دلالات الانفعال في خطاب حسن نصر الله

المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله منفعلاً يتوعد أكثر من مليون متظاهر في كل ميادين لبنان يطالبون بالتخلص من سطوة الحزب وحلفائه على الدولة اللبنانية، وإنهاء إغراق البلاد في فساد مطلق واستنزافها وتحويلها إلى رصاصة في جعبة إيران.

وقد حاول نصر الله خلال خطابه لعب دور المحايد والمتضامن مع فقراء لبنان، وتوعد ضمنياً بتمزيق الكيان السياسي للدولة اللبنانية وإنزال ميليشياته إلى الشارع، رافضاً استقالة الحكومة التي قادها سعد الحريري.

جعل حزب الله نفسه منذ عام 1984م متضامناً مع الأقلية العلوية المدعومة من سورية ضد الأغلبية السنية في طرابلس، وقمع أهل السنة في جنوب لبنان، ثم توّج جهده الرامي إلى تغليب الخطاب الطائفي على الخطاب الوطني اللبناني بقتل رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري عام 2005م، وأثبت أنه لا يمتلك أجندة سياسية وطنية بل هوية طائفية يتم توجيهها سياسياً وأمنياً من إيران في المنطقة، وهذا الأمر أقرّ به حزب الله في ميثاق انطلاقه الذي أعلنه في فبراير عام 1985م، وأقر خلاله بالخضوع التام لتوجيهات الولي الفقيه في إيران.

نجح الحزب في السنوات الأخيرة، لاسيما بعد انخراطه في الحرب مع النظام السوري، في الحفاظ على وجوده وسيطرته على الدولة اللبنانية بالاستعانة بحركة أمل وحليفه نبيه بري، وكذلك الماروني الجنرال السابق ميشيل عون، الذي جمع القوى اللبنانية المسيحية تحت مظلته لمساندة حزب الله. اتخذ رئيس الوزراء سعد الحريري خطوة ضرورية باتجاه رمي الكرة في ملعب حزب الله وحليفه ميشيل عون ممثلة في تقديم استقالة الحكومة، وهي خطوة وصفتها وزيرة الداخلية ريا الحسن بأنها “ضرورية لمنع الانزلاق نحو الاقتتال الأهلي”.

استقالة الحريري أدخلت الحزب في أزمة عميقة جدة ستؤثر في مصداقيته أمام الجمهور اللبناني، وبالفعل برهن على ذلك بإخراج المئات من أنصاره لتهديد المتظاهرين في مسيرات للدرجات النارية، إضافة إلى دفع بعض الجهات الأمنية لمحاولة تفريق المظاهرات ومواجهتها بالعنف. ورغم صمود قيادة الجيش في إظهار موقف يدعم الحراك الجماهيري إلا أن جنوح بعض عناصر الأجهزة الأمنية نحو العنف لتفريق المتظاهرين أكد أن حزب الله بدأ يحرك ميليشياته داخل المؤسسة الأمنية اللبنانية لاستخدام العنف كحل للخروج من أزمته.

ورغم ذلك التحالف وموقف سعد الحريري الضعيف منه بصفته ممثلاً للمكون السني في الكيان السياسي اللبناني إلا أنه لم ينجح في تجاوز العثرات الاقتصادية الضخمة التي تواجه لبنان سواء فيما يتعلق بالبطالة والفساد أم الخدمات العامة.

وعقب فشل الكتل السياسية في التجاوب مع مبادرة الحريري التي أطلقها منذ أسابيع قبيل استقالة حكومته، يعقد البرلمان اللبناني جلسة بدعم من رئيس حركة أمل نبيه بري؛ لتقديم مقترح قانون معجل يمنح العفو العام لمرتكبي عدد من الجرائم، وبحسب خبراء الساحة اللبنانية فإن بري حليف نصر الله يريد الإفراج عن تجار المخدرات في جنوب لبنان لإرضاء الطائفة الشيعية التي تعاطف عدد من أبنائها مع المظاهرات.

ورغم الغضب اللبناني الكبير الذي سببته الأزمة الاقتصادية إلا أن صراع الجماهير مع الحزب تتركز في سيطرة منظومة طائفية على اللون الوطني اللبناني وإقحام لبنان في معارك جانبية ليس لها علاقة بها، مثل: أزمة سورية، وتدخل حزب الله في العراق واليمن، وإرسال مقاتليه لمشاركة إيران في معاركها مع الحوثي ضد الشعب اليمني.

وقد كشفت المظاهرات الأخيرة في لبنان أنها ليست مظاهرة شعبية لمجموعة من الفتيات والفتيان الذين يعبرون عن غضبهم من البطالة والفساد، وربما ينتج عنها تخلي بعض حلفاء حزب الله في لبنان عنه، وهو في أشد أوقاته ضعفاً، ولا شك أن بعضهم سيتجه إلى القفز من السفينة قبل غرقها.

يوجد كذلك تحالف مسيحي يتشكل ويدعم في اتجاه إعادة صياغة اتفاق الطائف، وسط عدد من السيناريوهات، التي قد يكون من بينها استخدام حزب الله الحل الأمني للقضاء على المظاهرات.

إن لبنان مقبل على صنع هوية سياسية جديدة قد تلغي اتفاق الطائف وتعيد تشكيل القوى الأمنية على الأرض، وهذا الأمر فرصة كبيرة لأهل السنة في لبنان لإعادة ترتيب أولوياتهم والالتفات إلى العدو الحقيقي لهم، وهو النفوذ الإيراني والماروني في لبنان.

بقى أن نشير هنا إلى أن أبرز الأسباب التي قد تساعد على إنهاء نفوذ حزب الله في لبنان هو: أن الحزب استمر في التضحية بالطائفة الشيعية في لبنان منذ أكثر من 37 عاماً حتى حرب عام 2006م، ثم واصل ذلك بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011م حتى يومنا هذا، في معارك يستفيد منها حلفاؤه فقط، وبذلك استنزف الخزان البشري الذي يعتمد عليه، إضافة إلى المعضلة الأخرى، وهي: انخفاض نسبة المواليد لدى الأسر الشيعية بشكل كبير جداً، ونزوح كثير منها إلى المناطق الحضرية، وهذا الأمر يؤثر في القوة الانتخابية للحزب في صندوق الانتخابات، ويضعف قوته.

ويُضاف إلى ذلك أن توافد كثير من اللاجئين السوريين إلى لبنان رفع من ثقل المكون السني في الأماكن السنية التي تعد معقلاً لسنّة لبنان، مثل: طرابلس، إضافة إلى الوجود الفلسطيني المسلح في المخيمات، وهذا الأمر يحد من قدرة الحزب على المدى البعيد.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *