قصة رحلة الشيخ السعدي إلى جامعة هارفارد

المثقف الجديد - حوار

عبدالله بن سرور الجودي استشاري طب الأسرة والمجتمع، ورئيس لجنة الأخلاقيات بالمستشفى الجامعي، وهو يعمل بكلية الطب بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل.
وقد أجرى معه موقع (المثقف الجديد) هذا الحوار، حول قصة ذهاب الشيخ عبدالرحمن بن سعدي إلى جامعة هارفارد الأمريكية.

*كيف واتتك الفكرة للذهاب بالشيخ عبدالرحمن بن سعدي إلى جامعة أمريكية؟
-بدأت القصة مع ورقة بحثية كتبتُها بهدف تسليط الضوء على محتوى المشاركة العلمية التي قدمتها خلال مؤتمر الأخلاقيات الطبية بكلية الطب بجامعة هارفارد، وكانت عن سبق الشيخ ابن سعدي علماء المسلمين إلى مناقشة التبرع بالأعضاء وزرعها.

*هذا يعني أنك أردت إبراز دور العلماء السعوديين في قضية التبرع بالأعضاء؟
-نعم، في أبريل 2018م عقد مركز الأخلاقيات الطبية بكلية الطب بجامعة هارفارد مؤتمره السنوي بمناسبة مرور 50 عاما على تقرير هارفارد لتعريف موت الدماغ وعلاقته بنقل الأعضاء. وكعادة المنظمين أرسلوا دعوات إلى الباحثين للمشاركة بأوراق علمية. ولما كانت المملكة العربية السعودية من الدول التي تبنت تعريف موت الدماغ في وقت مبكر فكرت في المشاركة بموضوع يضيف إلى المؤتمر ويبرز دور علماء السعودية في هذا الجانب.وكانت الأيام تمضي وأنا لم أجد موضوعا يمكن أن ينافس في مؤتمر عالمي كمؤتمر هارفارد السنوي ولكن قبل نهاية موعد تسليم المشاركات بأيام وقع نظري على كتاب “مجموع الفوائد واقتناص الأوابد” فأخذت أقلبه، فوجدت مقالة الشيخ السعدي رحمه الله عن التبرع بالأعضاء، فحمدت الله عز وجل، ورأيت فيها فرصة لإضافة معلومة لا توجود في البحوث العلمية المنشورة في المجلات المحكمة عن القضايا المتعلقة بالتبرع بالأعضاء وزراعتها، وفيها إبراز سبق هذا العالم الرباني الذي شغفت بحبه منذ أيامي الأولى في كلية الطب عندما قرأت تفسيره الرائع، فشمرت عن ساعد الجد وبادرت إلى ترجمة أجزاء من المقالة إلى اللغة الإنجليزية، وأعددت ملخصاً أرسلته إلى لجنة المؤتمر العلمية وبعد أسابيع جاءتني البشرى بالقبول.

*ما هي الطريقة أو الأسلوب الذي اعتمدته في تقديم مشاركتك، أو المدخل، أو المفتاح الذي وجدته مناسباً ليكون مولجك إلى عرض موضوعك؟
-بدأتُ مشاركتي بمقدمة عما قام به الجراحان جوزف موري وديفيد هيوم من مستشفى برقهام بمدينة بوسطن في 23 ديسمبر 1954م من إجراء عملية جراحية تأريخية ناجحة لنقل كلية من شخص معافى إلى أخيه

الشيخ عبدالرحمن بن سعدي

الشيخ عبدالرحمن بن سعدي

التوأم، وما تبع ذلك من نقاشات حول العالم عن أخلاقية هذه العملية بما في ذلك النقاشات الفقهية في العالم الإسلامي.
ثم لخصت للحضور نظام الشريعة الإسلامية المطهرة، فذكرت مصادر التشريع ومقاصده وقواعده وأحكامه التكليفية الخمسة وشمولها لكل حركة من حركات المسلم والمسلمة في أي زمان ومكان وعلى أي حال كان منذ أن يولد إلى أن يتوفى مما يشكل فارقا جوهريا بين الإسلام وغيره من الأديان.
ثم ذكرت أن علماء المسلمين يبادرون بدراسة القضايا المستجدة ليبينوا للمسلمين أحكامها حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم فيما يأتون ويذرون من أعمالهم، ثم لخصت تأريخ أهم الفتاوى والقرارات التي أصدرها علماء المسلمين فرادى ومجتمعين عن التبرع بالأعضاء وزراعتها ابتداء بفتوى مفتي مصر في عام 1959م بإباحة نقل القرنية وزراعتها في العالم الإسلامي، مروراً بفتوى مجلس هيئة كبار علماء السعودية في عام 1978م بإباحة نقل وزراعة القرنية، وانتهاء بفتوى مجلس الإفتاء البريطاني في عام 1995م بجواز نقل الأعضاء.

*لكنك أشرت الآن إلى أن الأدبيات المعاصرة تفيد أن أول فتوى عن التبرع بالأعضاء صادرة عن الأزهر، وليست عن علماء السعودية؟
-هذا صحيح، فقد صدرت الفتوى عن التبرع والأعضاء من الأزهر في عام 1959م، ولكني اكتشفت أن عالما سعوديا من منطقة القصيم في وسط السعودية سبق الجميع”. وجذبت هذه العبارة انتباه الحضور وهيئتهم لما سأتلوه عليهم من سيرة الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله، وسبقه العلمي.
وهذا العالم “اسمه عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ولد في الثامن من سبتمبر عام 1889” ماتت أمه وهو في الرابعة من عمره ومات أبوه وهو في السابعة فنشأ يتيما مثل نبينا محمد صلى الله عليه وآله سلم، ثم حفظ القران وهو في العاشرة من عمره وأبرزت نسخة من ترجمة معاني القران بالانقليزية ليدرك الحضور حجم المعلومات التي استطاع الشيخ أن يستحضرها، ثم بينت أن هذا يدل على قوة حافظته وهي من علامات النبوغ والذى فيما يظهر كان عاملا لبدايته المبكرة في طلب العلم الشرعي وهو في الحادية عشر من عمره ويبدو أنه لم يكن يعتمد على جودة ذكائه وقوة حافظته فحسب بل كان مجتهدا في الطلب لأنه ابتدأ التدريس وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ولم يكن ذلك بالأمر الشائع في تلك الأيام مما يؤكد تميزه الواضح عن أقرانه. ويبدو أن توفر جمع من المدرسين متنوعي التخصصات والخبرات ساعد في ظهور نبوغه وإبراز ذكائه وربما أثر في شجاعته الأدبية وجرأته على إصدار فتاوى استنكرها عليه بعض أقرانه.

*كانت للشيخ السعدي قصة طريفة مع تردد بعض المشايخ في إدخال مكبر الصوت في المساجد؟
-الشيخ كان أول من استفاد من المخترعات الحديثة التي كان بعض المشايخ يترددون في تبنيها ومن ذلك إدخاله مكبر الصوت إلى مسجده، وقد واجه انتقادات من بعض المشايخ وأتباعهم من العوام، ولكنه استطاع بأخلاقه المتميزة وأسلوبه التربوي الفعال بالإضافة إلى عامل الزمن من احتواء أكثر معارضيه والذين رجعوا فيما بعد إلى قوله وادخلوا مكبرات الصوت في مساجدهم بعد أن كانوا يستنكرون ذلك.

*ويعدّ السعدي كذلك ممن أدخلوا أسلوب المناظرة بين الطلاب في التدريس؟
-من القضايا المهمة التي تميز بها الشيخ السعدي أسلوبه التربوي؛ فطريقته المميزة في التدريس كانت تخالف طريقة الشيوخ في ذلك الزمان حيث لم يكن يكتفي بقراءة كل طالب عليه ما يريد من الكتب قراءة مجردة، بل كان يجمع الطلاب على كتاب واحد مقرر ويشرح ويحلل ويوضح كلام المؤلف ويناقشه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث كان يقوم بتقسيم طلابه إلى فريقين، كل فريق يتبنى رأيا مخالفا للفريق الآخر ثم يعقد بين الفريقين مناظرة علمية، وهذا دون شك يعد ثورة في أساليب التعليم إذا أخذنا في الاعتبار عامل الزمان والمكان فلا يمكنكم أن تتخيلوا مقدار الشجاعة والثقة بالنفس التي تتطلب إدخال مثل هذا الأسلوب التعليمي في ذلك الوقت الذي كان فيه العالم الإسلامي يئن تحت وطأة التقليد” إن الشيخ ابن سعدي رحمه الله وربما دون أن يعلم تبنى نظرية تعليم الكبار “أندراغوجي” القائمة على التفكير النقدي والحوار بعكس نظرية تعليم الصغار “بيداغوجي” القائمة على التلقين. بل لا استبعد أن إطلاعه الواسع قد دله على هذا الأسلوب.

*نستطيع إذن أن نقول: إن المواقف السابقة تدل على أن الشيخ عبدالرحمن السعدي كان عالما إصلاحيا بامتياز؟
-هو كذلك، وقد أبرزت مشاركتي دور أساتذة السعدي في تكوينه العلمي الإصلاحي فقلت:
1. تحدثنا مصادر ترجمته أنه تلقى العلم على عدد من العلماء ممن لهم تخصصات مختلفة وخبرات عالمية منهم: صالح القاضي، الذي طلب العلم في مصر والحجاز، وإبراهيم ابن جاسر الذي طلب العلم في الشام والعراق، ومحمد أمين الشنقيطي، الذي طلب العلم في بلده موريتانيا ثم طاف دول المسلمين ومنها عنيزة التي أقام بها أربع سنين، وعلي أبو وادي، الذي طلب العلم في الهند وأصبح من كبار المحدثين، وعبد الله بن عايض، الذي طلب العلم في الحجاز ومصر، ومحمد الشبل، الذي طلب العلم في الحجاز ومصر والعراق والشام، ومحمد بن عبدالعزبز المانع، الذي طلب العلم في العراق والشام والأزهر.
2. ومما ساعد أيضا على تكوينه الإصلاحي اطلاعه على أحوال المسلمين من خلال قراءة مجلة المنار، التي كان يصدرها العالم الإصلاحي محمد رشيد رضا، ومجلة الفتح التي كان يصدرها العالم الإصلاحي محب الدين الخطيب.
3. ومما ساعد على تكوينه الإصلاحي قراءة كتب العلماء المصلحين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قاد حملة واسعة على مظاهر الفساد المتنوعة التي كانت منتشرة في عصره والذي زاد الاهتمام مؤخرا بدراسته في الأوساط الغربية.
4. ومما ساعد في تكوينه الإصلاحي نشوؤه في بلده عنيزة، التي تقع على طريق الحاج والتي يتميز أهلها باشتغالهم بالتجارة حيث يرحلون إلى العراق والشام والحجاز ومصر ويعودون محملين بخبرات متنوعة وأسئلة كثيرة كانت بالتأكيد مثارا لنقاشات في المجالس التي لا بد من أن الشيخ السعدي كان مشاركا فيها، مستمعا وموجها وناصحا ومجيبا على أسئلة السائلين.

*هل يمكن لقارئ (المثقف الجديد) أن يحصل منك على موجز حول موقف الشيخ السعدي من مسألة التبرع بالأعضاء؟
-ذكرت في مشاركتي أن الشيخ أنهى كتابه في 25 يونيو 1925م، وهذا وقت مبكر جدا للحديث عن موضوع التبرع بالأعضاء وزراعتها، ولكن يمكن أن يكون الشيخ أضاف المقالة في وقت آخر كعادة العلماء في الإضافة على كتبهم قبل عصر الطباعة، (ولكني أعترف الآن بأن هذا الاحتمال بعيد لأن هذا التأريخ ليس تأريخ الانتهاء من الكتاب، ولكنه تأريخ الانتهاء من جواب عن سؤال ورد للشيخ السعدي، أضافه الناشر إلى خاتمة الكتاب عند طباعته) ولكن حتى لو قلنا إن الشيخ لم يؤلف الكتاب إلا قبيل وفاته فإنه بذلك يبقى سابقا لغيره، لأن فتوى مفتي مصر في 1959م والشيخ توفي في 1956م، إذن فهذه معلومة جديدة تضاف إلى أدبيات التبرع بالأعضاء، وتُسجَّل دون شك سبقا للشيخ عبدالرحمن السعدي في طرق هذا الموضوع المهم.
وقد قال الشيخ في بداية مقالته: “في هذه المسألة قبل كل شيء نحن واقفون على الحياد؛ حتى يتضح لنا اتضاحا تاما الجزم بأحد القولين” مما يعني أن الشيخ لم يكن عنده تحيز لأي قول من الأقوال قبل تناول المسألة، وهذه موضوعية مطلوبة في البحث العلمي، وهي مما يدل على مصداقية الشيخ رحمه الله، وبالرغم من أنه لم يصرح باختياره إلا أنني حاولت أن أتلمس من خلال المقالة الرأي الذي كان يميل إليه وإن لم يصرح به.

*إذا كان الشيخ السعدي قد صرّح بأنه محايد في القضية، فكيف توصّلتَ إلى أن له موقفاً يميل إلى تأييدها؟
-قمت بتحليل المقالة تحليلا كمياً، ولاحظت أن المقالة عبارة عن 1476 كلمة تقريبا خَصّص منها 12.6% للمقدمة و7.9% للخاتمة و22.6% لحجج المانعين، على حين أعطى حجج المجيزين 56.9% من المقالة؛ وهذا يدل على أن الشيخ كان يميل إلى جواز التبرع بالأعضاء وزرعها وإن لم يصرح بذلك في تلك المقالة، ونحن نعلم الآن أن الرأي الذي يمنع التبرع كان هو الرأي السائد إلى وقت قريب بين العلماء في السعودية، أما في ذلك الوقت فليس عندنا ما يدل على أن أحدا من العلماء السعوديين قبل الشيخ ابن سعدي قد طرَق المسألة، فضلا عن أن يكون له رأي فيها، إلا ما كان من المفتي الأكبر الذي أصدر فتوى رسمية عام 1966م صرح فيها بتوقفه في حكم نقل القرنية الذي أجازته بعد ذلك هيئة كبار العلماء في فتوى صدرت في عام 1978م. ولكن فتوى الهيئة بجواز نقل الأعضاء لم تصدر إلا في عام 1982م، يعني بعد 26 سنة من وفاة الشيخ ابن سعدي رحمه الله.

*للشيخ موقف آخر مرتبط بالقضية نفسها، وهو أخذ المتبرع مقابلاً مادّياً مقابل التبرّع؟
-من القضايا المهمة التي تناولها الشيخ السعدي ويدور حولها في جميع أنحاء العالم جدل كثير قضية أخذ العوض على التبرع بالأعضاء، والشيخ يصفها بأنها من “إيثار الأخ بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف بل ولا مرض، وربما كان في ذلك نفع له إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا أو صاحب حق كبير أو أخذ عليه نفعا دنيويا أو ينفع من بعده” فقوله: “أو أخذ عليه نفعا دنيويا” يمكن أن يُفهم منه أن الشيخ لا يرى بأسا بذلك، ولكني ترددت في إشاعة هذا القول عن الشيخ في مؤتمر عالمي في أهم صرح علمي بالولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن الشيخ إنما ذكره في معرض الحِجاج على لسان المُجيز، ونسبة هذا القول إليه رحمه الله تتطلب وجود نص واضح صريح عنه لا يقبل التأويل؛ فلا يُكتفى بمثل تلك الإشارة العارضة، ولذلك أضربت عن ذكره صفحا.

*كيف تلقّى الحضور العلمي في جامعة هارفارد هذه المشاركة، وماذا كانت انطباعاتهم عنها؟
-لقد لفتت مشاركتي نظر الكثير من الحضور، وقضيت ساعات واقفا أمام صورة الشيخ ابن سعدي رحمه الله، وبجوارها صورة لمخطوط بخط يده وأنا أشرح وأفسّر وأبيّن، بل اضطررت إلى تفويت بعض المحاضرات لئلا تفوتني فرصة النقاش والحوار مع الحضور، ومن أبرز من وقف عند مشاركتي ولفتت أنظارهم بعض قساوسة النصارى الكاثوليك الذين هم أكثر النصارى معارضة لنقل الأعضاء بعد الأرثوذوكس وزراعتها، وكانت اعتراضاتهم تشبه إلى حد كبير اعتراضات علماء المسلمين المحرمين وأهمها قولهم: “إننا لا نملك أجسامنا وإنما هي ملك لله فكيف نتصرف فيما لا نملك”، وكذلك أحد أحبار اليهود الأرثوذوكس، وهم كذلك من أشد المعارضين لنقل وزراعة الأعضاء ناقشني في جواز التبرع بالأعضاء وزاد على ما ذكره الكاثوليك أن جسد المتقبل للعضو يتنجس بالعضو المنقول إليه وتتنجس روحه ومن الطريف توقف بعض اللادينين المتخصصين في الأخلاقيات الحيوية عند المشاركة ولفت نظرهم أن الشيخ كان “متحررا” في طرحه للموضوع بالرغم من أن الشائع عن علماء السعودية أنهم أكثر العلماء المسلمين تشددا، ودار بيننا نقاش على ماذا يعنون بمصطلح “متحرر” و”متشدد” عندما يصفون به عالما مسلم، وما هو المقياس الذي على أساسه يوزن “التحرر و”التشدد”.
ومن أهم من وقف عند مشاركتي طويلا رئيس مركز الأخلاقيات الحيوية بهارفارد وهو أحد أبرز العلماء الذين كتبوا كتبا ومقالات في قضية موت الدماغ والتبرع بالأعضاء وله آراء جريئة جدا في المجالين، وقد أشار علي بترجمة مقالة الشيخ ومناقشتها ووعد بمراجعتها إذا قررت نشرها، ومن أبرز من أشاد بمشاركتي رئيسة مركز هاستنقز أكبر مركز لبحوث الأخلاقيات الحيوية بأميركا وأكثرها تأثيرا في الرأي العام، والمسئولة عن إعداد منهج الأخلاقيات الحيوية للمدارس الثانوية بأمريكا، وقد تساءلت عن سبب تأخر تبني هيئة كبار العلماء السعوديين للقول بجواز التبرع بالأعضاء بالرغم من وجود هذه الفتوى المبكرة، وكان جوابي أن المسألة لم تكن شائعة في ذلك الحين فإن الخدمات الصحية في السعودية وقتها كانت في بداياتها ولم يكن موضوع نقل وزراعة الأعضاء من الأمور المهمة لصانع القرار، ثم تبني المفتي الأكبر وتلميذه المفتي العام للقول بالتحريم قد يكون أخر تبني باقي العلماء القول بالجواز بل إن أبرز طلاب ابن سعدي كان من أبرز القائلين بالتحريم، وهنا علقت قائلة هذا يعني أن ابن سعدي لم يربي طلابه على الخضوع لرأيه، فأجبتها: “بالتأكيد لم يكن كذلك”.
وبالإضافة الى نشر الملخص باللغة الإنجليزية على صفحة المؤتمر بموقع مركز الأخلاقيات بكلية الطب بجامعة هارفارد فقد أرسلت الملصق الذي يحتوى على معلومات تفصيلية لعدد من الحضور لا سيما الذين توقفوا طويلا عند مشاركتي وناقشوني فيها وطلبت منهم تزويدي بملاحظاتهم.

*لكن ما الرسالة التي أردتَ أن تصل إليها؟ ماذا يفيدنا أن يعرف الغرب أن لدينا مشايخ يُبيحون التبرع بالأعضاء؟
-أهمية الورقة الأساسية هي أنها تضيف معلومة جديدة إلى أدبيات التبرع بالأعضاء وزراعتها، لكن لها إيجابيات أخرى تتعلق بهذه البلاد الكريمة وحكّامها وشعبها وعلمائها، إضافة إلى الجانب الدعوي فيها الذي لا يمكن إغفاله، فمن المتوقع أن توصل للحضور رسالة مفادها أن الإسلام دين شامل وكامل وصالح لكل زمان ومكان، وكما وفر الحلول للمشكلات وأجاب عن الأسئلة في الماضي فهو قادر في الحاضر على توفير الحلول والأجوبة إذا تعاون علماء الشرع وعلماء الواقع من الأطباء وغيرهم على تصور وتصوير القضايا المعاصرة والعمل على تخريج وتنقيح وتحقيق مناطاتها مشتركين.
وكذلك توصل رسالة مفادها أن الإسلام لم ولن يعارض التطور الطبي والصحي لما فيه صلاح البشرية ولكن المشكلة تكمن في سوء التصور أو التصوير للقضايا الطبية المعاصرة من بعض من يسيء الفهم من العلماء أو الأطباء. والحاجة ماسة إلى وجود منتديات تجمع الفقهاء والأطباء جنبا إلى جنب بحيث تصدر الأحكام الشرعية صدورا جماعيا بما يضمن دقة التصوير العلمي وصحة التكييف الفقهي.
وهنا أذكر كلاما رائعا ختم به الشيخ السعدي رحمه الله مقالته حيث قال: “ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل ومجاراة الأحوال إذا لم يخالف نصا شرعياً؛ لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون، وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه ترك التزام ذلك فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك لضعف الإيمان وعدم الرغبة في الخير أو نقصها، كما يلاحظ أيضا أن يعرف الناس أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة بل يجاري الأحوال والتطورات والأزمان ويتتبع المنافع والمصالح الكلية والجزئية، فإن الملحدين يموهون على الجهال بأن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة، وهم في ذلك مفترون، فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلوب من كل وجه: الكلي والجزئي، وهو حلاّل لكل مشكلة خاصة أو عامة وغيره قاصر من جميع الوجوه”.

*إذن فأنت تعوّل كثيراً على أهمية دور العلماء المسلمين الإصلاحيين في القضايا المعاصرة والنوازل الطبية؟
-نعم، وقد تبيّن لي بجلاء مدى الحاجة إلى إبراز دور علماء المسلمين الإصلاحيين في نقاش القضايا الطبية الفقهية، وذلك من خلال كتابة المقالات التي تبرز دورهم والمشاركة في المؤتمرات العالمية التي تفتح عيون الآخرين عليهم، والتواصل اللجان المنظمة محليا لتخصيص وقت في المؤتمرات المحلية لمناقشة مناهجهم في دراسة القضايا الطبية الفقهية. وكذلك تبيّن لي مدى الحاجة إلى ترجمة نصوص علماء المسلمين الإصلاحيين الأصلية من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، وتوفير هذه النصوص للباحثين الغربيين من خلال دراستها ونشرها في المجلات الطبية المحكَّمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *