رصاصتان في جعبة إيران

المثقف الجديد - عمر سراقوة

تحدث جولات قصف خفيفة متبادلة بين حركة حماس والجيش الصهيوني على حدود قطاع غزة بصفة مستمرة، وغالباً يكون الهدف منها إشارات سياسية للضغط على قطر؛ لتسرع إلى تسليم المستحقات الشهرية للحركة البالغة 30 مليون دولار، إذا تم تأخيرها، أو أنها إشارة تضامنية مع الداعم الرئيس للحركة، وهو إيران، على خلفية أن حماس وإيران تقفان في الخندق نفسه!

التضامن العسكري بين حماس وإيران ليس وليد لحظة سياسية قاتمة تمر بها المنطقة وتعيشها الأحزاب السياسية الإخوانية، بل تلك الحالة لها امتداد تاريخي، وقد وفرت جماعة الإخوان المسلمين الحاضنة الشرعية لها منذ تأسيسها، فقد أفاض مرشد الجماعة الثالث، عمر التلمساني، في كتابه (ذكريات لا مذكرات) عن علاقة جماعة الإخوان المسلمين وجميع فروعها بالمذهب الاثنى عشري الشيعي، بقوله إنه سأل حسن البّنا عن مدى الخلاف بين السنّة والشّيْعَة، عندما رأى السيد محمد تقي القمي ينزل ضيفًا على الْإِخْوان الْمُسْلِمين في الأربعينيات، فقال البّنا: (اعلموا أن أهل السنة والشيعة مسلمون، تجمعهم كلمة لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، وهذا أصل العقيدة، والسنة والشيعة فيه سواء وعلى التقاء، أما الخلاف بينهما فهو في أمور من الممكن التقريب فيما بينهما).

أما حركة حماس فقد استثمرت الحاضنة الشرعية التي وفرتها الجماعة الأم لعلاقتها مع إيران والمنظمات التي تنفذ أنشطتها في المنطقة لحسابها، والعلاقة بينها وبين إيران نمت عبر وساطة من حزب الله اللبناني، بعد أن أبعدت حكومة الاحتلال الإسرائيلية في 17/12/1992م عددًا كبيرًا من قيادات حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، من قِطاع غزة والضفة الغربية إلى مِنْطَقَة (مرج الزهور) في جنوب لبنان، وكانت تلك الواقعة بداية اتصال بين الحرس الثوري الإيراني وقياداتٍ من الحركتين بوساطة من حزب الله اللبناني. ومن أبرز الشهادات حول هذا الأمر ما جاء على لسان أحد مؤسسي حماس، وهو عيسى النشار، الذي كان أحد المبعدين، فقد أفاد بأن التعاون الحقيقي بين حزب الله والحركة تم بتنسيق مشترك بين الحرس الثوري الْإيراني والجناح العسكري لحركة حماس بوساطة حزب الله اللبناني، وحركة الجهاد الإسلامي، التي كانت تتمتع برعاية إيرانية تامة.

 وأشار إلى أن مرج الزهور كان حاضنة لتحسن العلاقات بين حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني من جهة، والمنظمات الفلسطينية مثل حَمَاس والجهاد من جهة أخرى، حيث تواصلت مدة الإبعاد في جنوب لبنان لشخصيات بارزة من حركة حماس، مثل محمود الزهار، وإسماعيل هنية، وإسماعيل أبو شنب، وعبدالعزيز الرنتيسي، ومحمود أبوهنود، وعيسى النشار، مدة عام، جرت خلالها اتصالات عززت التعاون العسكري والمالي بين الطرفين.

ويُعدّ حزب الله المحور الرئيسي للدعم الإيراني للحركة؛ ولذلك حافظت حماس على حضور كبير ومكثف في لبنان على هذا التعاون، لكن خلال أزمة سورية التي أرسلت خلالها حماس بإرسال دعم لمجموعات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين هناك من بينها تقنيات عسكرية حصلت عليها من إيران حدث شرخ في العلاقات، جعل حزب لله ينذر عناصر حماس في الضاحية الجنوبية البالغ عددهم 300 عنصر بالانسحاب منها وإغلاق مكتب الحركة الذي يديره حتى الآن علي بركة. وكذلك أوقف حزب الله المخصصات الشهرية التي تدفعها إيران لمكتب الحركة، واضطرت حماس إلى تخطي هذه الأزمة بإرسال وفدٍ على رأسه محمود الزهار، أحد أركان العلاقة بين إيران وحركة حماس، إضافة إلى مروان عيسى، وعماد العلمي، وجرى تجاوز الأزمة، لكن رغم ذلك قام علي بركة ممثل حماس في لبنان بنقل مكتبه إلى صيدا؛ لكونها لا تخضع للسيطرة الأمنية للحزب.

وعلى رغم العلاقة المتينة بين الطرفين إلا أن حزب الله أراد تسديد ضربة موجعة لحركة حماس في قطاع غزة عبر توفير دعم للمتمرد على حركة الجهاد الإسلامي هشام سالم، وقام خلال الأعوام الخمسة الأخيرة بدعم وتدريب منشقين عن الحركة تحت اسم (حركة صابرين)، وأحدثت تلك المحاولة إرباكاً كبيراً للأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس في قطاع غزة الذي تسيطر عليه، لكن الحركة بعد أن تمكنت من التصالح مع حزب الله وعودة الاتصالات بين الطرفين أقدمت على إصدار قرار بإغلاق جمعية خيرية تديرها حركة صابرين وتقدم دعماً إغاثياً باسم (جمعية إمداد الخميني الخيرية)، كما مُنعت أي أنشطة إعلامية لحركة صابرين لكنها لم تغلق الباب تماماً في وجه إيران وحزب الله في قطاع غزة، فقد بدأت إيران بتوفير دعم لمنظمات فلسطينية صغيرة بعيداً عن مظلة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وهذا الأمر أثار الشكوك بشأن حاجة إيران إلى توفير بدائل عن الحركتين؛ بسبب رفضهما المشاركة العسكرية في حرب إيران في سورية على غرار ما فعل حزب الله.

الأمر الأخير الذي يمكن الحديث عنه هو الدعم الحقيقي الذي تقدمه إيران من خلال حزب الله لحركة حماس في قطاع غزة، ويشمل ذلك تدريب الكوادر العسكرية للحركة، وتوفير موازنة شهرية لدعم الجناح العسكري للحركة أشارت بعض المصادر إلى أنها قد تصل إلى 30 مليون دولار شهرياً، لكن لا توجد تأكيدات رسمية بشأن هذا الموضوع، إضافة إلى الدعم اللوجستي الذي يركز في توفير الأسلحة وتسهيل عمليات تهريبها إلى القطاع.

في شهر يوليو الماضي زار وفد من قياديي حماس برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي للحركة صالح العاروري طهران بعد انقطاع دام خمس سنوات، والتقوا المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتلك الزيارة لم تكن الأولى إلى طهران، لكنها كانت الأولى منذ الأزمة السورية، وكذلك الأولى التي يلتقي فيها قادة حماس المرشد خامنئي. وخلال اللقاء الذي بدا وكأنه لقاء استشفاع واسترضاء قال العاروري: ( نعد أنفسنا في الخط الأمامي في الجبهة الداعمة لإيران) ولا شك أن تلك الإشارة تعبر عن مدى تورط حركة حماس في العلاقة مع إيران واستعدادها للالتحام التام بمشروعها، الذي أصبح شريان حياة لحماس بعد أزماتها المتلاحقة خلال العقد الأخير وإغلاق مكتبها في قطر، إضافة إلى طردها من دمشق عقب اندلاع الثورة السورية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *