الشيعية، فالإحباط من القيادة السياسية هو لب المظاهرات التي خرجت تطالب بإخراج إيران.

وأشارت المجلة أيضاً إلى استبعاد الجنرال السعدي، مرجحةً أن يكون للقبائل الجنوبية دور في هذا الحراك؛ لأنها تعتقد بأن إزاحته لها علاقة بمحاولاته القضاء على النفوذ الإيراني في الجيش.

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن فنار حداد، الخبير في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة قوله، أن الخلافات السياسية والدينية عميقة في العراق؛ وهذا ما يجعل المظاهرات الأخيرة استثنائية. ويضيف: (إنها المرة الأولى التي نسمع فيها أشخاص يطالبون بإسقاط النظام).

وتقول صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية في الشق الاقتصادي الذي هو أحد أبرز دوافع الاحتجاجات الأخيرة: إن البرنامج الذي أعلنت عنه الحكومة العراقية لتهدئة المتظاهرين يتضمن 3.7 مليار دولار لتحسين الحالة الاقتصادية، وهو سيؤدي فقط إلى تفاقم مشكلات العراق، وسيزيد من الفساد داخل القطاعات الحكومية.

كما أشارت الصحيفة إلى القلق الإيراني من المظاهرات، ونقلت تصريحات للمرشد علي خامنئي يقول فيها:” إن الأعداء يحاولون زرع الخلاف بين العراق وإيران، لكنهم سيفشلون ولن تكون مؤامرتهم فاعلة”.

ووصف موقع مجلة التايم المشهد العراقي بقوله: إن الاضطرابات الجارية هي أخطر تحد يواجه العراق بعد القضاء على تنظيم داعش، مشيراً إلى احتمال أن تكون الأزمة مجرد صراع على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة.

وضمن تقرير نشره موقع (تشاتام هاوس) أن (مدينة البصرة الغنية بالنفط شهدت العام الماضي احتجاجات ضخمة قام خلالها المتظاهرون بإحراق القنصلية الإيرانية، لكن رداً على تلك الاحتجاجات قامت جماعات مسلحة بإطلاق النار على المتظاهرين مما أنهى المظاهرات بشكل تام).

لماذا ظلّت البصرة هادئة؟!

وقد بقيت البصرة هادئة خلال الاحتجاجات الأخيرة بشكل غير معتاد، وهذا الأمر تفسره إستراتيجية القمع التي استُخدمت لاستهداف المجتمع المدني ونشطاء المحافظة، إضافة إلى وجود علاقات متماسكة بين قوات الأمن العراقي والقبائل المحلية والمليشيات الشيعية، وهي علاقات تسندها المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة، إضافة إلى ارتباط هذه الميليشيات بالسكان المحليين، من خلال مزيج من الهيكلة القبلية وإستراتيجية التجنيد التي تستخدمها الميليشيات في البصرة.

فقد تضمنت حملة القمع التي نُفذت في عام 2018م في البصرة عمليات واسعة لجمع المعلومات وتجنيد المخبرين، وتم استخدامها في مراقبة قادة الاحتجاجات واحتواء تحركاتهم. وتمت تصفية عدد من النشطاء الرئيسين، وكذلك فر آخرون وتعرض بعضهم للتهديد، وسُجن آخرون.  وشوهد تطبيق هذا النمط في الاحتجاجات التي شهدتها بغداد، ونُفذت عمليات اغتيال استهدفت النشطاء حسين عادل مدني وزوجته سارة مدني، على يد مسلحين اقتحموا منزلهما في البصرة، وكان ذلك تحذيراً وقائياً للآخرين.

إن التنافس على النفوذ في بغداد بين الفصائل سمح بوجود هشاشة أمنية؛ وهذا أدى إلى غياب السيطرة الكاملة على الاحتجاجات، حيث تعمل فصائل مختلفة داخل أجهزة الأمن في سياق مصالح متقاطعة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *