الباقورة والغمر… سقط الانتفاع وبقي الابتزاز!

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

استعادت الأردن السيادة “الباقورة” بعد احتلال استمر لعقود، وهي منطقة زراعية حدودية تقع شرق نهر الأردن في محافظة أربد، وتقدر مساحتها بنحو 6 آلاف دونم، أما “الغمر” فهي منطقة صحراوية تقع في محافظة العقبة، وتبلغ مساحتها أربعة كيلومترات مربعة.

في عام 1967م احتلت إسرائيل الغمر واستمرت في احتلالها حتى جاءت اتفاقية وادي عربة، التي وقعت بين الملك حسين ورئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين وحددت وضعية “الباقورة” و”الغمر” أراضي مستأجرة يستثمرها المزارعون الإسرائيليون، ويتم تجديد عقد التأجير بصورة سنوية تلقائياً. وخلال المفاوضات بشأن إتفاقية وادي عربة عام 1994م عرضت إسرائيل على الأردن استبدال الخصبة أراض صخرية داخل صحراء النقب بتلك الأراضي، ضمن مجموعة تبادلات حدثت في المنطقة، شملت أحواضاً ملحية جنوب البحر الميت.

وأصرت الحكومة الإسرائيلية على الاحتفاظ بهذه الأراضي لكونها تمتد إلى مستوطنة “تسوفار” التي تأسست عام 1968م وعرفت باسم مستوطنة “ناحال”، ثم تحوّلت عام 1975م إلى قرية “موشاف” الزراعيّة، فتم الاتفاق على إدراج “الغمر” ضمن نظام خاص تم وضعه في مُلحَق في معاهدة السلام ينصّ على أنها تحت السيادة الأردنيّة، ولكنها لا تخضع لقوانين الجمارك الأردنيّة، ويتم تأجيرها لإسرائيل، حيث توجد ملكيّات خاصة لمزارعين إسرائيليين، كما يتعهّد الأردن بحمياتهم. ونص الاتفاق على أن يحتفظ المزارعون الإسرائيليون بالأراضي في تلك المنطقتين إلى حين مطالبة الحكومة الأردنية باستعادتها، وهو الأمر الذي تم في بداية عام 2018م.

ففي 21 أكتوبر عام 2018م أعلنت الأردن رفضها تجديد اتفاقية الباقورة والغمر لإسرائيل؛ وذلك استجابة لمظاهرات خرجت منددة باستمرار الخضوع لضغط لإسرائيل. وعقب الإعلان الأردني هدد وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أرئيل، بقطع المياه عن العاصمة الأردنية عمَّان، وقال في مقابلة مع القناة الأولى الإسرائيلية: إنَّ إسرائيل ستُقلِّص المياه التي تزود بها عمَّان من أربعة أيَّام إلى يومين في الأسبوع إذا أُلغي المُلحق الخاص بقريتي الغمر والباقورة.

تاريخياً: احتلت إسرائيل المنطقة الواقعة عند ملتقى نهر اليرموك ونهر الأردن في الباقورة عام 1950م ومازالت تلك المنطقة مسجلة باسم بنحاس روتنبرغ اليهودي الذي منحته بريطانيا في عام 1921م حق امتياز استغلال نهري الاردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية لإنارة المدن الفلسطينية ولواء عجلون، وهي مناطق كانت خاضعة لحكومة الانتداب البريطاني في تلك الحقبة.

وتتمسك إسرائيل بتلك المناطق؛ لأنها تعد جزءاً من سلة غذاء إسرائيل، فالباقورة لأنها تمثل نقطة التقاء نهر اليرموك مع نهر الأردن، وهذا الأمر يجعلها من أخصب المناطق الزراعية، وتدر عائدات مالية ضخمة على المزارعين الإسرائيليين، أما منطقة الغمر فلها أهمية عسكرية؛ لكونها تقع في منطقة حدودية مفتوحة.

أما إصرار الأردن على استعادة المنطقتين في هذا التوقيت بالتحديد فله بُعد معنوي كبير؛ لأن الأردن كان يعاني من احتجاجات كبيرة بسبب أزمة الضرائب والمعلمين، لذلك يتم استدعاء مثل هذه الأحداث لتوحيد الخطاب الوطني، إضافة إلى التوتر الحاصل بين الأردن وإسرائيل على خلفية تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي هدد قبل الانتخابات الأخيرة بفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق غور الأردن وشمال البحر الميت.

كذلك توجد أزمات تتعلق بصفقة إنشاء محطة لتحليلة المياه في العقبة عام 2015م، وهي صفقة مشتركة لم تلتزم إسرائيل بتنفيذها، وكذلك مشروع قناة تربط البحر الأحمر والبحر الميت، وهو اتفاقية وقعت عام 2013م ولم تلتزم إسرائيل بتنفيذها، وكان الغرض منها تعويض النقص الحاد في المياه التي تعاني منه الأردن. وكان الهدف من المشروع المساعدة على تجديد البحر الميت الذي يتلقص بسرعة، وتوفير مبالغ طائلة على الأردن يصرفها على شراء المياه من إسرائيل.

وقالت بعض الشخصيات الرسمية الإسرائيلية: إن الحكومة قد تستخدم صفقة الغاز التي بموجبها سيتم توريد 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الأردن، وهي صفقة تقدر قيمتها 10 مليارات دولار. وهذا الأمر ألمح إليه بنيامين نتنياهو في تصريحات نشرتها صحيفة “إسرائيل هيوم” قبل أيام، حيث أشار إلى أن العلاقة بين الأردن وإسرائيل قوية جداً، وقال: إن إسرائيل تساعد الأردن على أمور استخبارية ولوجستية لا يمكن الحديث عنها في الإعلام لذلك يمكن تجاوز هذه الأزمة، وهذا الأمر يُعدّ تهديداً من نتنياهو الذي يعيش أزمة داخلية بسبب عدم قدرته على تشكيل حكومة إئتلافية وانتظار القضاء رفع الحصانة عنه لمحاكمته في ثلاث قضايا فساد.

هذا وقد تناولت بعض الصحف الإسرائيلية أنباء غريبة حول إمكانية السماح للمزارعين الإسرائيليين باستخدام الأراضي والدخول إلى مزارعهم مرة أخرى.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *