تسريبات “نيويورك تايمز” عن العراق

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

في الثمانينيات من القرن الماضي كان لدى رئيس العراق الأسبق صدام حسين تخوف كبير من إلهام الثورة الإيرانية الأغلبية الشيعية في العراق للتمرد على القيادة العراقية، فبادر بشن بحرب وقائية ضدها لدرء خطرها، ولئلا تصل نار ثورة الخميني إلى بلاده، خصوصاً أن الخميني لم يكن يخفي في خطاباته نيته التمدد عبر دول الجوار لنشر فكر الثورة الإيرانية في المنطقة، التي بالفعل شاهد العالم كله مخاطرها، من بداية انطلاقتها حتى يومنا هذا، وما تقوم به من إرهاب استهدف السعودية والكويت والبحرين والعراق وسورية ولبنان واليمن وغيرها.

وعندما سقط نظام صدام حسين عام 2003م استطاعت إيران السيطرة بقوة على كل مقاليد السلطة في العراق، ولذلك نرى أن التسريبات التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز مؤخراً لم تأت بجديد؛ فالأحزاب الشيعية العراقية الممولة إيرانياً عملت بدعم من طهران منذ عام 1992م على إسقاط نظام صدام حسين لوضع بديل له آخر تابع لملالي إيران، وفي هذا السياق قام كل من حزب “الدعوة” الاسلامي و”المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” بالتعاون مع المرجعيات الدينية الشيعية وخاصة مجموعات المرجع السيستاني و الخوئي ومجموعات شيعية أخرى بالعمل على تكوين خلية عمل لإسقاط نظام صدام حسين بدعم مالي ولوجستي وتعاون وثيق مع إيران، وفي هذا الصدد تم إنشاء ما عُرف بفيلق بدر العسكري: الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي كان يرأسه المرجع محمد باقر الحكيم، واتخذ من جنوب البلاد مقرات عسكرية له، وكانت قواته تزيد على 70 ألف مقاتل، وشارك فيما بعد في الحرب ضد قوات النظام العراقي، وخطّط مع عدد من جنرالات الجيش العراقي للعمل على عدم تنفيذ أوامر القيادة العراقية؛ وذلك ما أسهم بشكل ملحوظ في إسقاط نظام صدام حسين عام 2003م.

وفي الوقت نفسه عملت تلك المجموعات بقوة على تأسيس جناح سياسي معارض لنظام صدام حسين في لندن وواشنطن، وإنشاء لوبي للتحريض عليه، ثم العمل على إسقاطه، وقد كان لأحمد الجلبي دور كبير في تلفيق الأكاذيب التي صدقها الغرب حول قدرات نظام صدام حسين المزعومة في مجال التسلح النووي والكيماوي، وما ساقه فيما بعد من أكاذيب حول علاقة النظام العراقي بتنظيم القاعدة، كل هذه الترهات جرت بهدف جرّ القوى الكبرى إلى شن حرب لإسقاط نظام صدام حسين، وقد اعترفت القيادة الأمريكية والبريطانية فيما بعد بأنه تم التغرير بهما بما قُدِّم من معلومات كاذبة حول القدرات العسكرية المزعومة لنظام صدام حسين.

وعندما سقط نظام صدام حسين عام 2003م وصلت قوى سياسية عدة إلى سدة الحكم في العراق، كان على رأسها تلك القوى الشيعية المذكورة التابعة والممولة من إيران، ومعها قوى رديفة شيعية وكردية وسنية عربية لم يكن لها من الأمر شيء سوى تعبئة شواغر بعض الحقائب الوزارية الثانوية في الحكومات العراقية التي أثبتت إخفاقها في قيادة دفة حكم البلاد على الصُعُد كافة، وربما لم تنجح في فعل شيء سوى رهن القرار العراقي بالقرار الإيراني.

وقد لمعت بعد سقوط نظام صدام حسين أسماء أشخاص عُرف عنهم ولاؤهم لطهران، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نوري المالكي ووزير الداخلية بيان جبر، الذي اشتهر بمجازره ضد أهل السنة في العراق، وموفق الربيعي، وحيدر العبادي، وإبراهيم الجعفري، وجميعهم تربطهم علاقات وطيدة إن لم تكن علاقة تبعية كاملة مع إيران، ولا ننسى هادي العامري الملقب برجل إيران في العراق، وهو مؤسس فيلق بدر العسكري الممول إيرانياً، وتقلّد عدة مناصب حكومية في الحكومة العراقية بعد عام 2003م.

لا يخفى على أحد أن إيران تتحكم اليوم في مقاليد الحكم في العراق، وأن أهم شخصي إيرانية تعمل بقوة على أرض العراق هو: الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي أصبح على ما يبدو الحاكم الفعلي للبلاد، ويملي أوامره على الساسة العراقيين ورجاله من قادة ميليشيات الحشد، ويعد سليماني رجل طهران الأساسي في العراق، ودأب على زيارة بغداد خلال الاضطرابات السياسية، وكانت آخرها زيارته المتكررة الرامية إلى خنق الاحتجاجات، ولعله يفشل في ذلك.

إن أهم وزارات الدولة العراقية هما وزارتا الداخلية والدفاع، وقد وصفهما السياسي العراقي (مشعل الجبوري بأنهما محكومتان من شخصيات إيرانية متنفذة في العراق، ولعل ما زاد من إحكام قبضة إيران على كثير من مفاصل الدولة العراقية أن معظم من وصل إلى سدة الحكم فيها كانوا موالين لإيران أو تابعين لأحزاب وقوى دينية ممولة وتابعة لإيران، مثل حزب الدعوة وفيلق بدر والحشد الشعبي وقوات الصدر والمجلس الأعلى للثورة وحزب الله العراقي، إضافة إلى أن كثيراً من المرجعيات الدينية الشيعية في العراق تابعة لإيران بشكل أو آخر.

وقد ساعد إيران كثيراً على إيجاد موطئ قدم ثابت لها في العراق تمزق الدول العربية وتشتتهم، إضافة إلى وجود جماعات ذات بعد ديني ذوات نفوذ ترغب في اتباعها والتحالف معها.

وتلخص تصريحات الرئيس الإيراني روحاني مؤخراً أمام مجلس الشورى الإيراني الوضع الإيراني في العراق حين قال: “نعم لنا نفوذ قوي في العراق وسورية ولبنان لأنها مجالنا الأمني الذي لن تخلى عنه”. وهذه هذه العبارة الأخيرة التي نطق بها روحاني لا أدري كيف أغفلتها قوى الغرب ذات التمدد الإمبراطوري، وهي التي يعرف تاريخها وأدبيّاتها المسلّمة أي معنى ترمي إليه.

وقد غضّت الولايات المتحدة بعد اجتياحها العراق عام 2003م الطرف عن التغلغل الإيراني في العراق ظناً منها أن ذلك سيخدم الأجندات الامريكية مستقبلاً في مكافحة التطرف السني المتمثل في تنظيم “القاعدة” هناك، لكن إيران استغلت التطرفين والتشددين والإرهابين (السني والشيعي) وأذكتهما، ثم فرشت عليهما وسادتها، وتربعت عليها، برؤية كسرويّة واضحة لا تخطئها العين المبصرة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *