الليل الدامس في سويسرا الشرق!

المثقف الجديد - علي محمد طه

خرج مواطنو لبنان في احتجاجات مطالبين بعيش رغيد وحياة مطمئنة. في هذا البلد الذي أطلق العرب عليه في الفترة ما بين عامي 1950 و1975م من القرن الماضي لقب (سويسرا الشرق)؛ لما كان يتمتع به جمال الطبيعة ورخاء المعيشة.

لكن الأمور تغيرت بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976م وتحول لبنان ساحة لتصفية الصراعات الدولية، وتغير حال البلد لتضحي أبرز سماته التخلف على الأصعدة كافة والغلاء الفاحش في المعيشة، والفوارق الكبيرة بين طبقات الأغنياء والفقراء، إضافة إلى ظهور ما عرف بنظام (المحاصصة الطائفية)، وهي توزيع مناصب الدولة على الطوائف كافة بحيث يشغل أفراد من كل طائفة عدداً من المناصب الحكومية يتناسب مع عدد أفرادها من مجموع سكان الدولة، وقُصرت مناصب الدول العليا مثل رئيس الجمهورية لطائفة الموارنة، ورئاسة الوزراء للطائفة السنية، ورئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية.
وجرى التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976م إثر الحرب الأهلية اللبنانية، وحمل في ظاهره هدف طرد المحتل الاسرائيلي وإعادة الاستقرار الى لبنان، لكن كان تدخله في حقيقة الأمر بهدف تحجيم الوجود الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) في لبنان بالتحالف مع القوى المارونية والشيعية (حركة أمل).

انتهى الوجود العسكري السوري في لبنان في عام 2005م بعد اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري على يد مجموعة أكدت التحقيقات الدولية أنها تنتمي إلى حزب الله اللبناني المدعوم إيرانياً؛ بهدف كسر شوكة الطائفة السنية التي كانت ترى في شخص رفيق الحريري الزعيم القوي المتمكن، الذي قاد الطائفة التي عانت سنوات طويلة من سياسة التهميش وعدم وجود قيادة قوية تضمن لها حقوقها في بلد تتقاسمه الأهواء والمصالح الطائفية.

حزب الله.. بداية طريق الفوضى
برز اسم حزب الله في لبنان في بداية الثمانينات، وقد تأسس حسب زعم مؤسسيه ليكون خنجراً في خاصرة إسرائيل، وليسهم في تحرير كل الأراضي اللبنانية والعربية المحتلة، وحقيقة الأمر أن الحزب جزء من جهد إيراني لتوحيد جهود الجماعات الشيعية اللبنانية المسلحة تحت سقف واحد، لتنفذ سياسات إيران في لبنان والمنطقة، ومع تطور قوة حزب الله اللبناني نتيجة تواصل الدعم الإيراني له وتغوله ليصبح بمثابة كيان مسلح قوي داخل الدولة البنانية الضعيفة، انتهج الحزب سياسة لي الذراع لتنفيذ كل مأربه وكان القتل نهاية كل من يعترض طريق مخططه السياسي والعسكري، وعمل الحزب على تنفيذ كل سياساته تحت يافطة المقاومة لإسرائيل وانتهج سياسة الترهيب وادراج كل من ينتقده في خانة العمالة لإسرائيل وأمريكا، سياسات حزب الله التي تسببت في اندلاع حرب تموز التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006م والتي أدت لتدمير مناطق وقرى بكاملها، وعدّها حزب الله فيما بعد انتصاراً، وظل يسير على النهج السابق نفسه في سياسة التفرد بقرارات البلد السياسية والارتماء في أحضان إيران وتحويل البلد إلى دولة لاحول لها ولا قوة، تسير سياساتها وفق ما يطلب منها من الخارج، وأسهمت السياسات الخارجية لدولة لبنان التي يسيطر عليها حزب الله المتحالف مع التيار الحر الذي يرأسه جبران باسيل وزير الخارجية وصهر الرئيس البناني ميشيل عون، أسهمت في إبعاد لبنان عن محيطه العربي.

من أجل ذلك عمدت الدول العربية النفطية إلى قطع كثير من مساعداتها عن لبنان لثنية عن سياساته الخاطئة بل تعدى الأمر ذلك إلى إصدار بعض الدول الخليجية بيانات حذرت فيها مواطنيها من السفر إلى لبنان؛ لأنه بلد غير آمن بالنسبة لهم، وازدادت ضائقة لبنان الاقتصادية عقب العقوبات الاقتصادية الدولية التي استهدفت عدداً من المصارف اللبنانية، وعقب إدراج حزب الله اللبناني على قائمة الإرهاب في عدد كبير من دول العالم ودول الخليج العربي؛ لضلعه في دعم شبكات إرهابية في الخليج، ومشاركته في قتل الشعب السوري إلى جانب نظام بشار الأسد، ولعلاقاته المشبوهة مع عصابات الاتجار بالبشر وبالمخدرات في أمريكا اللاتينية، كل تلك الأسباب وغيرها أسهمت بشكل كبير في تضييق الخناق على الشعب اللبناني، الذي يعاني في الأساس مشكلات البطالة وتفشي الفساد وتدني دخل الفرد وازدياد نسبة الفقر وتردي الأوضاع الخدمية وضعف البنى التحتية.

وخلال الـ20 عاماً الماضية عانى لبنان انتشار زراعة الحشيش والمخدرات في منطقتي الجنوب والبقاع، وكلها مناطق خاضعة لحزب الله اللبناني، ونتيجة لانتشار زراعة المخدرات انتشرت ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب اللبناني، ورافقتها ظاهرة التنمر ضد الدولة من قيادات عصابات المخدرات التي تسهم بجزء كبير في تمويل نشاطات حزب الله اللبناني، ولم تعد الدولة اللبنانية قادرة على مواجهة هذه العصابات التي تمتلك أصناف الأسلحة كافة والمحمية من قوات حزب الله المنتشرة في الجنوب وفي سهل البقاع اللبناني.

احتجاجات لبنان
لم يُفاجأ العالم بخروج عشرات الآلاف من اللبنانيين المطالبين علانية بنهاية الوصاية الإيرانية على لبنان، وضرورة عودة بلدهم إلى الحضن العربي الداعم الأول والأخير له، كما طالب المتظاهرون بقوة بإنهاء هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية واستفراده بالقرار السياسي، ودعوا علانية حسن نصرالله إلى عدم اللعب بالنار والزج بلبنان في الصراعات الإقليمية، محذرين من دخول لبنان في معمعة حرب داخلية جديدة إذا استمر حزب الله في عنجهيته وتحكمه بكل تفاصيل السلطات في البلاد، مطالبين بأن تكون لبنان حرة مستقلة ولكل اللبنانيين، وليست تبعاً لأي محور إقليمي أو دولي.

وقد واجه أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله الاحتجاجات بخطاب خشبي، أعاد فيه مفردات سيناريو خطابات بشار الأسد نفسها، التي اتهم فيها القوى الخارجية وبخاصة إسرائيل وأمريكا بمحاولة العبث بأمن البلاد لثنيه عن مشروع المقاومة، وحذّر نصر الله بشكل غير مباشر المحتجين بأن صبره إذا نفد فلن يتركهم وشأنهم؛ لأن كثيراً منهم يُصنفون في نظره في قائمة العملاء والمندسين، وبدا هذا الخطاب طائفياً تحريضياً، في وقت تعيش فيه لبنان مرحلة غاية في الخطورة، وقد ألقاه نصر الله وفي خلفيته صورة خريطة وضحت فيها أسماء مدن الكوفة وكربلاء ودمشق وبعلبك، وكأن الرجل لا يشغله شيء سوى ما جرى بين المسلمين قبل قرابة 1400عام.

أخيراً رغم أن لبنان يمتلك نوعاً ما من الحرية في التعبير، وحرية صحافة لا بأس بها، إلا أن متظاهري لبنان يصطدمون اليوم بعدد من الكوارث، وبعدد من الأسئلة، ومنها مثلاً: من الذي يريدون تغييره أو إسقاطه تحديداً؟
أهو عصابة حزب الله، أم التبعية لإيران، أم نظامهم الاقتصادي الفاسد، أم المافيا العائلية السياسية، أم نظام المحاصصة الطائفي، أم تجار المخدرات؟ ماذا يردون حقاً؟! لا أحد يعلم، ولذلك فإن توقعي أننا سوف نشاهد كل سنة تقريباً مظاهرات مشابهة. ولن تصل تلك المظاهرات إلى شيء أبداً إلا إذا جد على الساعة ظرف جديد.
إن ورطة ذلك البلد الجميل كبيرة جداً، ولا علاقة أساسية لها لا بالضرائب ولا بالواتساب، فمشكلته تكمن في سيطرة البعض عليه وتحكمهم مقاليد أموره، وتحويله إلى تابع لا أكثر لسياسات ملالي طهران، وما لم يتغير هذا الوضع فسيبقى لبنان يعاني دوامة الأزمات الداخلية المتتالية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *