المثقفون والأيديولوجيا غير البريئة

موقع المثقف الجديد - عبدالرحمن الصالح

يبث المثقفون آراءهم في الموضوعات التراثية بطرائق وحيل يتشربها المتلقون فتغير اتجاهاتهم وأنماط تفكيرهم، حيث يمارس المثقف دور المقوّم والحاكم على مفاصل العلم وتاريخه، يضخ آراءه رافعا من شأن مدارس وشخوص ويحط من أخرى، كما يطرح أسئلة ويغيّب غيرها.

مواقف غير بريئة تغذيها أيديولوجيا مستترة تسعى لتغذية الإشكالات الفكرية، وتقود إلى اقتحام أسوار مدارس ومناهج، والتثمين لأفكار رموز وتهجين أخرى، وتكثيف حضور بعض الفرق وتغييب غيرها.

ويتطلب تمرير تلك الأيديولوجيا -إن صح التعبير- حيلا متعددة، تجعل القارئ أقل احتراسا وممانعة تجاه ما يطرحه المثقف في أطروحاته، ما دعا بعض الباحثين إلى القول بأن كتب تأريخ العقيدة التي يكتبها مؤرخون مستشرقون أكثر تأثيرا من كتب مسائل العقيدة التي يكتبها علماء من خارج أهل السنة.

ويشترك في التوجه ذاته ما ينتهجه بعض المثقفين الحداثيين العرب الذين كتبوا في إطار “إعادة قراءة التراث”، محمّلين بأدوات الاستشراق التي تركّب المفردات المستمدة من معاجم التأريخ كنشأة وتطور واتجاهات وغيرها، وإضافتها إلى مفردة مستمدة من التشكيلات الثقافية والمعرفية كما يرصد المختصون.

وإذا كان المثقفون العلمانيون يناكفون ويقدحون في الأحكام الشرعية بكل عنف وصراحة جارحة للقارئ المسلم، فإن بعض المثقفين سلك طرائق أخرى تدلل على الحيل التي يتبعونها في تغذية الإشكالات الفكرية في التراث الإسلامي.

حيل الثلاثينات  

يلجأ المثقف إلى التحايل في أطروحاته الفكرية من خلال التترس خلف القراءة للتراث بغية الوصول لقراء التراث من الملتزمين والمحافظين خصوصا شباب الحركات السلفية والجماعات الإسلامية.

ويعمل المثقف على الطعن في العلوم الإسلامية أو الميل إلى النتائج الاستشراقية من خلال اتباع استراتيجية واعية يصرح بها بعضهم ويخفيها آخرون، لكن المفكر المصري أحمد أمين صرّح بها لبعض خاصته.

ففي نهاية الثلاثينات الميلادية ألقى الأستاذ علي حسن عبدالقادر محاضرة في الأزهر لخص فيها طعن جولدزيهر في الإمام الزهري، وكتب الشيخ مصطفى السباعي وكان آنذاك طالبا بحثا رد فيه على أستاذه، فثار جدل ضد علي عبدالقادر، فنصحه أحمد أمين بسلوك استراتيجيته في عرض النتائج الاستشراقية.

ويروي السباعي في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) الموقف قائلا: “لما ثار نقاش في الأزهر حول الإمام الزهري عام 1360هـ قال الأستاذ أحمد أمين للدكتور علي حسن عبدالقادر وهو الذي أثيرت الضجة حوله: (إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألاّ تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبا رقيقا لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في فجر الإسلام وضحى الإسلام) وهذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يومئذ نقلاً عن الأستاذ أحمد أمين”.

مراوغة الثمانينات

واستمراراً لنهج استهداف الشباب بالتغذية من الإشكالات الفكرية وبث الشبهات، يذكر المفكر المغربي محمد الجابري في خاتمة كتابه (بنية العقل العربي) الذي نشره منتصف الثمانينات أنه اتبع حيلة مغايرة عن مجايليه، وذلك حين رأى أن الدعوات العلمانية لمقاطعة التراث لم تنجح بل زاد التعلق بالتراث، فاقترح استثمار التراث لاستقطاب القارئ السلفي من الحركات الإسلامية لأحزابهم اليسارية.

ووجه الجابري رسالة إلى زملائه العلمانيين واليساريين: “إنه بدون التعامل النقدي العقلاني مع تراثنا لن نتمكن قط من تعميم الممارسة العقلانية على أوسع قطاعات فكرنا العربي المعاصر، القطاع الذي ينعت بالأصولي حينا وبالسلفي حينا آخر”.

ويرى الجابري أن أفضل طريقة لمواجهة اكتساح الصحوة الإسلامية حينها مواجهتها من داخل التراث نفسه بزعزعة السلطات الشرعية التي تحكم العقل العربي، فكان بذلك قد خطّ مسارا جديدا في مسار تغذية الفكر الإسلامي بالشبهات ومصادمة الفهم السلفي والنصوص الشرعية.

الاعتراف بالأيديولوجيا

ولم يلجأ المثقف إلى تلك الحيل عن اضطرار لمناكفة التيار والنقاشات الفكرية، بل إنهم اتجهوا إليها عن قصد وسبق تفكير وروية.

فهذا الجابري في كتابه (نحن والتراث) يلجأ إلى التصريح بأن كل ما يطرحه من مواقف تحليلية أبستمولوجية ليس مجرد استهلاك وأنه أيديولوجي حتى نخاعه، فيقول متسائلا: “هل يمكن الادعاء بأن قراءةً ما تصدر عنا نحن العرب المعاصرين، يمكن أن تكون متحررة من الهاجس الآيدلوجي..؟” ويستطرد بالقول “لقد سبق أن صرحنا بالطابع الأيدلوجي لقراءتنا، ونحن نؤكد هنا مرة أخرى، أنه لأفضل ألف مرة أن نحاول قراءة تراثنا قراءة أيدلوجية تريد أن تكون واعية، من أن نستمر في قراءته قراءة أيدلوجية غير واعية”.

ويذهب الجابري إلى أبعد من ذلك حين يقر في كتابه (الخطاب العربي المعاصر) عن طريقته التي يقدمها فيقول: “لا ندعي أننا نقوم بعمل بريء، أي بقراءة لا تسهم في إنتاج المقروء، فمثل هذه القراءة لا وجود لها” ويؤكد “بل إننا على العكس نحاول أن نسهم بوعي وتصميم في إنتاج مقروئنا”.

ويصرح كثير من رفاقه العلمانيين بأن الجابري يمارس القراءة التوظيفية الاستغلالية للتراث لا القراءة العلمية، وهو الأمر الذي يدلل على الأيديولوجيا المستترة تحت عباءة تناول النصوص التراثية وتجديدها وتحليلها.

التغذية المستمرة

إذا كان أحمد أمين قد ابتكر خدعة طرح أقوال المستشرقين وعدم نسبتها إليهم صراحة، ثم دفعها على أنها بحث ذاتي، وإلباسها ثوبا رقيقا لا يزعج من يمسها، فقد كان الجابري بعده بنحو نصف قرن يطرح حيلة أخرى تتذرع للمواجهة من داخل التراث نفسه من خلال زعزعة السلطات الشرعية التي تحكم العقل العربي وهي سلطة النص والسلف كما كان يسميها الجابري.

ورغم مواصلة المثقف حيله خلال الحقب الزمنية المختلفة إلا أن التصدي لها لا يزال يشهد تجديدًا متوالياً، يرد ويفضح الحيل، ويواجهها بثبات وتحصين فكري ناصع البياض.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *