ماذا جرى للعالم في عام 2019م؟!

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

أوشك عام 2019م على الانقضاء مع حمل ثقيل من الأزمات العالقة على المستوى العالمي والإقليمي، فقد نفذ الإسترالي  برينتون تارنت هجوماً على مسجد في مدينة كريست تشيرش في نيوزيلندا وقتل 51 مسلماً وأصيب العشرات، وتضخمت على الكراهية في العالم الغربي للأقليات واللاجئين، واستنهض الحدث مزيداً من الفوبيا ضد الإسلام والمسلمين، بدلاً من أن يجلب ذلك مزيداً من التعاطف معهم؛ وهذا أسهم في استمرار صعود الأحزاب اليمينية في الانتخابات الأوربية فشهدنا صعود بوريس جونسون بزعامة المحافظين إلى سدة الحكم في بريطانيا، ونتج من ذلك تعنت موقفه من انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوربي، وإرباك الموقف الداخلي البريطاني من أزمة “بريكست”.

وفي بولندا فاز حزب القانون والعدالة بزعامة ياروسلاف كاتشينسكي في الانتخابات التشريعية بعد حصوله على نسبة 43,59 في المئة من أصوات الناخبين؛ وبذلك نال الحزب القومي المحافظ الحاكم 235 مقعداً في البرلمان المؤلف من 460 مقعدا.

لقد أفرزت المرحلة السابقة في أوربا التي أثرت فيها كثيراً أزمة اللاجئين والخلافات الأوربية الأمريكية والأوربية الداخلية ظهور خريطة جديدة، فللمرة الأولى منذ 40 عاما فحسب حصل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الفرنسي بزعامة مارلين لوبان على 24 في المئة من الأصوات متقدماً على حزب إيمانويل ماكرون، الذي نال ما بين 22 و23 في المئة. وكذلك الأمر لماتيو سلفيني في إيطاليا، وهذا الأمر جعل اليمين داخل البرلمان الأوربي قوة لا يستهان بها ستؤثر مستقبلاً في سياسيات الاتحاد.

وكذلك جرّت أزمة سورية المندلعة منذ 2011م خلافات كثيرة عالقة في الشرق الأوسط، فبسبب تعنت الموقف التركي من الأزمة وإصرار أنقرة على طرد الأكراد من الشمال السوري وتمسكها بشراكة روسية إيرانية في سورية، قامت الولايات المتحدة بوقف بيع طائرات (إف 35) على أنقرة، ووقف برنامج مخصص لتدريب الطيارين الأتراك، وطالبت تركيا بوقف التعاون مع روسيا وإلغاء شراء منظومة صواريخ الدفاع الجوي (إس 400).

وقد ذهبت واشنطن بعيداً في هذه الأزمة، فانسحبت من المناطق التي تسيطر عليها في الشمال السوري، وتركت المنطقة في مواجهة مفتوحة بين الجماعات الكردية المسلحة والأتراك، إضافة إلى ترك مساحة للنظام السوري للاستيلاء على مناطق تريد أنقرة السيطرة عليها في الشمال مثل منبج.

وعلى غرار الخطوة الأمريكية نفذت تركيا حملة عسكرية في الشمال السوري بهدف طرد الجماعات الكردية والاستيلاء على مناطق تمكنها من إقامة منطقة آمنة على حدودها، لكن التقدم الروسي السوري في الشمال حد من فاعلية هذه العملية، وأجبر أنقرة على إشراك روسيا في وضع الحلول الأمنية في الشمال السوري.

الخطوة الأكثر أهمية التي شهدها عام 2019م، هي: أن انسحاب القوات الأمريكية سبب تمكين مليشيات إيرانية وقوات تابعة للحرس الثوري الإيراني من الاستيلاء على جانبي الحدود العراقية السورية؛ وهذا الأمر يسمح لإيران بالسير قدماً في مشروعها الكبير في الشرق الأوسط، الذي يهدف إلى توفير ممر بري من الحدود الإيرانية حتى البحر المتوسط.

وفي اسرائيل أيضاً سببت الأزمة الأمنية مع قطاع غزة زيادة سطوة اليمين الإسرائيلي داخل الكنيست؛ وهذا الأمر سمح بصعود حزب “أزرق _أبيض” المائل إلى الوسط في الانتخابات الأخيرة، وبروز أزمة حكم تتعلق بتقارب المقاعد في الكنيست بين حزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو و”أزرق-أبيض” بزعامة بني غانيتس، وهو جنرال سابق وعد بتحجيم قوة اليمين في مؤسسات الدولة. عمق الأزمة في إسرائيل سببها رفض بنيامين نتنياهو التخلي عن رئاسة الحكومة بسبب الحصانة التي يتمتع بها وتمنع القضاء من محاكمته في ثلاث قضايا فساد تحقق فيها الشرطة منذ ثلاث سنوات، لذلك يُتوقع أن تجرى انتخابات عامة جديدة إن لم ينجح الطرفان في تشكيل حكومة ائتلاف أو حكومة أقليات.

وسط موجة الأزمات المتلاحقة على المستوى العالمي التي كان صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزامناً لها، وعانى ترامب من تهديد كبير بعد أن أعلنت الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب بدء إجراءات لعزله على خلفية الضغط على أوكرانيا بتأخير المساعدات المالية الأمريكية، مقابل قيام كييف بفتح تحقيق يخص نجل المرشح الديمقراطي جو بايدن، وهو منافس شرس لترامب.

وفي تونس أيضاً أفرزت الانتخابات الرئاسية بعد وفاة الرئيس الباجي القايد السبسي حالة جديدة سمحت بسقوط حزب “نداء تونس” وهو المنافس التقليدي لحركة “النهضة” الإخوانية منذ سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وأدى ذلك إلى ظهور منافس جديد تمثل في “قلب تونس” الذي يتزعمه إمبراطور الإعلام نبيل القروي الذي فشل في الصعود إلى سدة الحكم في المرحلة الثانية للانتخابات الرئاسية التي فاز بها رجل القانون قيس بن سعيد.

وفي الجزائر أجبرت التظاهرات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على تقديم استقالته، وتحت ضغط الجماهير بدأ أحمد قايد صالح بلورة هوية سياسية للبلاد كانت خطواتها الأولى وضع معظم رموز النظام السابق في السجون بتهم فساد، والاتجاه إلى مرحلة جديدة عبر انتخابات رئاسية من المفترض أن تنتهي في ديسمبر عام 2019م، إضافة إلى احتواء المظاهرات.

وفي لبنان أيضاً شهد عام 2019م ما هو أشبه بثورة قومية لبنانية على حزب الله والبرلمان اللبناني الذي يتزعمه الحزب، بالشراكة مع حركة أمل بزعامة نبيه بري والموارنة بزعامة الرئيس ميشيل عون، وتميزت التظاهرات اللبنانية بأن المشاركة فيها شملت ألوان طيف الطوائف اللبنانية مجتمعة، بما في ذلك الشيعة الذين كانوا في المرحلة الماضية وقوداً لحروب حزب الله في سورية وغيرها من مناطق الصراع التي يدافع فيها الحزب عن إيران. وعلى وقع المظاهرات قدم سعد الحريري استقالته واستمر حزب الله في عناده وكذلك معه ميشيل عون، الذي يرى أن انهيار الكيان السياسي الذي يدعمه الحزب قد يعني نفاد حظ الطرفين في الحفاظ على نفوذهما في مؤسسات الدولة اللبنانية؛ وذلك يتيح المجال لما طالب به البعض، وهو إلغاء نظام المحاصصة الطائفية في لبنان.

وقد أحيت مظاهرات لبنان أيضاً من جديد الحراك القومي العراقي الذي يطالب بإخراج إيران من العراق، ونتج عن الاحتجاجات في العراق مقتل أكثر من 250 قتيلاً وعشرات الإصابات، في مواجهات شهدتها الميادين العامة العراقية بين المتظاهرين ومليشيات تديرها أحزاب عراقية موالية لإيران، وعد البعض تلك الثورة بمثابة إعلان مواجهة بين إيران والولايات المتحدة في العراق لاسيما أن طهران تستغل بغداد للتهرب من العقوبات الأمريكية التي فرضتها عليها بسبب الملف النووي.

وكذلك، ظهرت في إيران بوادر ثورة تشارك فيها للمرة الأولى جميع الإثنيات العرقية في إيران من بلوش وأذريين وفرس وعرب وتركمان، وهي الحدث الأكبر والأهم في الشرق الأوسط، الذي إنْ نجح فستكون ضربة قاسية لإنهاء حكم ملالي طهران وإنهاء ازمات كبيرة مركبة على بقاء إيران في المنطقة، أبرزها عدوان جماعة الحوثي على اليمن، ودعمها النظام السوري، وكذلك ما يجري في العراق ولبنان، وكل ذلك يرتبط بتأثير القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رغم التفاصيل الصغيرة للأحداث إلا أن امتداداتها تكون غالباً متأثرة بنفوذ القوى كبرى في العالم؛ فالملف السوري واللبناني والعراقي واليمن ترتبط ارتباطاً كلياً بإيران، وصمود إيران في وجه الضغوط مرتبط بتهاون الروس والأوربيين بتهاون معها في ملف العقوبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *