الأكراد في دولة البعث

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

يعتبر الأكراد جزءاً مهم من فسيفساء التنوع العرقي والديني والطائفي في سورية، وطيلة قرون عاش الأكراد حياة كريمة مع محيطهم العربي، كما انخرطوا في المناشط السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية كافة، ولمع من بينهم أسماء مهمة في سماء السياسة السورية، بل وصل عدد منهم لتسلم أعلى منصب حكومي في الدولة وهو منصب رئيس الجمهورية السورية قبل وصول حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم بعد انقلاب عام 1963م. وممن تسلموا الرئاسة في سورية من الأكراد محمد على بيك العابد (ويعتبر أول شخص يتقلد منصب رئيس الجمهورية في سورية زمن حكم المستعمر الفرنسي لسورية ولبنان)، وحسني الزعيم، وفواز سلو، وأديب الشيشكلي.

يعيش في سورية اليوم قرابة أربعة ملايين كردي يقطنون مناطق شمال وشمال شرق سورية، وتعد المناطق الطبيعية للأكراد في سورية هي الأغنى، حيث توجد منابع النفط في منطقتي شرق الفرات والجزيرة السورية، كما تعتبر المنطقة سلة غذاء سورية؛ فهي مصدر رئيس لإنتاج القطن والقمح والشعير، ومع كل هذه المقدرات التي وهبها الله للمناطق التي يقطنها الأكراد في سورية تعتبر مناطقهم من أفقر المناطق في سورية من حيث توفير الخدمات العامة بكافة أنواعها وافتقارها للخدمات الطبية الحديثة، وذلك بسبب إهمال الحكومات السورية للمنطقة وسعيها الدائم لتهميشها.

ومع مجيء حزب البعث للحكم في سورية عام 1963م عقب انقلاب عسكري قام به حافظ الأسد ورفاقه صلاح جديد وسليم حاطوم من الطائفتين العلوية والدرزية، منذ ذلك التاريخ بدأ في سورية عهد جديد في التعامل مع الكرد، فعمدت الحكومة البعثية على انتهاج سياسة تعريبهم بجميع الوسائل المتاحة وباستخدام القوة في أحيان كثيرة، فعمدت لتحقيق ذلك إلى البدء بقطاع التعليم، فتم نقل كل من يعمل في قطاع التعليم من الأكراد من مناطقهم الأصلية للمناطق العربية، وبالمقابل قامت بتعيين طاقم تدريس عربي كامل في المناطق التي يقطن فيها الأكراد، وتم رسمياً منع التداول باللغة الكردية بين الموظفين الكرد في أوقات العمل، وكانت عقوبة الفصل من العمل والطرد النهائي لمن يُقبض عليه وهو يتحدث اللغة الكردية في أوقات الدوام الرسمي، وكانت عقوبة السجن وإلصاق تهمة الخيانة وازدراء اللغة العربية جاهزة لكل ضابط أو عسكري يقبض عليه وهو يتحدث الكردية في قطاعات الجيش والشرطة.

ومع مجيء حافظ الأسد للسلطة في سورية عام 1970م ازدادت قبضة النظام الحاكم على الأكراد وتم تجريد قرابة نصف مليون كردي من الجنسية السورية بحجة أنهم يعودون إلى أصول كردية تركية وأنهم ليسوا مواطنين سوريين بل قدموا إلى سورية هرباً من الاضطهاد التركي لهم عام 1925م عقب ثورة الشيخ سعيد بيران التي قمعتها حينها حكومة أتاتورك بقسوة، وفي ظل هذا القانون تم فصل عشرات الألاف من الأكراد من وظائفهم الحكومية وجُردوا من حقوقهم المدنية واضطر كثير منهم للعمل بمهن دنيا وفي مجلات جمع القمامة وتنظيف الشوارع وكخدم في المنازل أو كعمالة رخيصة في المزارع والمصانع، وكان لا يتجاوز راتب الشخص شهرية 3000 ليرة سورية، أي: ما يعادل خمسين دولاراً أمريكياً.

في عام 2004م قامت انتفاضة عارمة في مناطق شمال سورية للمطالبة بنيل الكرد حقوقهم، لكنها قوبلت من نظام بشار الأسد بالحديد والنار فقتل العشرات، وزُج بالمئات في سجون النظام السوري، ولايزال كثير من المعتقلين مجهولي المصير إلى اليوم.

في عام 2005م قام نظام بشار الأسد بخطف وقتل الشيخ الكردي الشهير معشوق الخزنوي في حلب بعد خطاب له في مدينة القامشلي طالب فيه النظام السوري بالعدل والمساواة بين السوريين وإعطاء الأكراد حقوقهم المسلوبة، وكان الخزنوي من النشطاء في المطالبة الدائمة في وجوب حصول الأكراد على حقوقهم كمواطنين سوريين لهم حق العيش بكرامة في وطنهم سورية مثلهم مثل بقية أفراد الشعب السوري، وخُطف الشيخ وقتل في ظروف غامضة، وعمدت الحكومة السورية إلى التعتيم على جريمة القتل وفي النهاية تم إسنادها ضد مجهول، إلا أن أبناء عشيرة الخزنوية الكردية قاموا بفضح الجريمة التي ارتكبتها أجهزة النظام الامنية للتخلص من الشيخ الذي كان يحظى باحترام محلي ودولي؛ بسبب مطالبه العادلة التي سببت الحرج لنظام حافظ الأسد.

وفي ظل حكم الأسد الأب ومن بعده الابن كان ممنوعاً على الأكراد تقلد المناصب الرفيعة أو الحساسة في الدولة السورية، وكان الكردي يعاني من التهميش وعدم قبوله في الوظائف الحكومية التي كانت تذهب لأبناء الطوائف والأعراق الأخرى. ولم تعرف فترة حكم الأسد أي منصب أسند لشخص من أصول كردية، في حين كان النظام السوري يدعي ويتشدق بأنه يعمل وفق نظام حر اشتراكي يتساوى فيه كل أفراد الشعب السوري بالحقوق والواجبات.

طلائع البعث

حاول النظام السوري بكل السبل تعريب الأكراد في سورية وكان البدء في منظمة طلائع البعث؛ إذ كان يتوجب على كل كردي تسجيل أبنائه فيها، وهي منظومة مهمتها تربية النشء من طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة على الفكر البعثي القومي العربي تحت لافتة (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وهي منظمة حسب شعارها الرسمي إقصائية لكل من هو ليس بعربي، وقد فطن كثير من الكرد للمخطط التعريبي فمنعوا أبناءهم من الانتساب لمنظمة طلائع البعث، وكانت النتيجة فصل كل من لا ينتمي إلى المنظمة من المدارس الحكومية، وقد عمل النظام على إنشاء ما يسمى بمنظمة الشبيبة وهي منظمة تكمل مسيرة منظمة طلائع البعث في تشريب الشبان في المراحل الثانوية الفكر الثوري القومي الاشتراكي.

وفي المرحلة الجامعية أنشأ النظام ما عُرف بالتدريب العسكري الذي يتوجب أن يكون كل منتسب إليه منتسباً سابقاً لحزب البعث العربي الاشتراكي، وبالطبع أُجبر الكرد على الانتساب لكل هذه المنظمات التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مضطرين مرغمين، ليستطيعوا العيش في ظل دولة يحكمها نظام بعثي عنصري إقصائي.

اتفاقية أضنة

عاش كل من النظام السوري والتركي فترة شهر عسل منذ عام 1998م حتى قبيل قيام الثورة السورية عام 2011م، ووقّعت خلالها الدولتان الكثير من الاتفاقيات على الصعُد كافة، وكان من بينها اتفاقية أضنة التي وقعها رئيس النظام السوري حافظ الأسد مع الرئيس التركي سليمان ديميريل، وتقضي اعتبار كل الأحزاب الكردية منظمات إرهابية محظورة يجب مكافحتها، ونصَّت الاتفاقية على السماح للقوات التركية بالدخول لمسافة خمسة كيلومترات داخل الأراضي السورية على طول الحدود المشتركة البالغة تسعمائة كيلو متر لتعقب الانفصاليين الأكراد.

الأكراد ممنوعون من كل شيء

تؤكد كل المنظمات العاملة في مجال حقوق الانسان والتابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه يقع ظلم كبير على العنصر الكردي في سورية؛ فهم لا يمكنهم استخدام اللغة الكردية في المدارس، ولا يُسمح لهم بتعلم لغتهم في المدارس أو إنشاء مدارس للغة الكردية، ويُحظر عليهم نشر الكتب وغيرها من المواد المكتوبة كالصحف أو المجلات باللغة الكردية.

الأكراد بعد عام 2011م

عقب قيام الثورة السورية عام 2011م شارك الكرد إخوانهم العرب في تلك الثورة منذ بدايتها، وخرجت لهم مظاهرات في مدن القامشلي وعاموده وكوباني وحلب والحسكة وغيرها، وقد لمع حينها اسم السياسي الكردي مشعل التمو الذي دعا الكرد للقيام والخروج للمطالبة بحقوقهم كغيرهم من بقية أبناء الشعب السوري، ونتيجة لنشاطه المتزايد قامت السلطات السورية باغتياله، وخلال موكب جنازته في مدينة القامشلي، فتحت قوات الأمن السورية النار على حشد من أكثر من 10 آلاف شخص من المشيعين؛ مما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص.

اليوم وبعد مرور تسع سنوات على قيام الثورة السورية خُذل الأكراد مجدداً بخاصة أنهم كانوا القوة الكبرى التي ضحّت بشبّانها وأسهمت في قتال تنظيم داعش على الأرض السورية، وبعد انتهاء دورهم في قتال التنظيمات الإرهابية أدارت كل القوى الدولية ظهرها لهم لتتركهم مجدداً فريسة للنظام السوري وللقوى المختلفة، وها نحن أولاء نراهم اليوم يعودون مجبرين إلى حضن النظام السوري مرغمين، بعد تخلي العالم كله عنهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *